صفحات من حياة كامل الجادرجي الصحفية

صفحات من حياة كامل الجادرجي الصحفية

سعاد محمد مرهج
لقد مثل عام 1931م منعطفا جديدا في حياة كامل الجادرجي حيث شهد انتماءه إلى حزب الآخاء الوطني الذي كان يرأسه ياسين الهاشمي، إذ اختاره الاخير من بين الشباب ليكون عضوا في اللجنة العليا للحزب وأوعز له بتولي مسؤولية جريدة الآخاء الوطني  التي كان يصدرها الحزب لطرح أفكاره والتعبير عن مواقفه.  وهي جريدة يومية سياسية،

 صاحبها: علي جودت الايوبي ومديرها المسؤول عبد الاله حافظ، صدرت في بغداد 2/آب/1931 وتوقفت سنة 1936، وكانت لسان حال حزب الاخاء الوطني الذي تألف من حزبي الاخاء الوطني والوطني الديمقراطي الذي اسسه جعفر ابو التمن وياسين الهاشمي.
وظهر اسم كامل الجادرجي في العدد التاسع عشر الصادر يوم الاحد 23/آب/1931م بوصفه المدير المسؤول للجريدة، وكتب المقال الافتتاحي لذلك العدد بعنوان"عيد الجلوس الملكي عبر غالية"الذي سلط فيه الضوء على الذكرى العاشرة لارتقاء صاحب الجلالة الملك فيصل الاول عرش العراق في 23/آب/1921م، فقد كانت لهذه الذكرى صداها  في النفوس لان يومها ذو قيمة في تاريخ العراق الحديث جاء فيه"يتفانى الشعب في الاخلاص لمليكه اذ يرى في ذاته حاميا لدستوره ويصون بصدور ابناءه عرشه اذ يجد في العرش رمز جهاده وعنوان سعيه في الخلاص من السيطرة الغربية...".

لم يكتف الجادرجي بذلك، فقد حاول ان يعيد الذاكرة عندما توج الملك فيصل على عرش العراق وإثارته موضوعاً في غاية الأهمية تمثل في السيادة والحكم وعلاقة ذلك في العلاقات السياسية بين العراق وبين حليفته بريطانيا والتي يجب ان لا تتعدى صلات الدول المتحالفة المتحدة المصالح.
أراد الجادرجي ان يؤكد في مقاله ان الانتداب هو اللون الجديد من الاستعمار يتقمص ثوب معاهدة التحالف فظل الشعب من ذلك اليوم في نضال عنيف مع حليفته بريطانيا، ويتساءل هل  المصائب ان تعقد الوزارة السعيدية بعد ذلك النضال معاهدة 30 حزيران 1930 وترجع بها البلاد من الانتداب إلى الاحتلال وتحكم على العراق بأن يبقى راضخا لسيطرة اجنبية مثلوم السيادة ربع قرن؟.
بينّ كامل الجادرجي في مقال افتتاحي نشر على اربعة اعمدة وكانت الصفحة بأكملها بستة اعمدة فقط تحت عنوان"معنى السيادة في عصر الديمقراطية"دعا فيه إلى ضرورة مشاركة الشعب في ديمقراطية برلمانية صحيحة من اجل تحقيق التقدم.
اشار فيه إلى أنّ وضع الملك في الامم الديمقراطية دقيق للغاية لا يتم له الكيان الا عندما يتمتع الفرد بحقوقه كافة الاجتماعية والسياسية فالملك في الدولة الديمقراطية – ما عدا القيام بواجباته الدستورية – يجب ان يكون ممثلاً لروح العدل بكل ما تشتمل عليه الكلمة من معان دقيقة فيجب ان يحتفظ بحياده التام تجاه الأحزاب والكتل السياسية ويجب ان يراقب تطبيق القوانين بنظر حكيم وامعان تام ويجب ان يقر بالحق وينتصر له دون سواه، ويرأف بزيد كما يرأف بعمرو وبذلك دون سواه يستطيع القيام بواجبه تجاه الامة....
وبعد اندماج الحزبين [حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني العراقي] وإصدار وثيقة التآخي بينهما كتب كامل الجادرجي مقالا افتتاحيا تحت عنوان"احتجاج الحزبين حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني على تصرفات الوزارة من جمعية اصحاب الصنائع".
"يأسف الحزبان المتآخيان ان يصدفا من وقت لاخر حوادث مؤلمة تأتي بها الوزارة بصورة مخلة بحريات الأفراد المكفولة بالدستور مما تضطر إلى تكرار التصديع لجلالتكم بالاحتجاج عنها، إذ تأسست في هذه البلاد جمعية اصحاب الصنائع لتنظيم امور ارباب المهن وتهذيبهم والمدافعة عن مصالحهم... وذلك لما قامت به ضد هذه الجمعية من المأساة المحزنة منها القاء القبض على رئيس هذه الجمعية، ومنها تدخل الوزارة في شؤون هذه الجمعية".
اطلت علينا جريدة الاخبار في العدد (80)، إذ حملت التسلسل نفسهُ لجريدة الآخاء الوطني أي كانت امتداداً لها ونشرت في ذلك مقالا افتتاحيا بعنوان:"عطلت جريدة الآخاء الوطني"وذلك بناءً على امر وكيل وزير الداخلية إذ لم يرق في نظر وزارة الداخلية ان تستمر جريدة المعارضة على معارضتها فرأت في مقالة"ومع ذلك يجتمعون"، تحديا لمجلسهم وذكرت الجريدة (نحن لم نصف هذا المجلس بأقل من حقيقته ولم نقل فيه أكثر من رأي الحزب الصريح، والغريب ان الوزارة القائمة لا تنفك في كل انذار توجهه بأنها تتهم الجريدة المعطلة بأنها تنشر مقالات واخبارا من شأنها اثارة الكراهية على الحكومة والاخلال بسلامة الدول إلى آخر ما هنالك من غرض واتجاهات) فتم تعطيلها لمدة شهر واحد. ومن المفيد ان نذكر ان هذا كان آخر عدد صدر عن جريدة الآخاء الوطني لتلك السنة وظهر فيه اسم كامل الجادرجي كمدير مسؤول عن الجريدة.

    لقاءات كامل الجادرجي الصحفية مع معروف الرصافي
رأى الجادرجي ان الشاعر العراقي معروف الرصافي بدأت حالته الصحية في تراجع، فعمل على إجراء لقاءات صحفية معه عن طريق الاسئلة والاجوبة التي يطرحها عليه، والتي يجيب عنها الرصافي ومن ثم الاطلاع الشخصي عليها من قبله.
تضمنت هذه اللقاءات الصحفية والودية عن تاريخ ميلاد الرصافي ونشأته والبيئة التي عاشها، والمهن التي شغلها وتجربته في الحياة. وعند وفاة الرصافي كتب الجادرجي مقالا افتتاحيا تحت عنوان"الرجل الذي عاش حرا ومات حرا"استعرض فيه ولادة الرصافي ونشأته والمدارس التي تدرج بها اذ ذكر أن الرصافي ولد في بغداد سنة (1875م) في عائلة فقيرة، من آب كردي وام عربية، فأبوه عبد الغني محمود ينتسب إلى عشيرة الجبارية التي تقطن بين كركوك والسليمانية، وامه فاطمة بنت جاسم تنتسب إلى عشيرة القراغول، و أن البلاد فقدت بموت الرصافي شخصية فذة لا مثيل لها، فقد كان رجلا من رجال الفكر، واسع العقل صلب العقيدة، و شاعرا من فحول الشعراء العرب الذين سيخلد ذكرهم تاريخ الادب العربي.
ذكرت مجلة عالم الغد مقالا بعنوان صديقي الرصافي وتساءلت المجلة في فقرة وردت في المقال المشار اليه"من قال لك ان اباه من اصل كذا وامه من اصل كذا"فقد ابعد.
رد كامل الجادرجي ان كل ما جاء في هذا المقال عن حياة المرحوم كان مصدره الرصافي نفسه، إذ أنّ كاتب المقال (الجادرجي) كان يعلم ان الرصافي قلما كان يتحدث عن نفسه وتاريخ حياته الا اذا اقتضى ذلك سياق الحديث، وكان يميل دائما إلى الاعراض عن ذلك مبالغة في التواضع.
وقد ورد في مجلة الاديب العراقي ان الاستاذ طه الراوي ذكر في رسالة وجهها إلى الجادرجي قال فيها"أن الكلمة التي جاءت في صحيفتكم فهي مبنية على الرواية عن الشاعر نفسه فهي حجة من غير شك، وقديما قال اسلافنا من حفظ، حجة على من لم يحفظ".
وتساءل الاستاذ طه الراوي ولكنكم بعد هذا تحتاجون إلى تأويل الكثير مما ورد في شعر الرجل مما يظهر منه انه عربي النجار مثل قوله:
من شاعر عربي غير ذي عوج
رد الجادرجي عليه ذلك القول الذي لابد ان يكون اسناده إلى الرصافي قد جاء سهوا في كتابكم. فقول المرحوم الزهاوي"لشاعر عربي غير ذي عوج"هو من قصيدة انشدها في سوق عكاظ ببغداد سنة 1922، واثبتها في الصفحة السادسة والتسعين من ديوانه اللباب بعنوان ايها العلم.
سجل الجادرجي احاديثه مع الرصافي فكانت سبعة احاديث متفرقة، جمعها الجادرجي وقام بتسليمها إلى المجمع العلمي العراقي في بغداد برسالة خطية منه مؤرخة في 25/مايس/1951 إلى الدكتور جواد علي (سكرتير المجمع العلمي العراقي – بغداد) جاء فيها:
"اقدم اليكم نسخة تطابق اصل الاحاديث التي كنت دونتها اثناء جلسات متفرقة عقدتها مع الشاعر الكبير معروف الرصافي فهي بحاجة إلى التنسيق، وإلى بعض الشروح والتعليقات".
لقد شهدت الاعوام 1944م-1946م نشاطا صحفيا ملحوظا للجادرجي اذ انتهجت جريدة صوت الأهالي نهجا وطنيا ديمقراطيا في معالجتها المقالات الصحفية وقد كان ذلك مرتبطا بعوامل عدة من بينها:
1.    النضوج الفكري والايديولوجي لشخصية الجادرجي نتيجة لما مر به من تجارب عاصرت حياته الأولى المتمثلة بوالده وتربيته ونشأته، فضلا عن دخوله الأحزاب المعارضة والعمل في صحفها وتعرفه على السياسيين والاحتكاك بهم.
2.    بلغ من العمر حوالي أكثر من (46) عاما وهو سن نضج الرجال.
3.    تأثره بأوضاع العراق سياسيا واقتصاديا ويريد ان يجعل من هذا البلد انموذجا يحتذى به كمصاف الدول الأُخرى وذلك لاطلاعه على ما وصلت اليه الامم الأُخرى من رقي وتقدم، من اجل ذلك كله لاحظنا ارتفاعا في اعداد مقالاته وتنوعها.

كامل الجادرجي أول رئيس لجمعية الصحفيين:
لم تكن فكرة تأسيس نقابة للصحفيين امرا جديدا، فقد وجه مجلس الوزراء كتابا إلى وزارة الداخلية في 10/آب/1932م، حول تأليف نقابة للصحفيين، الا ان الموضوع ترك ولم يتم العودة اليه على الرغم من متابعة الديوان الملكي له.
سعى الجادرجي لتكوين جمعية الصحفيين اذ لم يقف النشاط الصحفي للجادرجي عندما تنشره جريدة الأهالي من الاهتمام بالتوعية السياسية والاجتماعية لابناء الشعب، بل سعى جاهدا لجمع شمل الصحفيين بجمعية من شأنها ان تكون منهم سدا منيعا ضد استبداد الحكم وطغيانهم ولفتح باب الحوار فيما بينهم للتداول في أمور أُمتهم المقدسة.
نظر الجادرجي إلى مسألة تجمع الصحفيين من الزاوية العريضة لمبدأ حرية الصحافة وهكذا عقد العزم منذ الأربعينيات لتكوين جمعية الصحفيين التي تولى رئاستها منذ تكوينها وظل فيها حتى عام 1951م.
تم اجتماع اصحاب الصحف في العاصمة بغداد بشأن النقابة والرقابة اذ اجتمع في ادارة جريدة صوت الأهالي كل من السادة رزوق غنام ومحمد مهدي الجواهري ويحيى قاسم ونور الدين داود وصدر الدين شرف الدين ورفائيل بطي والجادرجي في 12/كانون الاول/1944م وقرروا ما يلي:
أولا: الشروع بتأليف نقابة للصحفيين في بغداد وحمل الحكومة على إصدار النظام المتعلق بتأليف النقابة.
ثانيا: الاحتجاج على الحكومة على تجاوز سلطة الرقابة على الصحف حدود سلطتها القانونية وتقرر رفع مذكرة تفصيلية مع الاحتجاج بمدى هذا التجاوز.
ثالثا: تقرر ان يعقد الاجتماع الثاني للصحافيين في 17/كانون الأول/1944م في ادارة جريدة العراق.
نشرت جريدة صوت الأهالي مقالا تحت عنوان"احتجاج اصحاب الصحف"على اثر انعقاد الصحف اجتماعا لهم يوم 17/كانون الاول/1944م، جاء فيه:"ان الصحف التي عانت من الرقابة ما عانته من التصرفات الكيفية منذ مدة طويلة والتي لم ترفع صوتها الا على انفراد بالاحتجاج والاستياء، نجد الآن الحالة التي بلغت حداً لا تستطيع معه السكوت لاسيما بعد ان وجدت ان المساعي الانفرادية لم تثمر الثمرة المطلوبة لارجاع الرقابة إلى حدودها القانونية وإلى الحدود المعقولة التي تتناسب ومكانة الصحافة في النظام الديمقراطي". لذلك دعتها هذه الحال إلى الاحتجاج لرفع صوتها، وهي مغتبطة، إلى معاليكم مطالبة بحقوقها الطبيعية، وتتلخص هذه المطاليب:
أولا: الغاء ماله مساس بحرية النشر من هذه المراسيم المشار اليها.
ثانيا: وحتى يتيسر وضع التشريع اللازم لذلك، نطلب إصدار تعليمات صريحة بكيفية ممارسة الرقابة عملها ضمن احكام القوانين.
ثالثا: الغاء التعليمات الصادر سنة 1940م بموجب السيطرة على وسائل دفاع المملكة بمنع اصحاب الصحف من ابقاء بياض في محل ما تمنع الرقابة نشره.
واضاف ملاحظة: أنّ الرقابة حذفت اربعة اسطر من الاحتجاج.
نشرت مجلة الوطن كلمة حول جمعية الصحفيين، خلاصتها ان وقف حق الانتماء إلى هذه الجمعية على اصحاب الصحف السياسية وحده ليس له مبرر، وان الصحف سواء كانت سياسية او أدبية أو فنية وسائل ديمقراطية، وان التفريق بين هذه الصحف عمل رجعي مناقض للديمقراطية.
جاء إيضاح رئيس جمعية الصحفيين حول هذا الموضوع: عندما شعر الصحفيون بالحاجة الماسة إلى إيجاد رابطة تجمع بينهم كانت النية متجهة إلى تأليف نقابة لهم على غرار نقابة المحامين وغيرها، لكنهم وجدوا في أول اجتماع عقدوه لهذا الغرض ان هنالك مانعا قانونيا يحول دون تأليف النقابة، وبما أنهم كانوا يعتقدون بأن وضع مثل هذا التشريع يستغرق وقتا طويلا فقد وجدوا حلا مؤقتا لتأليف جمعية على ان يسعوا لقلبها إلى نقابة و أضاف إلى ان غاية الجمعية في هذا الصدد كما جاء في نظامها الأساس هي:
توحيد جهود الصحفيين لتأسيس نقابة لهم ورفع مستوى الصحافة وتحسين كفاءة المحررين والمخبرين وكل ما يساعد على تقدم الصحافة بصفة عامة من النواحي الأدبية والمادية، وهنا"أود ان أذكركم بان الجمعية لابد لها ان تضم عناصر من مختلف المبادئ فهي إذن ليست حزبا سياسيا ذا مبدأ معين يمكن ان ينطبق عليه نقاشكم".

أرسل الجادرجي بصفته رئيس جمعية الصحفيين كتابا إلى وزير الداخلية بشأن تعطيل جريدة الرأي العام في 4/آب/1945م جاء فيه:"ان جمعية الصحفيين تلقت باستغراب قرار معاليكم بتعطيل جريدة الرأي العام إلى اجل غير مسمى اعتبارا من 1/آب/1945م حسب منطوق مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة الدولة رقم 56 لسنة 1940م، ولما كان من جملة أهداف جمعيتنا بذل كل مجهود لتدعيم النظام الديمقراطي وتطبيقه بانسجام في العراق...".وقد رفعت الجمعية مذكرة إلى رئيس الوزراء آنذاك حول حرية الصحافة ذكرت فيه"ان اسرة الصحافة العراقية، على اختلاف مبادئ أفرادها ونزعاتهم، ترى ان كل عمل إجرائي ضد الصحافة من دون ان يستند إلى دلائل مادية قاطعة تقع حصرا تحت طائفة القوانين العقابية يعتبر من التصرفات الكيفية التي لا يقرها الدستور العراقي، ويخلق بيئة سيئة لا تعرقل نمو حرية الصحافة في العراق فحسب، وانما تؤخر الصحافة العراقية الناشئة... وبذلك تحرم الدولة من ركن أساسي من أركان الديمقراطية".

عن رسالة (كامل الجادرجي والعمل الصحفي)