العدد (4546) الثلاثاء 2019/ 13/11 (انتفاضة تشرين 2019)       خروج أول مظاهرة عسكرية دعماً للمحتجين..هتاف في التحرير وقنابل غاز ضد المتظاهرين في الخلاني       مشاهد رئاسية عابثة الرئيس المقتدر ...!       غرد مثل خلف: فلافل مدمرة وبالونات سامة!       شقيق الناشطة يكشف التفاصيل الكاملة..ماري محمد تلتحق بصبا المهداوي في كهف الخاطفين       مثقفون: بحاجة لـمثقف يوجه الخطاب الجمعي نحو السلمية والمحبة والإصرار على التغيير       “المتطوعون” يهددون رهان الحكومة على عامل الوقت في فض تظاهرات ساحة التحرير       أصحاب «القمصان البيض» يسعفون المحتجين       البعد الثقافي للتظاهرات       يمثل إحدى أيقونات ساحة الحبوبي في الناصرية: رســام كـاريكاتـير أنجز 200 لـوحـة حـول المظـاهــرات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :50
من الضيوف : 50
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28531309
عدد الزيارات اليوم : 8455
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


عالم ما بعد مانديلا

ارتبط تاريخ جنوب إفريقيا الحديث بتاريخ نلسون مانديلا. أولا كسجين لحوالي ربع قرن من الزمن في سجون النظام العنصري «الأبيض» في بلاده ثم كرئيس لبلاده بعد خروجه من السجن ونهاية نظام التمييز العنصري.


وإذا كانت هناك سلسلة طويلة من الكتب حول مانديلا وفترة حكمه فهناك القليل للفترة التي أعقبت ما بعده. و«ما بعد مانديلا» هو عنوان كتاب الصحفي الانكليزي «أليك روسيل».إن المؤلف يعود في بداية تحليلاته إلى بداية عقد التسعينيات عندما شرع حزب المؤتمر الإفريقي بقيادة نلسون مانديلا «فترة انتقالية» تاريخية كانت بمثابة الخطوات الأولى نحو بلوغ جنوب إفريقيا مكانة قوية على المسرح الدولي. وقد رأى البعض أن تاريخ جنوب إفريقيا قد «انتهى» عند تلك اللحظة. ذلك على مبدأ القول أن التاريخ قد «انتهى» عندما انتصرت الرأسمالية اللبرالية على المعسكر الاشتراكي بعد انهيار جدار برلين.
وفي جنوب إفريقيا كان انتصار الأفارقة السود ممثلين بحزب المؤتمر الإفريقي «انتصارا على الظلم المرير لنظام التمييز العنصري» وحيث مثّل مانديلا المصالحة التاريخية النهائية بين ماضي جنوب إفريقيا وحاضرها.
 إن هذا الكتاب يمثل في أحد وجوهه الرئيسية دراسة لتاريخ جنوب إفريقيا منذ سقوط نظام التمييز العنصري في عام 1994. وانطلاقا من هذا التاريخ-المنعطف في البلاد يتوقف المؤلف أمام جميع الأسئلة الكبرى التي واجهتها.
 ويشكل كل سؤال من هذه الأسئلة ملفّا مهما ابتداء من استمرار سيطرة أقلية بيضاء على المفاصل الاقتصادية الأساسية في جنوب إفريقيا وحتى التفشّي الكبير للجريمة بحيث أصبحت البلاد هي أكثر بلدان العالم معاناة من نقص الأمن مع حضور كبير للسلاح على جميع المستويات ومن جميع العيارات في الشوارع.
 ومن الملفات الأخرى التي يكرّس لها المؤلف عددا من صفحات الكتاب هناك مشكلة مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز»، كما في بقية البلدان الإفريقية الأخرى.
 وملف استملاك الأراضي والنزاعات المتفرعة عنه، وملف العلاقات الاثنية المعقدة على صعيد الداخل، كما على صعيد العلاقات مع الجيران وخاصة مع زمبابوي.وبعد تقديم لمحة تاريخية موجزة عن بدايات فترة ما بعد النظام العنصري الأبيض في ظل نلسون مانديلا، يركّز المؤلف تحليلاته على الموضوع الأساسي لكتابه كما يشير عنوانه، أي لفترة «ما بعد مانديلا».
الملاحظة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف لفترة ما بعد مانديلا هي تأكيده واقع النجاح الكبير الذي عرفته جنوب إفريقيا على الصعيد الاقتصادي. الأمر الذي تمّت ترجمته ببروز «بورجوازية جديدة» مع وصول أعداد متزايدة من المواطنين السود إلى امتلاك ثروات كبيرة كانت محصورة سابقا بالبيض.
 كما أن البلاد عززت من موقعها على المسرح الدولي بحيث أنه غدا يتم النظر إليها على أنه إحدى الدول «الصاعدة» وأنها تتولى موقع «الزعامة» في القارّة السوداء.
 لكن كان للميدالية وجهها الآخر أيضا في فترة ما بعد مانديلا، ذلك أن التباين الاجتماعي الكبير تزايد واللامساواة تعاظمت أكثر فأكثر باستمرار. وأصبح العنف بمثابة «وباء حقيقي» استوطن بشكل خاص في ضواحي المدن التي يقطنها السود وفي المدن الرئيسية للبلاد، هذا رغم المحاولات التي سعت الحكومات المتلاحقة من خلالها الحد من هذا المنع أو العمل على جمع السلاح الذي انتشر بصورة كبيرة.
 كذلك أخذ العنف مظهر استمرار النزاع بين البيض والسود. إن البيض الذين كانوا يسيطرون على كل شيء في البلاد في ظل النظام العنصري أرادوا أن يجدوا سكانا لهم في النظام الجديد بينما تسود لدى السود عامة إرادة «الثأر» من تاريخ طويل.ويشكل مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» احد التحديات التي تواجهها جنوب إفريقيا.
 ويكرّس المؤلف فصلا كاملا لما يعتبره «الأخطاء» التي ارتكبها الرئيس الذي خلف نلسون مانديلا، أي «تابو مبيكي». ويرى أنه مارس نوعا من «إنكار» واقع انتشار الايدز في بلاده وأنه «كذب» في الوقائع والإحصائيات مما شكّل أحد أكبر أخطاء فترته الرئاسية. لكن المؤلف يشير إلى أن مبيكي «ينفي» تماما أنه «أنكر علانية كون أن فيروس HIV يسبب مرض الايدز».
وينقل عنه قوله: «لم يحدد لي أحد على الإطلاق أين قلت ذلك». وبعد نقل المؤلف لعدد من تصريحات الرئيس السابق مبيكي حول الايدز في عدة مناسبات يشير إلى أن هذا الوباء قتل عشرات الملايين من مواطني جنوب إفريقيا ويمثل «كارثة» حقيقية على الصعيدين السياسي والأخلاقي.
 إن المؤلف يؤكد بأشكال مختلفة أن جنوب إفريقيا تمثل «أملا» كبيرا بالنسبة للقارة الإفريقية كلها. لكنه يؤكد بالمقابل أيضا أن هناك الكثير من المؤشرات المثيرة للقلق التي أظهرتها مسيرة البلاد خلال الحقبة «ما بعد البيضاء».
 ويحدد المؤلف أحد هذه المؤشرات بانتخاب «جاكوب زوما» الذي يرتبط اسمه بقضية «فساد» خلفا لتابو مبيكي على رئاسة حزب المؤتمر الإفريقي عام 2007 ثم توليه مقاليد البلاد.بكل الحالات يريد المؤلف لكتابه، كما يشير، أن يكون مساهمة في النقاش لتوجهات البلاد «ما بعد مانديلا».
 أي في الفترة التي تعرف، كما يشرح، نزاعات حقيقية من أجل السلطة ومن أجل الثروة بين النخب القائدة في حزب المؤتمر الإفريقي، حزب مانديلا، والحزب الحاكم في البلاد «ما بعد مانديلا».
 جنوب إفريقيا من نلسون مانديلا إلى جاكوب زوما. ومسيرة تتداخل فيها نقاط القوة ومواطن الضعف في بلاد تسلطت عليها أنظار العالم بتنظيمها بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2010 .
كيف احتفظ رجل لا يشغل الآن أى منصب رسمى بمثل هذا النفوذ؟ فقد تقاعد مانديلا من منصبه كرئيس لجمهورية جنوب أفريقيا ، عندما قمت بكتابة سيرة حياته المعتمدة، دارت محادثات كثيرة بينى وبينه فى لندن وجنوب أفريقيا، وكانت محادثاتنا دائمًا مصدرًا لدهشتي. ومنذ لقائى به قبل خمسين عامًا فى جوهانسبيرج رأيته فى العديد من الأدوار: دور المحامي، والثوري، والسجين، والذى يخوض الحملات الانتخابية، ورئيس الدولة، والأسطورة العالمية.
وفى كل مرحلة منها كان الكثيرون يتوقعون نهاية للرجل، أو في الأقل هبوطًا من القمة. ولكنه الآن فى التقاعد، ويتسبب فى الكثير من دواعى الدهشة. فقد أصبح أكثر صراحة، ويبدو فى بعض الأحيان رجلاً عجوزًا غاضبًا، يحتج على القهر والمظالم. ويبدو ذلك الآن خصوصًا ضد النزعات الحربية لبريطانيا وأمريكا وموقفهما المتشدد فى الشرق الأوسط. ويبدو أن المواجهة بلغت الآن ذروتها.
ومع ذلك، ففى الأيام الأولى لتقاعد نلسون مانديلا كان يكثر من الحديث عن قضاء أيام هادئة مع أسرته فى بيته الجديد فى قرية قبيلته المسماة كونو، وهى قائمة فى منطقة فقيرة ولكنها جميلة فى ترانسكي. وقد قال إنه سعيد بأن يترك مستقبل بلاده فى أيدى خليفته الرئيس أمبيكي. وأنه لم يعد يريد أن يصفه الناس باسم «السيد الرئيس» بل يريد أن يناديه الناس باسم «ماديبا» اسمه القبلي.
وهو الآن يستمتع أحيانًا بالتظاهر بأنه أصبح شخصًا منسيا، أصبح «متقاعدًا على المعاش» كما يصف نفسه وهو يعيد حكاية فتاة صغيرة قالت له إنه رجل عجوز أخرق خرج على القانون وذهب إلى السجن. وعندما أعدت تقديم زوجتى له بقولي: «لعلك تتذكر سالي؟» أجاب «نعم ـ ولكن هل تتذكروننى أنتم؟».
وهو بطبيعة الحال يعرف جيدًا أن كل الناس يتذكرونه.
وفى الوقت ذاته فإن ذاكرته مازالت قوية برغم تقدمه فى السن، شأن العديد من زملائه الذين أقاموا معه فى السجن سنوات طويلة. ويبدو أن ذاكرته تحسنت بسبب المدة التى قضاها فى السجن، بعيدًا عن المغريات والأصوات الصاخبة من التليفزيون والإعلانات.
واسم مانديلا معلق الآن على شوارع وميادين وترتبط به منح دراسية ومبان فى كل أنحاء العالم وعلى كوبرى جديد أنيق فى وسط جوهانسبيرج سوف يفتتح فى يوم عيد ميلاده.
والطريقة التى تقاعد بها فى 1999 هى فى حد ذاتها تكريم لما أنجزه بإنشاء جنوب أفريقيا جديدة. فقبل خمس سنوات، وقبل انتخابه، كان معظم أبناء جنوب أفريقيا يشكون فى أن الانتخابات ستجرى أصلاً، فى مواجهة تهديدات عنيفة من جانب معارضيه بمقاطعته. أما الآن، فإن أبناء جنوب أفريقيا من جميع الألوان أصبحوا يسلمون ببساطة بأن بلدهم دولة ديمقراطية متعددة الأعراق. وهذا هو التراث الرئيسى الذى خلفه مانديلا.
وعند تنصيبه، ألقى الرئيس الجديد تابو أمبيكى كلمة قصيرة حذر فيها من المخاطر المنتشرة فى أماكن أخرى، بما فى ذلك المخاطر المتمثلة فى «المفترسين الأفارقة» ولكنه أبدى ثقته فى مستقبل جنوب أفريقيا التى ستكون محلاً لكل الأعراق وتمثل «مصيرنا المشترك بغض النظر عن شكل أنوفنا».
وألقى مانديلا كلمة وداع قصيرة بدأها بمزحة غير مكتوبة قال: «لقد أخطأت بقبول طردى من الرئاسة. وفى المرة القادمة سأختار مجلسًا للوزراء يسمح لى بأن أبقى رئيسًا مدى الحياة». لكن الأمر كان أكثر من فرصة: ولا شك فى أنه ترك السلطة بشيء من الأسف لكنه كان يذكر مستمعيه بأن كثيرين من القادة الذين جرى انتخابهم بطريقة ديمقراطية فى أفريقيا، ومنهم موغابى فى زيمبابوي، تحولوا إلى دكتاتوريين. ثم أضاف مانديلا «من واجبى أن أبحث لماديبا عن عمل، لأن الرجال كبار السن يكثرون من المشاغبة». وقد ثبت أن هذا أيضًا ليس مزاحًا بالكامل.
وأول مرة منذ خروجه من السجن ، أصبح مانديلا فى 1999 فردًا بغير أى موقع سياسي. وفى ذلك الحين كان قد قضى سنة فى زواجه السعيد بزوجته الثالثة جراكا، أرملة الرئيس ماشيل رئيس موزمبيق. وكان مانديلا يستمتع بقضاء الوقت مع أحفاده وأبناء أحفاده، ويقضى الوقت متنقلاً بين بيته فى جوهانسبيرج ومقره الريفى فى كونو وقصر جراكا فى موزمبيق. وجراكا سيدة قوية الشخصية ولها مكانتها السياسية المستقلة، ويسعد مانديلا بأن يتظاهر بأنها تخضعه لسلطانها ويقول: «لقد سمحت لى في الأقل بأن أحتفظ بلقبي».
ولكنها وفرت له ذلك النوع من المساندة الذى لم يسعد به من زوجته الثانية ويني. وقد قالت لى جراكا: «إنى أريده كمجرد إنسان، وهو رمز ولكنه ليس قديسًا. وأى شيء يحدث له، إنما هو دليل على تحرر الشعب الأفريقي».
وهناك تناقض دائم داخل شخصية مانديلا، فهو بينما يريد أن يعطى الآخرين فرصة تركيز الأضواء عليهم فهو مازال واحدًا من أشهر الرجال الأحياء. وهو مازال يسعى للحصول على مزيد من التجارب، وتعويض السنوات الست والعشرين التى ضاعت فى السجون، وقد بات أكثر لهفة، وليس أقل، فهو رجل كبير فى عجلة من أمره.
وقد قال فى سنة 1994 «لقد تقاعدت، ولكنه إذا كان هناك شيء يقضى علي فهو أن أصحو فى الصباح لا أعرف ماذا أفعل؟؟ وقد حاولت جراكا أن تدفعه إلى الاسترخاء، ولكنها لم تلبث أن غيرت رأيها. وقد قالت لي: «لقد أدركت أنى كنت على خطأ. فهو بحاجة لأن يكون مشغولاً للغاية. ومن الواضح أنه إذا خفف من سرعته سوف يشعر بالاكتئاب، سيشعر بأنه لم تعد هناك حاجة إليه». وقد أنشأ فى 1999 «مؤسسة نلسون مانديلا» وأصبحت موقعه المختار. وتقول سكرتيرته الأفريقية البيضاء المخلصة زيلدا لو جرانج والتى جاءت من أسرة وطنية متعصبة بتنظيم مواعيده التى لا تنتهى ورحلاته وتليفوناته للاتصال بقادة العالم. وهو لا يتوقف عن قطع المسافات طولاً وعرضًا، وخاصة السفر إلى بريطانيا وأمريكا والشرق الأوسط، وذلك غالبًا فى طائرة خاصة قدمها له واحد من أصدقائه الأغنياء وهو الأمير بندر سفير المملكة السعودية فى واشنطن
وقد شرع فى كتابة الجزء الثانى من مذكراته، الذى يغطى سنواته فى الرئاسة، بمساعدة من زملائه السابقين. وهو مصمم على أن يكتب مذكراته بنفسه، حتى لا يتأثر برأى أحد، وهو يجري أبحاثه بوسائل شخصية للغاية: فهو يستدعى أصدقاءه القدامي، أو حتى أعداءه، مثل الرئيس السابق ديكليرك، ليستمع إلى ذكرياتهم عن الاجتماعات المهمة.
ولكنه يحب أيضًا أن يلتقى بالأبطال العاملين فى المسرح والسينما، وأبطال الرياضة. ففى سنواته الأخيرة فى السجن كان يستمتع بمشاهدة أفلام هوليوود ومازالت تثيره مقابلة النجوم الأحياء مثل ووبى جولد بيرج أو ويتنى هيوستون الذين يرحب بهم بإبداء إعجاب مبالغ فيه.
ويشكو زملاؤه الجادون من أن له غرامًا خاصًا بالوجوه الشهيرة ممن ليست لهم أهمية سياسية. ولكن فى رأيى أن الأمر لا يتجاوز أنه يمارس حب الحياة على نطاق أوسع، ويمتد به إلى ما هو أكثر من الرجال متوسطى السن الذين يرتدون البذلات الرسمية. وكثيرًا ما أشعر بأنه يعيش مرة أخرى شبابه فى جوهانسبيرج فى الخمسينيات، حين لم يكن فقط من رجال السياسة بل كان أيضًا من الشخصيات البارزة فى المدينة، وموضع إعجاب النساء ومحبًا للرقص وممارسًا للملاكمة.
وعندما يقدمنى للآخرين يقول عادة: «لقد قابلت تونى أول مرة فى صالة للرقص». وهو مازال يحب الحديث عن الموسيقيين السود القدامى ومحررى مجلة Drum وعن أيامه فى الملاكمة. وعندما كنت أتحدث معه فى لندن قبل سنتين، قطع حديثنا من جاء بذكر أن هناك زائرًا آخر ينتظر، وكان هو الملاكم فرانك برونو. ولم يضع مانديلا أى وقت، فقطع حديثنا ومقابلتنا الصحفية.
غير أنه أصبح أكثر وحدة هذه الأيام. فعندما كان رئيسًا للجمهورية، كان أكبر بثلاثين سنة في الأقل عن معظم الساسة فى جنوب أفريقيا، وقد انتقل معظم معاصريه إلى رحمة الله وفى أوقات كثيرة يبدو عليه عمره. وبعيدًا عن الكاميرات يمكن أن يبدو فجأة مرهقًا وحزينًا، ويمكن أن يكون ضيق الصدر مع معاونيه. وهو أحيانًا يفقد الموضع الذى يقرأ منه عندما يلقى كلمات مكتوبة، وإن كان يحيل ذلك إلى دعابة ويقول: «على خلاف بعض الساسة فإنى على استعداد للاعتراف بارتكاب أخطاء». ولكنه محتفظ بإرادة قوية لأن يعيش. وفى سنة 2001 شخص الأطباء أن لديه سرطانًا فى البروستاتا، ولكن بعد العلاج المكثف بدا أنه استرد صحته بالكامل. وقال لى فيما بعد «كثيرًا ما يخطئ الأطباء، ولكن السرطان يتغلب عليهم. وعلى أى حال فإنى سأكون الفائز. لأنى فى السماء سوف أبحث عن أقرب فرع من فروع حزب التحرير الوطني».
وكثيرًا ما يعيد مانديلا التفكير فى سجله الماضي، أحيانًا يأسف، وهو يتذكر سنواته الأولى كسياسى شاب مناضل ومزهو بنفسه، ويشعر بالإثم لأنه أهمل الأصدقاء الذين ساعدوه فى طريق الصعود. وهو قلق لأن زملاءه السياسيين يطويهم النسيان بينما يلقى هو كل هذا التكريم. وقد انزعج للغاية عندما رأى أن طلاب الجامعة لم يسمعوا بأوليفر تامبو صديقه الحميم وزميله فى ممارسة القانون والذى كان رئيسًا للحزب فى المنفى عندما كان مانديلا فى السجن، والذى توفي في سنة 1993.
وقد خرج عن مسار حديثه ليثنى على والتر سيسولو، أستاذه الأول الذى قادالحزب فى الخمسينيات، والذى مات فى مايو الماضى وقد قال مانديلا فى عيد الميلاد التسعين لسيسولو فى سنة 2002 «إنه لم يشغل أى موقع مهم ولكن قامته تعلو قامة أى منا بكثير، وذلك لأنه كان يتمتع بميزتين: الإنسانية والبساطة ـ والصلابة فى روحه». وعندما مات سيسولو اعترف مانديلا بتأثيره الحاسم: «ومن خلال انحدارى من أسرتى كنت رجلاً مهمًا ولكن سيسولو ساعدنى على أن أفهم أن مهنتى الحقيقية هى أن أكون خادمًا للشعب».
هل كان مانديلا يستطيع حقًا أن يجلس على أحد المقاعد الخلفية فى جنوب أفريقيا؟ لقد أنبأ زملاءه بعد تقاعده بأنه سيصبح حرًا فى انتقاد القيادة «باعتباره عضوًا عاديا فى الحزب». لكنه يعرف أنه ليس عضوًا عاديا. فهو لايزال أشهر أبناء جنوب أفريقيا، والكاميرات والصحفيون يتبعونه وينقلون أى موضوع للجدل بينه وبين الآخرين.
وعندما أصبح مانديلا رئيسًا، كان شاغله الأول المسائل المتعلقة بالمصالحة بين الأجناس واعترض على الدعوة إلى القيام بحملة كبرى ضد الإيدز. وأصبح أدوين كاميرون، وهو قاض جنوب أفريقى شجاع من ذوى الجنسية المثلية والذى تبين أنه إيجابى لفيروس HIV، شخصية شهيرة فى الدعوة لمكافحة الإيدز، وانتقد فيما بعد موقف مانديلا الذى اتسم بتجاهل المشكلة.
وقال كاميرون: «إنه هو، أكثر من أى شخص آخر، كان يستطيع أن يؤثر في عقول وسلوك الشباب. ورسالة هذا الرجل الذى تحيط به هالة من القداسة كان من شأنها أن تؤثر. لكنه لم يفعل. وفى 199 حالة كان منقذًا لوطننا، ولكنه فى هذه الحالة المائتين لم يفعل».
مازال مانديلا قادرًا على ممارسة سحره الخاص على البريطانيين والأمريكيين. فهو شخصية أسطورية، شخصية السجين الذى أصبح رئيسًا للجمهورية، والذى أشعل خيال الجماهير والأطفال. ولكن الأسطورة مازالت متصلة بقائد سياسى قادر على أن يضطلع بدور فى عالم ما بعد 11 سبتمبر المحفوف بالمخاطر والانقسامات.
وهو يتمتع بنفس القدر من الاحترام لدى الجانبين وقد أعطته سنواته خبرة فى القوة والضعف على السواء. فهو يستطيع أن يتكلم باسم الآلاف المؤلفة فى عالمه النامى والذين تتجاهلهم الدول العظمي، فى نفس الوقت الذى يحتفظ فيه بدوره المعنوى الكبير فى الغرب، وحتى فى أمريكا، باعتباره داعية التصالح والمجتمع متعدد الأعراق.

 الكتاب: ما بعد مانديلا
 تأليف: اليك روسيل
الناشر: هوتشستون لندن 2010



المشاركة السابقة : المشاركة التالية
الكاتب: top3rab
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الثلاثاء 05-02-2013 12:23 مساء ]



     القائمة البريدية