الصحافة ومديرية الدعاية العامة..صفحات من الصراع بين الصحافة ووزارة الداخلية في العهد الملكي

الصحافة ومديرية الدعاية العامة..صفحات من الصراع بين الصحافة ووزارة الداخلية في العهد الملكي

■ د. قحطان حميد العنبكي
من الطبيعي،أن تكون أعمال وإجراءات وزارة الداخلية أو في قسم منها،لا تحظى بالرضا والقبول من الصحافة العراقية أو بعضها،على اعتبار إن الجهة الرسمية المسؤولة عن إجازة الصحف ومتابعة نشاطاتها وإصدار أوامر الغلق أو المصادرة وغير ذلك من الجوانب الأخرى التي تتعلق بالإعلانات والتمويل وكل ماله صلة بالعمل الصحفي،هي وزارة الداخلية .

كانت الصحافة خلال حقبة الحرب العالمية الثانية،قد سُخرت لعمل الحكومة وخدمة مصالحها ولم تعطَ القسط الكافي من الحرية لمزاولة نشاطها المهني بشكل يكفل لها نقد الأوضاع المتردية التي كانت سائدة في البلاد آنذاك .
لكن على الرغم من ذلك، لاحظنا العديد من الصحف لا تخلو من توجيه النقد لأعمال ونشاطات مؤسسات وزارة الداخلية خلال مدة الحرب فوجهت جريدة الشعب انتقادات لاذعة لأجهـزة وزارة الداخلية الأمنية لتفشي جرائم القتل والسرقة والاغتصاب خلال مدة الحرب،ونبهت الجريدة نفسها عن اتساع ظاهرة السرقة قائلـــة((..أخذ كثير من النشالين يتجولون في الأسواق التجارية بغية اختطاف بعض الأشياء من الحوانيت أو المارة في الأسواق وتحدث كثير من السرقات يومياً من دون أن يشعر أفراد الشرطة بها،وقد تُسبب هذه الحالة الاستياء الشديد في الأسواق،فترجو الجريدة من مديرية الشرطة مراعاة ذلك وعدم فسح المجال لهم)) .
وعلى الرغم من الجهود الواضحة لوزارة الداخلية ولاسيّما جهاز الشرطة في الحد من ظاهرة التحلل من القيود الأخلاقية وانتشار بعض الأفعال الاجتماعية الضارة كالبغاء والقمار والملاهي والمراقص،فقد واجهت الوزارة انتقادات متعددة لضعف إجراءاتها تجاه هذه الظواهر ولاسيّما وان بعض الأماكن المستخدمة للأغراض المذكورة كانت تقع بالقرب من مراكز الشرطة،مما جعل الرأي العام ولاسيّما الصحافة العراقية تشير إلى ذلك بوضوح مطالبة الشرطة بتشديد الرقابة بهدف صيانة الأخلاق العامة .
ومما يذكر إن شرطة التموين كانت مثار انتقاد بعض الصحف المحلية،فقد ورد في جريدة  صوت الأحرار انتقاد لوزارة التموين وأعمالها وتلاعب موظفي التموين بمواد التموين،وان رقابة شرطة التموين لم تكن حقيقية،وأنَّ وظائف شرطة التموين لا تُمنح إلا لذوي الحظوظ،وإنها كانت تعمل في اتجاه معاكس للأهداف التي أنشأت من أجلها،فقد ذكرت شرطة التموين بقولها ((أما شرطة التموين.. فقد ظهر انه لا رقابة حقيقة لوزارة التموين عليها،كما إن وظائفها لا تمنح إلا لأصحاب الحظوظ، وكانت واجباتها في وادِ وواجبات التموين في وادِ آخر..)) .
وبعد نهاية الحرب العالميــة الثانية وإصدار العديد من الصحف السياسية وغير السياسية،تزايدت اهتمامات الصحافة بمشكلات المجتمع ومعاناة الناس المختلفة.ففي 3 حزيران 1946 ،وجهت جريدة(صوت الأهالــي) عنايتها بشكاوى الناس حول وضع  باصات الأمانة واستمرار الازدحام للركاب على الباصات وقلة مقاعدها وغلاء أجور النقل بواسطتها التي كانت في وضع لا يتلائم وقدرة الأهالي المادية.وأشارت الجريدة إلى إن أصحاب السيارات خصوصي(التاكسي)وأصحاب الباصات الأهلية خارج خطوط الأمانة قد اصبحوا يتقاضون أجوراًً أوطأ من أجور باصات الأمانة،كذلك قضية مواقف الباصات وخلوها من المظلات الواقية التي تحمي الركاب من ظروف الجو صيفاً وشتاءً.وقد طالبت الجريدة من أمانـــة العاصمة الاهتمام بالموضوع لتعلقه بشريحة واسعة من المجتمع البغدادي . استنكرت الصحف الناطقة باسم الأحزاب السياسية العلنية موقف وإجراءات وزارة الداخلية إزاء حرية الصحافة والرأي في عهد وزارة أرشد العمري(1946-1947) وقيامها بغلق العديد من الصحف وإحالة مسؤوليها إلى المحاكم المختصة،فقد ذكرت صحيفة صوت الأهالي الصادرة في 2 تموز 1946: (( إن موقف الحكومة إزاء الصحافة في الآونة الأخيرة يدعو إلى القلق على مصير حرية الرأي والنشر والمضمونة بالقانون الأساسي..)).كما استنكرت     الجريدة نفسها إجراءات الشرطة وموقفها     من التظاهرات التي وقعت في28 حزيران 1946 وطلبت من الحكومة ((تأليف لجنة محايدة بأسرع ما يمكن لتتولى التحقيق في كيفية وقوع التظاهرة وعن المسؤولين عن إزهــاق الأرواح ومعاقبتهم منعاً لتكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة وصيانة لأرواح الأبرياء.
وعبرت جمعية الصحفيين فـي مذكرة مطولة وجهتها إلى وزير الداخلية (عبد الله القصاب)،عن قلقها لقرار وزارة الداخلية بغلق الصحف مطالبة بحق الدفاع للصحفي عن نفسه وتحكيم الخبراء لإثبات براءته وان يتم إسناد أمر التحقيق في التهم الموجهة إلى الصحفيين إلى موظف حقوقي في وزارة الداخلية ومزود بتعليمات من الوزير نفسه تعطي للمتهم مجال الدفاع الكافي والاستعانة بالخبراء).
كما وصفت جريدة صوت الأهالــي موقف وإجراءات الشرطة في حادثة كركوك (كاوورباغي) بأنها مؤلمة ومؤسفة وان الوزارة لم تتخذ خطوات إيجابية جدية تجعل العمال يعدلون عن الإضراب والمباشرة بالعمل،وان ((الشرطة أطلقت النار بأمر من متصرف اللواء من دون مبرر على اجتماع سلمي عقده العمال المضربون في كاوور باغي. وهذه إشارة واضحة لتقصير أجهزة وزارة الداخلية الأمنية والإدارية وعدم مقدرتها على احتواء الموقف وتلافي النتائج الوخيمة له .
وانتقدت جريدة الشعب موقف الإدارة المحلية في لواء كركوك لموقفها غير الحكيم في التعامل مع إضراب عمال شركة النفط العراقية في كركوك (حادثة كاوورباغي) وحملتها مسؤولية الحادثة إذ قالت((.. هذه الحادثة كان يمكن ألا تقع فيما لو استعملت السلطات المحلية في كروك الحكمة في معالجة الأمر،مقتصرة فــي عملها على المحافظة على الأمن وتاركة أمر فض النزاع،إلى الدوائر ذات العلاقة)).ومهما يكن من أمر ((فقد كان في وسع الحكومة تلافي حدوث هذه الواقعة الأليمة لو أنها اهتمت للأمر حينما ظهرت بوادره، واتخذت كل الإجراءات الممكنة لفض النزاع بين الشركة والعمال بدراســــــة المطاليـــــــب التــــي تقدمـــــوا بها)) .
ويبدو من كلام الجريدة الأخير إن الحكومة ولاسيّما وزارة الداخلية-لأنها المسؤولة عن مديرية الدعاية والإذاعة العامة وتصدر جميع البيانات الحكومية من خلالها- كانت تظلل الرأي العام عن حادثة(كاوورباغي) وان هناك تعتيماً واضحاً وربما يكون متعمداً لسير التحقيق ونتائجه في الحادثة المذكورة .
واستنكرت جريدة صوت الأهالي الصادرة في27 كانون الأول 1946 تدخلات رجال الإدارة وموظفي الوزارة في الألوية في انتخابات اللجان التفتيشية مطالبة بضمان حرية الانتخابات وتطهير الجهاز الإداري.الذي أصبحت مهمة أساسية على حد تعبير الجريدة .وعرضت  جريدة  صوت الأحرار بتاريخ الأول من ايار1947 شكوى لعوائل الموقوفين في سجن ابي غريب مقدمة إلى رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والشؤون الاجتماعية موضحة فيها أساليب المعاملة القاسية للسجناء وتعرضهم(( للإرهاب منذ اعتقالهم وزجوا في غرف ضيقة.. وحُرموا من كل وسائل الراحة..ونتيجة لهذه المعاملة السيئة التي يلاقونها وللظروف الصحية الرديئة التي هم فيها فقد فتكت بهم الأمراض..)) وطالبت العريضة بتحقيق مطالب الموقوفين التي أضربوا من اجلها ونقلهم إلى الموقف العام وتوفير وسائل الراحة لهم والسماح لعوائلهم بالاتصال بهم للاطمئنان على صحتهم .
واستنكرت الجريدة نفسها قيام الشرطة السرية والعلنية بسلاحها باقتحام بناية دار المعلمين الابتدائية وتجولهــا في ردهات الدار والممرات وغرف المنام لإرهاب الطلاب وتخويفهم وقد أيد ذلك مدير الدار بأن الشرطة قد دخلت المكان في اليوم الأول من إضراب طلاب كلية الملك فيصل(مدرسة بغداد حالياًً).ويبدو إن إجراء الشرطة هذا كان احترازياً لتجنب اشتراك الطلبة الموجودين في دار المعلمين الابتدائية بالتظاهرات التي وقعت في كلية الملك فيصل.
وعندما اشتدت أزمة الخبز سنة1947،وتزايدت مشكلات الناس وتذمرهم من الغلاء الفاحش والتدافع على أبواب المخابز وسوء توزيع المواد التموينية،تساءلت جريدة صوت الأحرار في عددها الصادر في 18 تموز 1947 عن الإصلاح المزعوم الذي يقوم به الموظفون الإداريون ولاسيّما متصرفي الألوية،الذين طالما اجتمعوا مع وزير الداخلية ورئيس الحكومة،لكن من دون جدوى ولم يبادر المتصرفون باتخاذ تدابير عملية فاعلة على حد تعبير الجريدة وانهم لم يعملوا شيئاً لألويتهم (( وأي شيء عمله المتصرفون منذ أن عادوا إلى ألويتهم .. غير ما تعودوا أن يعملوا في شيء كثير من القصد والتريث وترقب الأمور))،وهذه(( بغداد انك لترى الناس فيها مازالوا يتدافعون ويتزاحمون على أبواب المخابز والأفران..،وانك لتجلس إلى الفقير والغني فتسمعهما يشكوان الغلاء ويتذمران من التلاعب بمقدرات العيش ومن سوء توزيع الأقمشة والسكر..)) .).
تزايدت الانتقادات الموجهة إلى وزارة الداخلية،ففي مذكرة احتجاج رفعها حزب الشعب إلى رئيس الوزراء ودول الجامعة العربية والهيئات الدبلوماسية في العراق ونُشرت في العديد من الصحف العراقية،أشار فيها الحزب المذكور إلى اعتداءات الوزارة على المطبوعات وحرية الرأي.وأشارت الجريدة نفسها إلى تجاوزات خطيرة لمؤسسات وزارة الداخلية تعدت مسألة حرية الصحافة والرأي إلى مداهمة المساكن والاعتقال بسبب الانتقاد والثقافة واقتناء الكتب والمطبوعات و لاسيما ما احتوى منها على آراء وطنية أو مباحث ديمقراطية،وأصبح الناس-على حد تعبير الجريدة –في خوف دائم من غارات الشرطة عليهم بسبب ما يمتلكونه من كتب ومطبوعات وبذلك أصبحت حرمة المساكن التي ضمنها الدستور العراقي غير مصونة،وصار الناس يوقفون ويحقق معهـم على الشبهات والأخبــار أو التقارير السرية ويحجزون أياماً واشهراً في السجون، وإذا قُدموا إلى المحاكم كانت التقارير السرية هي أيضاً الدليل الوحيد الرئيس ضدهم.ومن تبرئهم المحاكم يلزمهم خوف من تعقيبات جديدة من الشرطة السرية بحجة((الخشية منهم على الأمن)) .).
كما وجهت جريدة( صوت الأهالي) كتاباً احتجاجياً لوزير الداخلية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب من الحزب الوطني الديمقراطي وذلك احتجاجــاً على استعمـال الشرطة القوة ضد طلاب كلية الحقوق وزملائهم طلاب المعاهد الأخرى اثر أحداث وثبة كانون الثاني 1948،وقد استنكرت الصحيفة مــن خلال الكتاب المذكــور التجاوزات والاعتداءات التي قامت بهــا الشرطة وتوقيف عدد كبيــر من الطلاب الأبرياء،وتعطيل الدراسة،مما يهدد مستقبل الطلاب
وانتقدت الجريدة نفسها بعددها الصادر في 26 اذار1948 أعمال مديرية الدعاية العامة وطالبت بضرورة أجراء إصلاح عاجل في هذه المؤسسة الحيوية التي اتهمتها الجريدة بأنها كانت مجرد وسيلة دعاية للحكومات المتعاقبة،عن طريق استئجار صحف معينة لهذا الغرض،ولغرض الطعن بالصحف الحرة وبالأحزاب،لقاء مخصصات سرية،وتطرقت الجريدة إلى وضع محطة الإذاعة العراقية التي تشرف على توجيهها مديرية الدعاية العامة فيجب والقول للجريدة((أن يكون مفهوماً قبل كل شيء إن الإذاعة لا تعتبر في الحقيقة ملكاً للحكومة بل هي ملك للمستمعين أي ملك للشعب)).ووصفت الجريدة الإذاعة بأنها متأخرة عن مجاراة المحطات العالمية وإنها جامدة كل الجمود على حد قول الجريدة. وطالبـت
بإصلاح المحطة من خلال تغيير العقلية السائدة في مديرية الدعاية العامة التي تخضع لإدارتها محطة الإذاعة،بأن تكون عقلية ديمقراطية تقيم وزناً للرأي العام وتحترم النظام الديمقراطي وان تكون المحطة واسطة حقيقية من وسائط تثقيف الشعب وتنويره بكل أمانة ونزاهة إلى جانب العناية بنواحي الثقافة والتسلية والأدب الرفيع والتنويع في البرامج التي تثير المستمعين وان لا تعتمد المحسوبية والمنسوبية في كل ناحية من نواحيها .).
وفي 23حزيران 1948 احتجت معظم الصحف العراقية من خلال جمعية الصحفيين على الرقابة التي تفرضها مديرية الدعاية العامة عليها وقد تضمن الاحتجاج أموراً عدة أهمها، نقل الرقابة الصحفية من مديرية الدعاية العامة وإناطتها بإدارة أخرى،وعدم تدخل الرقابة فيما يكتبه الصحفيون عن الشؤون الداخلية التي ليست لها مساس في الحرب القائمة في فلسطين وشؤون الجيش وسلامته،والسماح للصحف بترك محل المقال المرفوع خالياً،فضلاً عن ضرورة تعيين مراقبين أكفاء من ذوي الخبرة بشؤون الصحف مع تزويدهم بتعليمات وافية تحدد واجباتهم،مع قبول ممثل عن جمعية الصحفيين في هيئة الرقابة يكون بمثابة همزة وصل بين الصحافة والرقابة.
وأرسلت نسخ من هذا الاحتجاج إلى رئاسة مجلس النواب والأعيان ورئاسة الديوان الملكي فضلاً عن وزير الداخلية).
لكن يبدو إن تجاوب وزارة الداخلية مع طلب الاحتجاج لم يكن إيجابيـاً، لذلك نلاحظ بعد ثلاثة اشهر تقوم وزارة الداخلية بإلغاء امتياز صحف ومجلات عديدة منها مجلة مناهل الفن الأدبية والصريح والقلم السياسيتين وذلك لعدم صدورها خلال المدة القانونية على حد تبرير الوزارة الذي جاء في كتاب الإلغاء . واستهجنت جريدة العالم العربي في عددها الصادر بتاريخ8 ايلول1949 قيام بعض أفراد الشرطة في بغداد والألوية الأخرى بفرض الكتب و وصولات الاشتراك ببعض الجرائد الوهمية على المراجعين لدوائر الشرطة لتأمين استفادة بعض من انتحلوا صفة المؤلفين والصحفيين .
كما نشرت جريدة لواء الاستقلال بعددها الصادر في 5 كانون الأول1949 نصوص الكتب والمخابرات الرسمية التي دارت بين وزارة الداخلية ومتصرفية لواء المنتفك حول النزاع العشائري الذي وقع بين عشائر عكيل وبعض أتباع موحان الخير الله من عشائر الشويلات، وقد كان نشر الجريدة للوثائق المذكورة دليلاً على الإجحاف الذي لحق بأفراد عشيرة العكيل من السلطات الإدارية التابعة لوزارة الداخلية والتي أنيط بها التحقيق في ذلك الموضوع.وهذه إشارة واضحة على عدم حيادية الجهاز الإداري في اغلب الأحيان وانحيازه إلى أهواء وربما مصالح ذاتية لمرؤسيه وموظفيه الكبار .
ولفتت جريدة الاستقلال الصادرة بتاريخ 15 تموز 1950 أنظار وزارة الداخلية إلى حوادث خطف الأطفال من جانب الخدم أو غيرهم في بغداد،مما بعث الرعب في نفوس الكثيرين من ذوي الأطفال موضحةً خطورة تلك الظاهرة على المجتمع العراقي ومطالبةً من المسؤولين في الوزارة زيادة اليقظة لمراقبة هؤلاء الجناة مع ضرورة اهتمام الأهالي بمراقبة أطفالهم ومتابعتهم.وهذا يفسر لنــا زيادة عدد جرائــم السرقة والسلب بسبب استمرار مؤثرات أزمة الخبز ومواد التموين الأخرى على الرغم من إلغاء وزارة التموين سنة 1948 إلا إن المجتمع بقي في حالة من العوز لفئة واسعة مما شجع على أعمال الخطف والسرقة لأسباب اقتصادية واجتماعية بحتة.
وأُنتقد مدير الدعاية العامة في كفاءته الإدارية من الصحافة وذلك بعد اكتشاف حالات تزوير الكتب لتسفير اليهود بجوازات السفر العراقية من دون كفالة، وتزوير توقيع وزير الداخلية السابق(صالح جبر)على بعضها،لكن التحقيق اثبت تورط مديرية الدعاية العامة بالموضوع فقد أثبتت التحقيقات إن الكتب المزورة طبعت على الآلة الكاتبة العائدة للمديرية المذكورة .
وتقول جريدة الاستقلال متهجمة على مدير الدعاية(كمال إبراهيم) (( إذ كان التسيب قد بلغ هذه الدرجة.. فأن الملامة ضرب من الهراء والرجل الذي لا يدري ما يجري في دائرته وبالقرب من غرفته كيف تُسلم بيده مقدرات الصحافة ويحكم على هذا وذاك بما يشاء..)) وتواصل الجريدة استغرابها وانزعاجها من مدير الدعاية بالقول ((.. فهل يجوز السكوت عن دائرة هذا شأنها وهي تضم شعبة استعلامات تستنزف كثيراً من المخصصات والهبات)) . 
ويبدو إن كتابة الجريدة عن مساوئ مديرية الدعاية العامة ومديرها العام دفع وزارة الداخلية إلى قطع إعلانات الدوائر عن هذه الجريدة وكذلك الحال انطبق مع جريدتي صدى الأهالي والعالم العربي ، واستنكرت الجريدة نفسها عمل مدير الدعاية العامـــة منبهة إياه بأن ما نُشر عن مساوئ دائرته ((هو درس بسيط لكمال إبراهيم ليعلم ما في عمله من إساءة إلى مصلحة الحكومة التي نصبه فيها الأمي لدعايتها.. ،وإذا لم تكن له حماية سوى الإعلان الذي يظنه كل شيء للجريدة لبعده عن حقيقة العمل الصحفي)) .‍‍‍‍‍‍‍‌)(
كما انتقدت الجريدة نفسها بعددها الصادر في 26 تشرين الأول 1950 إهمال ونسيان مؤسسات وزارة الداخلية للواء أربيل الذي عدتهُ الجريدة محروماً من العناية والإصلاح علىالرغم من أهميته العسكرية والاقتصادية والجغرافية والسياسية،مشيرة إلى إن الإهمـال
ناتج من عدم تحقيق العدالة في توزيع الخدمات بين الألوية وتولدت نتيجة ذلك مشكلات تخص البلدية والإدارة وحتى الصحة والمحاكم..وأما مشكلات البلدية فتبدو واضحة من عجز البلدية عن تحسين الطرق وتبليط الأزقة وتوسيعها،وانعدام النظافة في المدينة فالمياه القذرة تجري في سواقٍ تخترق الطرقات والشوارع فتتصاعد منها روائح تزكم الأنوف،وتتولد منها أنواع الأمراض والأوبئة التي تفتك بالناس وكما إن عدد موظفي البلدية قليل جداً ولكبر سنهم أو صغره أطلق البعض على هذه المؤسسة بدار العجزة).
وعندما عطلت وزارة الداخلية جريدتي العالم العربي والأوقات البغدادية في 18 نيسان1951 لمدة سنة بتهمة السب الذي جرى التعطيل من اجله،رفعت جمعية الصحفيين العراقية-التي تأسست سنة 1947 – برئاسة كامل الجادرجي مذكرة إلى رئاسة الحكومة حول حرية الصحافة في العراق وما تتعرض له الصحف من كبت وإرهاب من الأجهزة التنفيذية – مؤسسات وزارة الداخلية- معلنة احتجاجها على تلك الممارسات والأعمال وطالبة بإعادة النظر بقرار الحكومة بشأن الجريدتين المذكورتين .
لكن المثير للاستغراب إن وزارة الداخلية وبدل أن تقوم بالتجاوب مع هذه المطاليب الوطنية نلاحظها قامت بتعطيل الجمعية ثم إلغائها وتشريد الأعضاء البارزين فيها. وواجهت الصحف الوطنية هجوماً هستيرياً من الوزارة ولاسيّما بعد انتفاضة تشرين الثاني 1952 بحيث كان المواطن يتعرض للسجن أو المطاردة لمجرد حمله جريدة معينة .واستمرت الصحافة بنقد سياسة الوزارة ولاسيّما ما تعلق منها بفرض الأحكام العرفية، والرقابة الصارمة على كل ما يقال أو ينشر بحجة الخوف من اختلال الأمن.وقد وصفت جريدة صوت الأهالي الصادرة بتاريخ 19 تشرين الأول 1953 إجراءات وزارة الداخلية في سبيل استتباب الأمن بأنها ((حجة واهية لا سند لها من الواقع،والمحافظة على الأمن عذر هزيل لا يستقيم مع منطق الحوادث..،ولكن السبب الرئيس الذي يؤيده واقع الأمر هو أنََّ الوزارة كانت تتوخى من إطالة أمد الأحكام العرفية وبقاء الرقابة على الصحف تهيئة جو(مثالي) تستطيع فيه أن تعمل حرةً من غير رقابة ولا محاسبة لتحقق مأربها في الخفاء.وكان هذا الجو يتمثل في فرض حكم إرهابي مقيت تستعمل فيه الضراوة..، وتكال التهم لكل من يرفع صوته باستنكار هذا الحكم الديكتاتوري السافر))
كما طالبت الجريدة نفسها الصادرة بتاريخ1و2 تشرين الثاني 1953 من وزارة الداخلية إعادة النظر في قوائم الكتب الممنوعة والمطبوعات الخارجية الممنوعة لتقليص تلك القوائم بعد وقوع حيف كبير،ومن تحكم بالأمر أملته الرغبات الخاصة والآراء غير الديمقراطية في ذلك الشأن،وأنَّ رأي الجريدة هو المطالبة بإعادة النظر جدياً في هذه القوائم المتضخمة والتي تُعَدّ أسوء دعاية للعراق في الخارج وماسة بسمعة البلاد،فضلاً عن وقوفها حائلاً من دون إطلاع العراقيين على كثير مما ينشر في الخارج .
واستمرت الجريدة بتوجيه الأضواء على مشكلات المجتمع العراقي ذات المساس بعمل وزارة الداخلية،ففي عددها الصادر بتاريــخ2 تشرين الثانـي1953 كتبت عن السجون العراقية التي وصفتها(( بمأساة من المجتمع))كما قالت عنها بأنها ((هي في الوقت نفسه لون من الإرهاب السياسي،وكثرة السجناء من غير السياسيين تثير التساؤل عن أسلوب الحياة الاجتماعية في العراق،ولماذا ازداد الأجرام إلى هذا الحد؟)) وان((السجين لا يعامل معاملــة إنسان،بل هو أشبـه بالعبد الرومانـي الذي كان يكدح لأسياده تحت ضربات السياط ليُغل بالحديد فــي الليل،وغذاء السجون العراقية من أردأ أنواع الغذاء البشري )) .
وانتقدت الجريدة نفسها‍ ‌والصادرة فــي 8 تشرين الثاني 1953سياسة المحاكمات الصحفية تلك السُنة التي وضعها نوري السعيد منذ مجيئه للحكم سنة 1930 واتبعتها الوزارات اللاحقة ومنها وزارة محمد فاضل الجمالي الأولى مستفيدة من قانون المطبوعات الذي تضمن نصوصاً جعلته أداةً طيعةً بيد الحكومات التي تريد ضرب المعارضين والانتقام منهم تحت ستار من النصوص القانونية والإجراءات الشكلية، واستغربت الجريدة من لجوء الحكومة ((إلى هذا الأسلوب البالي  فتفتح عهدها بسوق الصحف إلى المحاكم عن قضايا لم تكن هي مسؤولة عنها)) وطالبت الجريدة من الحكومة بترك هذه السُنة السيئة التي فشلت بموجبها في كسر شوكة المعارضة على حد قول الجريدة).
وتجدر الإشارة إلى إن الصحافة في مواقفها المعارضة للسلطة لم تقتصر على الصحف العربية،بل كانت لبعض الصحف الكردية في العراق مواقف مناهضة لسياسة الحكومة وإجراءات وزارة الداخلية،ذلك لان الصحف الكردية التي صدرت في العراق قبل ثورة 14 تموز 1958 كانت مرتبطةً بالحركة القومية الكردية،ولم ترتبط بالسلطة الحاكمة لذا فأنها تأثرت كثيراً بسياسة الضغط والإرهاب،وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الصحافة الكردية لم تكن مع السلطة ضد الجماهير الكردية).
وأصدرت الأحزاب الكردية التي تألفت في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها مثل حزب وحدة النضال(1944) والحزب الشيوعي فرع كردستان(1945)، وحزب التحرر الكردي (   1945)  والحزب الديمقراطي الكردستاني(1946) ،عدة صحف ومجلات لإبراز كفاحهم ونضالهم من خلالها).
وهاجمت جريدة (الدفاع) البغدادية عملية إطلاق النار على المساجين في سجن بغداد في حزيران 1953من السلطات الأمنية إذ قالت:((نحن نعتقد إن حجة مقابلة السجناء بالمثل،التي تعكزت عليها سلطات الأمن في رمي السجناء بالنار،هي حجة لا تبررها القوانين العامة،ولا تسوغها أيضاً الشرائع السماوية..،لان هؤلاء السجناء هـم عزل من السلاح عدا بعض الحجــارة والقناني،وهم في قبضة الحكومة،وتحت سيطرة حراسها ومراقبتها..))).
وتمَّ تعطيل العديد من الصحف بسبب انتقادها للسلطة،أو كتابة مقال افتتاحي لا ينسجم مع سياسة الدولة،مثال ذلك غلق جريدتي صوت الأهالي ولواء الاستقلال لنشرهما أخبار عن حوادث إضراب عمال شركة نفط البصرة أواخر سنة 1953).
كما انتقدت الصحافة شروط منح الامتيازات،وكذلك إهمال وزارة الداخلية لطلبات كثيرة لإصدار الصحف سنة1958 ولكن الوزارة رمتها في سلة المهملات،مما جعل العين محمد رضا الشبيبي يطالب الحكومة بإطلاق الحرية الدستورية والسماح بتأسيس الصحف).