كيف استقبل العراقيون النفير العام ؟

كيف استقبل العراقيون النفير العام ؟

كمال لطيف سالم
 يتذكر المعمرون العراقيون دون شك"السفر بر" او ما يطلق عليه على لسان العامة"دكة الغربية"حيث اخذت النسوة يندبن بقولهن"أويلاخ يا دكة الغربية"، وقد حزن الناس حزنا شديدا على مصير المجندين العراقيين الذين لاقوا حتفهم برداً وجوعا وقتلا،والذين نجوا من تلك الكارثة احتفظوا ببعض الذكريات عن احوال تلك الرحلة الشاقة مشيا على الاقدام لملاقاة مصير مجهول،

يذكر الدكتور علي الوردي الواقعة في كتابه"لمحات من تاريخ العراق الحديث"في صباح 3 آب من عام 1914 فوجيء العراقيون بالطبول تدق على غير العادة، وشاهدوا على الجدران، اعلانات رسم فيها صورة مدفع وبندقية، وقد كتب تحتها عبارة تركية"سفر برلك"وار – عسكر اولاتلر سلاح ياشنه"ومعناها ان النفير العام قد اعلن وعلى الجنود او يكونوا على اهبة الاستعداد باسلحتهم.
كان القصد من هذا الاعلان البدء بالتعبئة العامة دون الاشتراك في الحرب، اذ ان تركيا لم تدخل الحرب الا بعد ثلاثة اشهر ولكن العامة في العراق، لم يفهموا ذلك، ولم يميزوا بين اعلان النفير والدخول في الحرب، فساد الوجوم على الكثير منهم وعدوا الامر من قبيل البلاء.
وقد فسر بعضهم عبارة"سفر برلك وار"بانها تعني السفر الى بلدة وان في الاناضول، فهم جعلوا الراء في وارتونا، ولم يقتصر هذا الخطأ على العراق وحده، بل ان العامة في الاناضول ايضا قرأوا العبارة على انها السفر الى (وان).
لقد بدأ الجنود الاتراك يفرون من صفوف الجيش من اواخر عام 1916، وقد سبق الجنود العراقيون اولئك بمدة طويلة، اذ هم بدأوا يفرون منذ يوم اعلان النفير العام، وظلوا كذلك حتى نهاية الحرب؟
وكلمة"سفر برلك"تحولت على لسان العراقيين الى"سفر علك"؟ وصار الناس يتعاونون في مساعدة الذين يريدون الفرار، وفي تضليل الباحثين عنهم، من رجال الحكومة، وقد اخذت الحكومة تشتد في ملاحقة الفارين، فكان رجال الدرك، الجندرمة، يتعقبون الفارين ويطرقون عليهم البيوت، ويطاردونهم من فوق الشطوح ومن خلال اشجار البساتين، وحين يعجزون عن القبض على احد منهم، يلقون القبض على ابيه او اخيه ولا يطلقون سراح احد منهما الا بعد ان يسلم الفار نفسه، وعندما كثر الفرار من صفوف الجيش اصدر انور باشا"وزير الحربية امراً باعدام نصف الفارين المقبوض عليهم، وسوق النصف الآخر الى ساحة القتال.
وفي اواخر شباط من عام 1915 جرى في بغداد اول اعدام من هذا القبيل، وكان لرجل يهودي اسمه ياسين بن يعقوب من محلة قنبر علي وقد اعدم، وتوالت بعد ذلك مشاهد الاعدامات، ولم ينج من التجنيد، سوى الذين كانوا يحملون رعوبات اجنبية.
وقد نجت من التجنيد الاسر الغنية واولو النفوذ، تجربة مريرة للعراقيين في تجنيد عام 1877، حين سبق عشرة الاف مجند عراقي الى قفقاسيا، فهلك اكثرهم من شدة البرد والجوع، ومن هنا نشأت النوحية المشهورة في العراق"اويلاح يا دكة الغربية"، ثم جاء عام 1904 بتجربة مريرة حيث هلك الاف من المجندين في العراء، وهي الكارثة التي اشتهرت في العراق باسم"دكة ابن رشيد"، ودكة الغربية عام 1914، معظم الذين ذهبوا لم يعودوا.

 شهود عيان
يذكر الاستاذ محمد الجبوري عن ابيه اسماعيل سبع الجبوري"عندما اعلنت الدولة العثمانية انضمامها الى المانيا ضد الحلفاء، إبان الحرب العالمية الاولى طبقت النفير العام، في ارجاء الامبراطورية، والنفير العام يشمل الرجال فقط، والذين تتراوح اعمارهم بين السنة السادسة عشرة، وبين الخمسين عاما، فانسحب النفير العام على رجال كثيرين منهم من اكمل الخدمة العسكرية، ومنهم من لم يدخلها، وتجمعوا بمسيرة ضخمة في شارع الرشيد، وكان شهر رمضان انذاك، واتجهوا نحو القلعة، وسط زغاريد النساء وهتافات الصبيان، وكان المعروف انذاك ان الذين يذهب الى الحرب لايعود، فكان الجنود يرددون اثناء مسيرهم.
ببرق الموت رفرف فوك روس النشامه
يا حبيبي تنحه طارش جانه
لانهم يدركون ادراكا تاما انهم سوف يقاتلون في حرب غير متكافئة لان الدولة العثمانية"الرجل المريض"كانت تعاني من الضعف والانهيار الذي يؤذن بالسقوط واتجهوا نحو القلعة على ان يكون التوجه الى جبهات القتال صباح اليوم التالي، واصر الملا عثمان الموصلي على اقامة المنقبة النبوية الشريفة توديعا للعسكر"الجنود"وتم ذلك في جامع الحيدرخانة، حيث جمع الجنود واقيمت المنقبة النبوية وقرا الملا عثمان على نغم المقام العراقي قصيدة نظمها للمناسبة، لم يبق في الذاكرة منها سوى بيت واحد.
عسكرنا سفر بر هلل له وكبر
وفي اليوم التالي توجه الجنود الى محطة القطار حيث اقلهم الى سامراء، لان سكة الحديد كانت تبدأ من بغداد وتنتهي في سامراء، بعدها ترجل الجنود وعليهم ان يقطعوا المسافة سيرا على الاقدام من سامراء الى روسيا القيصرية، وبدأت المسيرة الطويلة بكل معاناتهم، واستبدلت"التفك"فقط ببنادق حديثة تستوعب عشر إطلاقات. وزود كل جندي بخمسين اطلاقة يضعها في صف رصاص مصنوع من الجلد فيه جيوب توضع فيها الاطلاقات، وكانت تعمل في معمل الجيش، قسم السراجة في"العبخانة""منطقة العبخانة حاليا". وكان الضابط يمتطي الجواد وكذلك الامام الذي يصلي بالجنود. اما الباقون فكانوا يقطعون المسافات الشاسعة سيرا على الاقدام ومن ضمنهم"الجاووش"اي العريف. وقطعت المسافة بين صعود الجبال والسير في الوديان. ودخل الجيش الاراضي الروسية، ونزلت الثلوج حيث غطت الارض، والتقى الجيش الصاعد بجيش كان على خطوط التماس وهو عائد مخذول، وقد خسر معركة خاضها ضد الروس ولكنهم لم يفصحوا عن الخسارة لكي لا يرهب الجيش القادم من بغداد، ولكن اسماعيل سبع الجبوري الذي كان برتبه جاووش انتزعها من رجل عربي شمري حيث قال الشمري وهو يقود جواده بيده"الزود الهم"، وفهم القصد ولكنه اسرها في نفسه ولم يبدها للجنود. لان موعد المعركة قريب وبلغ الجنود بانهم على خطوط التماس، وعليهم ان يحفروا"السوييرات"اي"الخنادق"حيث تم الحفر ووضعت المدافع خلف المشاة فهرس اسماعيل سبع يشجع الجنود.

مالك عكل يالي تهاب الموت
يومه المنيه مايموت انسان
وارتفعت اصوات الجنود بالاهازيج ثم واصل
حورب واندب الفرسان
لو صالت عليك الكوم
عين الما بجت لحسين
عميه وما تذوك النوم
* ثم نادى بصوته الجمهوري
يابو بكر شديد الباس
فاروقنا يرعى العدا كرداس
عثمان لو صار الحرب لاباس
لكن علي تشهد له الكفار
سري وجنيد مع معروف
شدوا محازمهم على المسقوف
امة محمد يوم الجهاد صفوف
مايرهبون الطوب لمن ثار
سهروردي فزعة المضيوم
وابن ثابت بحر العلوم
ليث السرايا للعدا جزار
عربي قرص تسمع حنين الطوب

واقتربت ساعة الصفر، واشتبك الجيشان عند اول اطلاقة مدفع، ارتد احد الجنود خوفا وكان يهوديا؟ وحاول الهزيمة فسحب الضابط مسدسه يريد قتله ولكن المرحوم اسماعيل الجبوري منعه من ذلك وقال له لا تطلق النار عليه لانه قد فزع ولم يشهد قتالا من قبل، فهدأ الضابط وعاد اليهودي الى (السوير) واستمرت المعركة، وقد استطاع الجيش العثماني والذي جله من العراقيين ان يهزم الجيش الروسي، وقد اشتبك الجيش ثلاث مرات مع جيش روسيا القيصرية، وفي المرة الثالثة امر الجيش بالانسحاب ليلا لانهم توقعوا ان الجيش العثماني سوف يطوقه الروس، وعندما اشرقت الشمس كانوا بعيدين عن ارض المعركة. ومما يرويه المرحوم اسماعيل الجبوري. انهم عبروا مرة على نهر متجمد بمدافعهم وخيولهم وتجهيزاتهم، فكان الجليد خير جسر لهم.
وروى ايضا: ان محمد باشا الداغستاني قد زارهم وهم في الجبهة. فتجمع الجنود في صفوف لاستقباله وعندما اقترب عملوا"سنكي صاغ"اي ركبوا الحراب على البنادق، وعندما وصل الصفوف اخذوا له"سلام لغ"اي اخذوا له تحية بالبنادق وقد اوصى محمد باشا الداغستاني قائد الجند بقوله"هؤلاء ابناء بغداد اولاد عز فاوصيك بهم خيرا"بعدها ودعم وعاد ادراجه.
كانت الارزاق قليلة"التمرين"حيث كانت تقدم اليهم"القلاطة"والقلاطة اشبه بالصمون اليابس، فكان يكسرها باخمص البندقية، وفي ليلة تعش الجيش كله بصلا وقد ضاق صدر الجنود بما حل بهم من سوء التغذية، وقلة العناية، فبدؤا يمرضون ويموتون من شدة البرد وقلة الغذاء، فارتفع صوت حائك من اهالي باب الشيخ وهو يقول:
لعنة بلد موشها مع تبليسها والوان
بيهه كل العساكر نايمة وتون
والكردي بيها سكن عاف الوطن ماون
ديارها موحشة واطرافها اجيال
جلجل علينا الوفر شبه المحيط جبال
ناديت ياخالجي شنه السكم بجبال
بغداد دار المعزة والمذلة بوان

ومما يرويه المرحوم اسماعيل الجبوري انه اراد ان يشتري حذاء من مدينة واقعة على جبل قريب منهم، واتفق مع مجموعة من الجنود كانوا بحاجة الى احذية، وكانت المدينة تبدو قريبة، واستمروا بالصعود ولكن البصر قد خدعهم فلم يصلوها إلا عصرا، فلما دخلوها القي القبض عليهم من قبل المسؤول العثماني بعد ان اتهمهم بانهم يحاولون الهروب، واودعوا السجن الى ان استطاعوا بعد ايام ان يقنعوا قائدا جاء لزيارة القلعة بكونهم جاءوا لشراء الاحذية، ولما اقتنع افرج عنهم ثم عادوا، وعندا وصلوا الى منطقة المعسكر لم يجدوا الجيش، وعندا سألوا احد القرويين قال لهم، ان جيشكم قد توجه الى بغداد قبل يومين، وكان عددهم عشرة وهم يحملون بنادقهم وعتادهم، فقرروا اللحاق بالجيش، وتوجهوا نحو بغداد، وبعد مسيرة وصلوا الى مكان شاهدوا من بعيد على مرتفع من الارض جنودا يركبون الخيل وقد لبسوا الغزو فقال احدهم، هذا جيشنا، ولكن المتبصرين قالوا: هذا ليس جيشنا انها سرية روسية لان جيشنا لا يلبس الفرو، واجمعوا على انها سرية روسية فقالوا ما العمل، فقال قسم منهم نستأسر لهم ولكن اسماعيل الجبوري ابى ذلك وقال: انسلم انفسنا لهؤلاء يعبثون برؤوسنا بحرابهم لا والله لن يكون هذا فقالوا، اذن ما العمل ونحن على قله، قال نحاربهم، وامرهم"لانه الجاووش"بالاحتفاء خلف الصخور ثم كبر واطلقت البنادق مرة واحدة، وقد سقط قسم من السرية الروسية من على ظهور خيولهم، وترجل الباقون ودارت رحى معركة غير متكافئة، وكانت السرية الروسية تمتلك"مطر اللوز"اي رشاش، وطلب اسماعيل الجبوري من احد الجنود وكان بدويا ان يحدو ليشد من ازر الجنود. وبدأ البدري يحدوا واطلاق النار مستمر، وشعر الجنود بدنوا اجلهم بعد نفاذ عتادهم. إلا ان نجدة جاءت من خلفهم فنجوا باعجوبة.، وسأل"الحميدية"اسماعيل عما جاء بهم الى هنا فاخبرهم بما جرى، فقالوا لاباس عليكم انكم قد سرتم في الطريق المعاكس لبغداد، وانتم كنتم تتجهون نحو الاراضي الروسية، فما عليكم إلا ان تعودوا من هذا الطريق وبدأت مسيرة هؤلاء الجنود البغداديين باتجاه بغداد سعيا على الاقدام من الحدود الروسية العثمانية الى بغداد وعندما اقتربوا من بغداد اول ما شاهدوا في الافق منارة سوق الغزل، وبة كنيسة اللاتين.
ويروي المرحوم شهاب محمد كاظم الذي ولد في محلة العمار سنة 1880 والذي توفى سنة 1968 والذي اسر سبع سنوات في روسيا. قال: بعد ان فر هو وثلاثة من افراد الجيش العثماني توجهوا نحو الموصل وعانوا من الجوع ثلاثة ايام، ولما دخلوا احد بيوت الموصل، وكانت المجاعة قد حلت بمدينة الموصل فقدم اهل البيت لهم اربعة صحون مملؤة بالليرات فادرك هؤلاء الاربعة ان الطعام اغلى من الذهب. ولايوجد لدى هذا البيت طعام فخرج هو وجماعته من البيت ولم ياخذوا شيئا من الليرات، ومن الذين اسروا محمد النايلة ومحمد البقال وسلمان دهش وسيد نايل محمود. وهم من اهالي محلة بني سعيد ولد الاول سنة 1885 وتوفي سنة 1979 وسيد نايل ولد في سنة 1890 وتوفي سنة 1979 ومن الذين فروا المطرب المرحوم عبد الامير طوبر جاوي. انها ملحمة تذكر بقوة العراقيين الذين قاتلوا وعانوا لانهم جبلوا على القوة والبسالة.

المناحات
ينقل الباحث الفولكلوري عبد اللطيف المعاضيدي بعض المناحات التي كانت يطلقها الناس حزنا على الجنود الذين ماتوا في ثلوج قفقاسيا. ومن تلك الابيات التي تصور نزعة الالم والشجن لدى النساء قول المرحومة"ريمة علي الطلعة"وهي خالة الشيخ عبد الفتاح معروف ناعية على الاتراك:

سودة على السؤه السفر بر
بومه شفت لو يوم محشر
ليلي ونين وصبحي اكثر
وابن الشفيه الراح وينه؟
فترد عليها اختها السيدة"حسنة"والدة المرحوم عبدالفتاح معروف بقولها:
خلي الهضم ياريمة جوه
كثره على التركي شوه
ما ظل بشر من ولد حوه
راحوا ولا ردوا علينا
فشاركتها اختها المرحومة"طليعة"بقولها:
خلي الهضم والجور خلي
يوم المشي"عليان"كلي
ابو الزغار شيال يا اهلي
ولا يشمت الشمات بينا
وهذه اخرى تنطلق الى مقابر الشيخ معروف الكرخي تضرب صدرها وتصرخ مستنهضة الراقدين تحت التراب بقولها:
شكوا الكاع كوموا يا ولد معروف
ساك اولادنا العصملي للمسقوف
وين اهل الحمية رجال هم سيوف
شكوا الكاع كوموا علحرامية
وسيدة اخرى من سيدات الكرخ من كهاوي عكيل – زج بزوجها ومعيلها الوحيد الى"وان"فارسلت هذه التنهيدة:
أون علراح ماودع ولا ون
ولايسأل على الرجعة ولا وين
نجوم تروح للغربي على"ون"
زخر جانوا لايام الرزية