العدد(80) الخميس 2020/ 23/01 (انتفاضة تشرين 2019)       قتلى وجرحى من المتظاهرين وتصاعد حدّة الاحتجاجات الشعبية       "وداعًا راعية الأيتام"..ناشطو الاحتجاجات ينعون "أم جنات": انتظروا البصرة       وجد نفسه في قبضة مكافحة الشغب..هذه قصة المتظاهر الذي غزت صورته صفحات التواصل       يوميات ساحة التحرير..حضور نسائي متميز يعيد وهج الاحتجاجات       على نغم الناصرية       "تحدي صورة معتقل".. من يحاسب السلطة بعد "التشهير" بالشبان المتظاهرين؟       مسيرة للمتظاهرين على محمد القاسم: "بين الجسر والساحة.. الوطن عالي جناحه"       حكايات من ساحات الاحتجاج.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!       تحت نُصب جواد سليم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30105147
عدد الزيارات اليوم : 16938
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


بناء القصيدة والصورة الشعرية عند الأثـري

د. عناد غزاون
يعد الأثري كغيرة من الشعراء الذين تعاصره معهم، أو نهج نهجهم الشعري من أمثال الزهاوي والكاظمي والرصافي والشبيبي والصافي والنجفي والشرقي امتداد للشعراء الاحائيين ومن جاء بعدهم من شعراء عصر النهضة الذين تمثلوا التراث الشعري العربي


تمثيلا فنيا مخلصا صياغة وأسلوب وصور. وان كان يختلفون في قدراتهم الشعرية وفي قراءاتهم لشعر العربي القديم، حيث تباينت، في ضوء تلك القراءة صورهم الشعرية فكان البعض يأخذ صورة كما هي لايحرف ولا يبدل فابدو وكانها ليست من صنعه نافرة في السياق وكان البعض يعدل فيها حيث يضفي عليها من شاعريته مايجعلها تتناسب في داخل السياق.
واما البعض الاخر فقد استطاع ان يمتثل كافيا فيبدو السياق متناسبا وتظهر الصور متوائمة داخل القصيدة علما ان لغتهم الشعرية التي ورثوها عن لغه الشعر القديم كانت تعتمد على (السلس المالوف منها ولم يحفظوا بالمهجور منها الا نادرا) . ومن هنا يستطيع القارئ ان يتحسس الروح الشعرية العباسية في شعر هؤلاء الشعراء الذين نبذوا وحدة البيت التقليدي وجنحوا الى وحدة القصيدة حسب فهمهم وتصورهم الفني لها. وامتازوا بجزاله اللفظ وقوة الصياغة وبراعة التعبير وإبداع النسج وإحكام القوافي وطرافة المعاني مع توافر الغنائية والمقاصد والاتجاهات ومع المحافظة على القواعد الشعر العربي الاصيل.
فالاثري من حيث انتمائه الى مدرسه شعرية بالمعنى النقدي المعاصر ينتمي الى المرحلة الشعرية التي جاءت في اعقاب النهضة الحديثة وقبل حركة الشعر الجديد الي يمثلها رواد الشعر .. وهو يمثل مرحلة مابعد شوقي اوضح تمثيل. ويقف مع معاصريه وقفة تظهر دورة في حركه الشعر الحديث قبل ان تمتد الحداثه بمعناها الغربي الى الشعر العربي في العقود الثلاثة او الاربعة الاخيرة من هذا القرن. فالثري الشاعر على وفق هذا التصور النقدي عمودي في بناء قصائد محدث في رسم صورة المستمدة من واقعة واحداث ذلك الواقع سواء اكانت  تلك الاحداث ذاتيه وجدانية او تتجاوز الذاتية الى ابعدا اخرى . فهو احيائي في بعض صورة ووجداني في بعضها ومحدث في بعضها الثالث. وهو في عموديته الشعرية محدث يستجيب اتطور روح العصر وفي حداثته عمودي غير مستغرق بمحاكاة القديم ويتجلى ذلك في لغته الشعرية التي تبدو ذات مسحة انفعالية بدلالتها الايحائية في بعض قصائدة حين يصير الغموض الفني سمه جمالية في بناء صورته الشعورية واستيعاب تجربته الشعورية بوعي. ذات مسحة اشارية تقريرية بدلالتها الوضعية حين يصير الوضوح ضربا من النثريه علما ان الخزين اللغوي الثر للاثري وحبه واختصاصه بالغة العربية قد مهد السبيل الى تسرب بعض الالفاظ الفصيحة بعربيتها دلالة ومعنى ورسما النادرة تذوقا واستيعابا في نظر المتلقن المحدثين والمعاصرين شعرة فبدت بعض صورة منحطة، جافة، وكانها صور نحاة ولغويين. على النقيض من صورة الزاهية الاخرى وفي اغراض شتى.

2
الشعر بنظر الاثري يعني رقه الشعور من خلال حروف كلماته المتلالئة بيانا وفصاحة ذلكم هو بيان العربية الزاهية بصباها ي كل حين، انه: حر المذاهب .. لايشوب اصوله لأكدر، ولاواهي اللغات يشينة فالشعر (ابن الحقيقة والحقيقة نهجه) يولد في رحابها فيصير الصدق صديقا حميما له مستلهما منه ومن بدئع جماله فالاثري والشباب والشعر قصيدة حالمة تعبر عن تربية الشعرية بشبابها الغض المتجدد وشعرها المتوهج حيوية وحركه:
انا والصبا والشعر حلم حالم
          مرحت باهداب الجفون فتونه
فالشعر عندة كيان وجدان فكري قائم على اركان اهمها :
 اللغه البانية الشاعرة والايقاع الذي يؤلف موسيقاة ونغماته
الشعر .. من وهج الشعور ونار اشواق الضمير نغم وايقاع وعاطفة وتموج في الصدور ولشعر الشعراء  هدف في الحياة ولاخير في شعر هائم على وجهه بلا هدف او قرار. الشعراء لدى (الاحداث كالظل
 الظليل وهم دافعوا الخطب الجليل) اذ نزلت بالشاعر واهله ووطنه خطوب عاصفات هائلات .. الشعر عند الاثري من الحياة الى الحياة. من وجدان الشاعر الى وجدانه ووجدان جمهورة من القراء والمستمعين . وهذا يعني دون ادنى ريب، ان الشعر او القصيدة لابد من( فكرة) يعبر عنها بلغة شعرية تحقق بقدرة شاعرة وموهبته (القيمه الفنية –الجمالية) التي تتبلور بالصورة الشعرية بمعناها النقدي المعاصر فالفكرة هي صورة العقلية للتجربة في حين ان الصورة الشعرية هي المعادل الفني للفكرة فالشاعر يحول المعادىت الفكرية الى تجارب شعورية يطرح الموضوعات الذهنية بشكل لاتسقط هذة الموضوعات فيه في اذن السامع من دون صورة وايقاع واحياء .اذن الشاعر يوفر المناخ الشعري للفكرة الذهنينة التي يعالجها وهذا هو الفرق بين المفكر والشاعر.)
وقد وضح الاثري فهمه للشعر بوصفه فنا ذاتي النشاة، يمتع النفس الانسانية وبين طريقه بناء القصيدة حينما ساله وسال غيرة من شعراء العربيه الاستاذ مصطفى سويف في اوائل الخمسينيات (بين 1950-1951، حين كان يعد رسالته للماجستير من جامعه فؤاد الاول ثم حصل على الدكتوراه بعدئذ) الاجابة عن خمسة اسئلة كانت نواة (الاستخبار) او( الاستبيان) الذي اعدة اتتبع خطوات عملية الابداع لدى عدد من الشعراء والسؤالان اللذان يخصان بحثنا من هذه السئالات: الثاني المتعلق بكون القصيدة اذا صح انها تطورت وتغيرت .. انخضع لممارسة الشاعر في عملية تغييرها؟ ام ان الامور تجري بعيدة عن متناول قدرة الشاعر وانه يشهد اثار التغيير؟ والخامس: ايرى الشاعر نهاية القصيدة قبل ان تبيلغ هذة النهاية؟ وهو سؤال يخص ببناء القصيدة بوعي الشاعر او بلا وعيه .. ويمهد الاثري للاجابه عن هذه الاسئلة بتمهيد يراه ضروريا في تحديد الشعر وتبيان دلالته عنده، فيقول:
(الشعر عندي، في مختلف ماحيه ومعلنيه ولايخرج عن حدود الانطباعات والانفعالات وثورة النفس فانا لا اقوله الا اذا جاش صدري ووافرت حوافزه ودواعيه في الرضا او الغضب وفي الحب او القلي. وفي الضحك او البكاء عفوا من غير التماس وطبعا من غير تصنيع اعنى انه اذا جاءني اسنجيب له في اي غرض من الاغراض مادام الشعور الثائر المتوهج هو الذي يوحيه ويمليه والاتحاميته فلا افكر فيه ولا يعنيني من امرة شي حتى لكأنه ليس مني ولست منه او ليس بيننا وشيجة من نسب تصلني به ونصله بي ... اما ماكان  مبعثه الشعور الحي الصادق الذي تمتلئ به النفس ويفيض به الطبع فهو هو هو الشعر وهو اشبه بتغريد الطائر تنبعث منه متى طابت نفسه وهاج حسح وراقه التغريد... كذلك ينبغي للشاعر ان يكون وكذلك يجب ان يكون شعرة كتغريد الطائر المبعث من ثورة نفسه وهيج طبعه واندفاعه للفضاء برغبيته هو لابرغبه السائلين والمقترحين والا كان نظما. واسقط من عداد الشعر).
لاشك في ان الاثري في هذا التمهيد يميز بين الشعر الطبوع الذي انثال افكارة وصوره وايقاعه وقوافيه على الشاعر انثيالا عفوبا وهو الشعر الذي لا يعرف الاثري غيرة وبين شعر الاقتراح المتكلف، المصطنع وهو شعر الصناعة اللفظية والاوزان والقوافي اذ يؤاة الاثري رديفا للنظم ..
(فالشعر) عند الاثري كما يبدو له خصائصه الفنية منها:
الشعور الصدق، والتجربة الشعورية الواقعية والانفعال وثورة النفس، وهي سمات تمييزة من (النظم) الذي ليس من عداد الشعر.
فالاثري شاعر مطبوع معجب بهده (المطبوعية) بعيدا عن التكلف والافتعال والتصنع .. ومن هذا هنا فان بناء القصيدة عنده يةلد من هذه النظرة وهذا الموقف الواضح الصريح حين يجييب عن السؤال الخامس بقوله (انا في عمل الشعر اجري مع تيار العاطفة التي تستولي على والحالة الي توحي الي القول فابدا بالمطلع .واسلسل الكلام قلما اقدم او اؤخر لاافكر الا في اطراد الشعور وانسجامه واستيفاء المعاني والاخليه في نسق اخذ بعضه برقاب البعض، اما نهايه القصدية فاكاد اراها واضحه قبل ان ابلغها، وانهي القصيدة فعلا حيث كانت اقدر لها وقلما افعل غير ذلك).
انا عمليه بناء القصيدة عند الاثري عضوية ايضا فهو لايقصد الى بناء قصيدة او ابداعها على اساس مخطط ثابت موضوع لها من قبل فحاله التوتر العاطفي تخلق التعبير حيث يولد الطلع ثم تبدا القصيدة بالحركه والنمو بيتا بيتا على وفق نسق من الشعور او الوحدة الشعوريه والانسجام بين المعاني وصورها او اخيلتها. تلك الوحدة المتنامية باسلوبها معنى وخيالا وصورة الى ان تصل القصيدة الى نهايتها وصولا طبيعيا قلما تخضع لاعديل او تغيير . فالنهاية واضحة امام الشاعر فهي (جزء) من( كل) قد نما واكتمل وهذا الشعور(بالكلية) قد الغى الـ (انا) في خلق (النهاية) في القصيدة، فالقصيدة عند الاثري بمطلعها ووسطها ونهايتها كل فني متكامل يولد بحريه وعفويه عند, قلما يقدم الشاعر او يوخر بين اجزاءهذا الكل الفني فالشكل الشعري كالمضمون الشعري يولد ولايتبنى ولا يكتسب ويجدد ولا يورث، كما يقال. وهذا يعني دون ادنى ريب انهما جوهر واحد في القصيدة، ايه قصيدة، مهما اختلفت ازومنتها الشعريه وعصور انتمائها الادبي ساسيا واخلاقيا ودينينا واجتماعيا طالما انهما يؤلفان البنية الفنية للشعر الذي يتحرك من واقع انساني متحرك وهذا مايفسر التطور الذي يطرأ على الاشكال الشعريه والتجديد الذي ينعكس على المضامين الشعرية اي بعبارة اخرى ان القيمة الجمالية- الفنية لأية قصيدة لاتتحقق من طرف واحد، الشكل وحدة اة الضمون وحدة، بل هي نتاج هذا التآلف والاندماج في بناء شعري متوحد ومتحرك. وبذلك يكون للغة سواء اكانت اشاريه ذات الدلاله المطابقه او التقريرية المعروفة هاو انفعالية رمزية ذات الدلالة الايحائية التي يتحرك من خلالها الحس الشعري بمعناه الجمالي وبعدة الفني في المفاضلة بين القصائد حينا او بين الشعراء حينا اخر. واللغة الشعرية في ضوء هاتين الدلالتين ارتباطا وثيقا بالمعاناة الشعورية الو التجربة الشعورية التي تمهد السبيل الى ميلاد هذه القصيدة اة تلك والمعاناة الشعورية هي التي تخلق شكلها التعبيري من خلال مفردات ذلك التعبير او دلالاته المختله ذات النتماء بحركه الواقع بافعاله وموافقه .حيث تصير اللغه ضربا من التقنية التعبيرية التي تعبر عن شاعرها وتعكس بعض خصائص الشعريه فنيا واسلوبا وجماليا وهذا يتلاشى الخط الفاصل ين الشكل والمضمون وهما جوهر واحد حين يتحقق التوافق الجمالي بينهما من خلال اللغة الشعرية التي تعد الصورة وجهها المشرق والبناء كينونتها وبنيتها الظاهرة. وهذا مايفسر القاء الحميم بين (بناء القصيدة ) وصورتها الشعريةفي كثير من الاحيان ولا سيما عند المبدعين من الشعراء وبذلك فان القصيدة لقاء ابداعي بين الشكل والمضمون من خلال لغة شعرية متقنة ومبدعة بمستواها الصوتي والدلالي والتركيبي على وفق مفهوم الاسلوبية المعاصرة. بوصف الابداع تأليفا جديدا لاشياء معروفة يعيها الشاعر بوجدان مرهف وقدرة خيالية تحول ذلك الوجدان الى صورة سعرية مختلفة تترجح بين الحسية والذهنية لانها منطلقة من واقع متحرك لايعرف الجمود الوالتكلس، يرى في خيال الشاعر طاقة ذات عوالم تعبيرية ومن خلال المجاز والاستعارة والتشبية والتوريه والحقيقيه , هي في الواقع نواة الصورة الشعرية المتكافئة والمتعادلة فنبا وصولا الى تذوقها وتقديرها بوصفها قيمه جماليه يتحسس بها الملتقي فيستجيب حيث تغدو استجابة عنئذ، ضربا من المقاييس او المعايير النقديةالتي يقيس في ضوئها درجه الابداع وقدرته في هذة القصيدة او تلك، او عند هذا الشاعر او ذاك.((فالشاعر على  علاقه جدليه بالواقع ,يسلط عليه اضواء فكرة الكاشف يستمد منه الصور والتشابه واعيا أو غير واع)) واذا كانت مهمه الشعر تو وظيفته ارتيادا وكشفا وتجسيدا للواقع بالصورة كما يقال فان الصورة الشعريه تصير على وفق هذا الفهم المعيار الفني – الجمالي للقصيدة على وجه الخصوص والشعر على وجه العموم، ومالرمز الا ملمح من ملامح اللغة الشعرية ووجة من وجوهها تبرزة الصورة وتعكس دلاته التعبيرية والفنية.
اذا كانت سيرة الشاعر، اي شاعر، والاثري شاعر، حوارا مع ذاته ومع واقعه التاريخي بكا مايحمل من دلالات
 عقائدية واخلاقية واجتماعية وانسانية، فالقصيدة بصورها وهيكلها الفني وليدة هذا التفاعل بين الذات والراقع وهذا مايفسر وجد (المضمون) او الغرض) في القصيدة عند الشاعر من جهة والى التزام بخط افقي في محاكاته وتقليدة للقصائد والصور والشعر القديم – الكلاسيكي الذي سبقه – وبخط عمودي متحرر يستجيب فيه لنداء الذات، اي الميل الى التجديد من جهه اخرى. وهكذا تفهم القصيدة الاثرية ببنائها الفني ونكهتها الشعرية المتمثلة باغراضها الوجدانية والذاتية والاخلاقية والوطنية والقومية والانسانية وهذا يذكرنا بمقوله (هازلت- Hazlitt ) (والشعر المثير والمحرك للعواطف هو فيض من الجانب الخلقي والعقلي لطبيعتنا، اضافة الى الجانب الحسي وهو نتيجه للرغبة في المعرفة والرغبه في العمل والقوة للشعور).

3
لعل مهم الناقد الي تكاد اقرب الى البديهيه هي في قدرته على تعميق استجابة المتلقي للشعر او بعبارة اخرى السعي الجمالي الى تبسيطها وتوسيعها ويتم ذلك دون ادنى ريب من خلال اسلوب التواصل والتوصيل الفنيين بين القصيدة/ الشاعر والقارئ/ المتلقي، صاحب الاستجابة المتوخاة، هذا المتلقي الذي يرى في الكلمة الشعرية المهموسة عالما جماليا يعيق احساسه بعوالم الطبيعة المحيط به وحينئذ لايكون لافكار الناقد التجريدية المفروضة على النص الشعرية / القصيدة، اي اثر يستحق الاهتمام. ومن هنا كان للصورة االخاذة الجديدة على حد تعبير بعض النقاد وفي القصيدة اية قصيدة ولاي شاعر قديم معاصر محدث دور فعال في تحقيق الاستجابة الذاتية في عفويتها وتلقائيتها حين تصير الصورة الشعرية معيارا نقديا للمفاظة بين قصيدة واخرى او بين شاعر واخر على الرغم من اختلاف الزمان الشعري والمكان الادبي او اذا شئنا على اختلاف الاقاليم الشعرية زمانا ومكانا. فتتحول الى كونها صورة فنية- نقدية. ولذلك عد الاباع والجرأة والخصوبة في الصورة ضوء ضوءا ساطعا في تحقيق القوة الفنية في الشعر فالصورة معيار ثابت في الموازنة بين القاصد والشعراء. فهي في الواقع الادبي عيار الشعر بمعناها النقدي وفي ضوء هذا المفهوم يرى بعض النقاد المحدثين ان (الصورة ثابتة في كل القصائد وكل قصيدة هي بحد ذاتها صور فالاتجاهات تاتي وتذهب والاسلوب يتغير كما يتغير نمط الوزن حتى الموضوع الجوهري يمكن ان يتغير بدون ادراك ولكن المجاز باق كمبدا للحياة في القصيدة وكمقياس رئيس لمجد الشاعر) ان هذا المفهوم او التصور النقدي للصورة الشعرية جعلها تتجاوز دلالاتها الزخرفية او التزيينية او التزويقيق بمعتاها البلاغي البديعي الى كونها روح القصيدة وقبلها الجمالي – الفني النابض بالحركة والتجدد والابداع فهي في ابسط معانيها،  كما يقول (سيسل دي لويس): رسم قوامه الكلمات ان الوصف والجاز والتشبيه يمكن ان تخلق صورة وان الصورة يمكن ان تقدم الينا في عبارة او جملة يغلب عليها الوصف المحض ولكنها توصل الى خيالنا شيئا اكثر من انعكاس متقن للحقيقة الخارجي هان كل صورة شعرية لذلك
 هى الى حد مامجازيه انها تتطلع من مراة لا تلاحظ الحياة فيها وجهها بقدر ماتلاحظ بعض الحقيقه حول وجهها.. ان
الطابع الاعم للصورة هو كونها مرئية وكثيرا من الصورة التي تبدو غير حسية لها مع ذلك في الحقيقه ترابط مرئي باهت ملتصق بها ولكن من الواضح ان الصورة يمكن ان تستقي من الحواس اكثر من استقائها من النظر.
لاشك في ان للعاطفة الشعرية في مدى رارتباطها بافكار الشاعر ويقظته الحسية واستشرافه لواقعة الاني واستنطاقه لاحداث عصره المختلفة دورا فاعلا ومؤثرا في النبوغ الشعري الاصيل الذي يمييز هذا الشاعر من غيرة من الشعراء المبدعين حين يسري نسغ تلك الصورة / العاطفة في جسد الكلمات وسياقاتها فتصير مجازاتها جزءا من العاطفة الانسانية التي تعمق الاستجابة الفنية عند المتلقي حيث تحقق الصورة غايتها الجمالي هاو متعتها الجماليه من حيث كون القصيدة الكاملة الكلاسيكي هاو الرومانتيكية او الواقع هاو المعاصرة هي صورة مركبة فالقصيدة الرائعة او العظيمة هي التي يجب ان تكون ذات علاقه بالحاضر كما يقال (.. ومهما يكن موضوعها فيجب ان تعبر عن شئ حي في الذهن الذي تصدر عنه والاذهان التي تتلقاها واينما يكن جسمها فيجب ان تكون روحها) وفي ضوء هذا التطور اطردت مسمسات كثيرة للصورة الشعرية وارتبطت بعصرها حينا وبالمدرسة الادبية التي ينتمي اليها الشاعر حينا ثانيا وبفلسفة الشاعر من الوجود والكون واحداث عصره حينا ثالثا. كصوره الكلاسكية او الاتباعية التي تعبر عن حقائق ثابتة والرماتيكيه او الابتداعية التي تقوم على مبدا التداعي كما هي الحال في الاحلام حيث توحد بين الانسان والطبيعة بشكل مثير وارتباط مميز والصورة الرؤيوية التي تربط بين المرئي واللامرئي او بين الواقع والحلم والصورة الايحائية التي تعبر عن المطلق بالمحدد اي انها مجازية تعبرعن المعنوي بالحسي والصورة السريالية التي
 تعني خلق صورة من لاشي او بعبارة اخرى هي مغامرة داخلية تنتمي بخلق الصورة من العدم انطلاقا من المقولة المعروفه عند دالدادئيين التي ترى ان الفن والجمال وما تفرع عنهما يساويان العدم .
      ان ديوان الاثري غني بكثير من الصور الشعرية منها الصورة الكلاسكية والوجداينة والرمزية والايحائية في ضوء مضمونها او فكرتها ولغتها الشعري بصرف النظر عن كون الاثري شاعرا عموديا فهو في الهياته صاحب صورة صوفية تعبدية تمثل مناجاته وتسابيحه امام الله جل جلاله.
حيث يكون الطباق البلاغي في ثنائياته الحسية والمعنوية جزءا من هذة الصورة فضلا عن الدلالة الايحائية في لغته الانفعالية في التعبير عن هذه المناجاة وذلك التسبيح:
منك الوجو بداية واليك بعد
                  نهاية وبك استقر قرارا
 لاستر دونك انما تعمى النهى
                   فتضل عنك وتسدل الاستارا
اشرقت في جمل الوجود فرارات
                    عيني لها تتنور الانوار
وقد بدت لظه رارات نادرة مهجورة في هذة الصورة وكان بالامكان استبدلها ب حدقت اما شروق الله في جمل الوجود هذا التعبير التصويري البارع ذو المجاز الفني الرفيع وقل مثل ذلك عن هذة الصورة البارعه التي يبدو فيها الرمل الجديب ظمان الى طلات الندى كي تروي هذا الظما العميق فيكون الدم المطول معادلا مجازيا لهذا الظما اذا ظمي الرمل الجدي بالى الندى
         سقوة الدم المطول في غير مقصد
قد تذكرنا هذة الصورة الشعرية البديعة بصورة ابي تمام  وهو يكافئ في المعن بين الديمة الحرة الطليقه الغنية بغيثها واستغاثة الثري الحزين بها من شدة العطش والظما:
ديمة سمحة القياد سكوب
               مستغيث ها الثري المكروب
ان الجمال خفيه وجليه
  ويرسم الاثري بكلماته الفصيحة الجزله صورة شعرية اصيلة وهو يتحدث عن العربية الفصحى سيدة اللغات هذه اللغة التي احبها وعشقها عشقا صوفيا .. وتبدو هذة الصورة من خلال معجمه الصوري كانها ذات مسحه عباسية بروحها وجسدها انها صورة ذهنيه وحسيه جمعت بيت الحسي والمعنوي الكلي والجزئي فهي كلاسيكية ووجدانية وايحائية بلغتها الانفعاليه في ان واحد ورف كما رفت باطياف قبله
      شفاة روؤم قد هفت لفطيم
أأم لغات العالمين بلاغه  
           وطيب مذاق واختلاف طعوم
بياتك؟ ام ماء من الخلد كوثر
             ترقوق عذبا؟ام رحيق كروم؟
تجاوز اعناق الدهور وحسنه
            يزيد على الايام حسن رسوم
...يقولون سيف قلت سيف بلاغه
             سماويه الانفاس ذات رنيم
له في نواحي الخافقين بوراق
            تضئ قلوبنا جللت بسديم
وفتح ...هداياة البشائر والسنا
    وعيش ربيع دائم ووسيم
للمبالغة بوصفها صورة من صور الخيال دور في تحقيق المتعة الجمالية – الفنية للشعر فخلوة منها قد يعني فقدانه سمة من سماته الفنية المتاصلة فيه تعبيرا وصورة فالمبالغه او الافراط في الصيغة على حد تعبير  ابن النعت زاو الافراط في الاغراق على حد تعبير ثعلب هي ضرب فني من نعوت المعاني عند قامة بن جعفر وتعني عندة توكيد الشاعر للمعنى
 وبلوغه اقصى حدودة.
لذلك لم يستغن الاثري عنها في رسم بعض صورة الشعرية فالعربية الفصحى وضيئة. شاق زهور الورد زاهرها رفيعه القدر اخت الشمس ومكانها فوق عرش الشمس فهي الجوهر الفرد بهذة الصفات المعنوية وهي قلب البالغة الفنيه وروحها تتالق الصورة الشعرية عنده حين يقول:
احببتها حب نفسي والهى غرد
             وحبها الروح والريحان والرغد
رفيعه القد تحت الشمس عالية 
 يرى لها فوق عرش الشمس مقتعد
نافت سنا وسناء باذجا وزها
  في مطرف الحسن فهي الجوهر الفرد
      واذا كانت الصورة الشعرية خلقا جديدا لعلاقات جديدة من التعبير فهي في الواقع الشعري روح التجربة وبؤرة تشكيلها الجمالي من خلال السياق الفني الذي يحدد الدلالة المعنوية للكلمة الشاعرة بكل مالها من علائق بغيرها داخل البناء الجمالي للجملة الشعرية التي تحمل بين احشائها وثناياها التكافؤ والمبالغة والمجاز ولاسيما في اضفاء صفات العاقل على غير العاقل والعكس بالعكس كما في صورة الاثري وهويتحدث عن دمشق الشام وهي في القيد تزاز ويجز
 بساقيها الحديد
افقنا على صوت يروع مجلجل
   فقلنا دمشق الشام في القيد تزاز
يجز بساقيها الحديد وماله
   اذا هي لم تغضب على القيد مكسر
ان اللغة الشعرية بوصفها تراكيب ومجموعة الفاظ وعلائق معنوية متداخلة فيها تتضمن حسا وجدانيا وايقاعا داخليا وايحاء ورمزا تتبلور كلها في الصورة الشعرية التي تستمد من العلاقة بين اصوات الالفاظ ومعانيها وموسيقاها او اذاشئنا ايقاعها ومن هنا قيل ان الشاعر الاصيل هو الذي يتمتع بحساسية عظيمة لاصوات اللغة ويمتلك قدرة فائقة على الملاءمة بين صوت والمعنى ويعرف كيف يوازن بين الاصوات والافكار من جهه وبين مايعبران عنه من ناحية اخرى فهناك علاقة بين جرس الكلمات ونغمه المفردات من ناحيه وبين الاحداث المصورة او العبر عنها حيث شخصية الكلم انما تتحدد على ضوء مجموعة الحروف المكونة لها فالقصيدة ليست وزونا وقافيه وموسيقى شعرية محضه بل هي بناء جمالي – ايقاعي من كلمة او كلمات ومعنى ومعان حيث تمنح تلك الموسيقى ذلك البناء ديمومة التمتع به بوصفه شعرا يعبر من خلال تلك الموسيقى عن تجربه شعورية ذاتية وما الترصيع والسجع وصحة التقسيم والتوازن والتكافؤ المنوي والتكرار والجناس الاصور وسمات للايقاع الشعري في البيت او في شطر من البيت فالصورة الشعرية عند الاثري تستثمر التكرار والايقاع الداخلي استثمارا فنيا بارعا حيث يضفي التكرار نغمة ايقاعية موسيقيه على مناخ القصيدة بوصفه من ابرز مقومات الاسلوبيه في مستواها الصوتي ففي المقطع الاتي يكرر الاثري حرف الجر في الذي يدل على الظرفية حقيقة او مجازا وعلى السبيبة والمصاحبة والاستعلاء كما يقول النحاة، خمسة وعشرين مرة ليحقق من وراء هذا التكرار تعادلا ايقاعيا ومعنويا في ان واحد فتاتي الصورة الشعرية عندة ذات حس يوكد جماليتها:
يارب ادرك خافقي وقد التظي
                بالحب ان يفني من الاحراق
انا منك من نفحات لطفك فارعني
       في حبي الطاغي وفي استغراقي
ويلح عليه حرف الجر اللام في قصيدة (ساغني ..واغني) فيكررة خمس مرات مؤكدا في هذا التكرار مدى ارتباطه الوثيق وشدة تعلقه بالضياء / النور، بالحسن / الجمال، بالنسيم / الطبيعة، بالوادي /مكان، بالحرية / رمز النعتاق. وكلها رموز ايحائية – وجدانية
ويبدو ان الاثري معجب ايما اعجاب بتكرار (الحرف) والاداة محاولا خلق علاقات ايحائية في التركيب للغوي الذي عبرت عنه لغته الشعرية في كثير من قصائد ديوانه.
يجمع الاثري في بعض صور الشعرية بين التكرار والايقاع الداخلي كما يظهر ذلك في المقطع الاتي من قصيدته (خاتم رسل الله)  حيث يكرر في البيتين الاخرين لفظه خلق ست مرات بدلالات مختلفة محاولا تجسيد صورته مستعملا افعل التفضيل في صيغتين ايقاعيين موفقتين (يا اوحد  الخلق ..واشرف الخلق) في ابيت الاخير علما ان الايقاع الداخلي الثاني قد اكسب المقطع كله رنة موسقية ومعنوية حعلت الصورة تتحرك بحماس وانفعال شديدين  ورادة الحق من تشريعك اقتبسوا
          سنا الهدى وجلال العد والسلم
والحب واشجه والنصف اصرة
     والعطف وصل انقطاع وامتزاج دم
تفرق الخلق ارحاما ومنتسبا
              فجئت تجمعهم بالخلق والذمم
يااوحد الخلق في خلق
      واشرف الخلق من ماضين او قدم
    وقد يكرر الاثري جمله بعينها محاولا التركيز على معنى الصورة المقصود كتكرارة (ماسلونا) مرتين متصدرتين في البيتين الاتين مع ماتحملان من ايقاع منسجم مع معناها
 ماسلونا.. سلو القوب الحواني   
 كم نعاجي في حبها ونعاني
ماسلونا ولاجفونا.. ولكن         
  فوق حكم الانسان حكم الزمان
تتفرد بعض الصور الشعرية عند الاثري بايقاع داخلي بارع قائم على تعاقب الايقاع بمعان مختلفه تقرب الدلالة كقوله:
سلب الطغاة ديارهم واستاسدوا           وبغى اللئام جلاءهم وتوعدوا
وقل مثل ذلك في ثنائيته الايقاعيه الداخليه بين
( طف).. و(تمل) .. و (املا العين)... .و( تملا النفس)...
 و(القت روعه)... و (فاقت ...جمالا)
طف بهذا الوجود لحظا ونفسا    
  وتمل الجمال معنى وحسا
انت بالنفس لابجسمك تحيا 
فاسقها من بهائه تحي نفسا
وتتألق الصورة الايقاعية روعة ربها في صيغه فنية محكمة ففي هذا المقطع المموسق باجزائه المنسوجة نسجا سجعيا:
(البدر)،(الزهر)،(الفجر)،(الطير)،(لاح)، (فاح)،(ساح)،(ناح)،(وضيا)،(ذكيا)،(نقيا)،(بهيا)،(شجيا)، والكف في (منك)،(صفاك)،(وجنتيك) حين يقول:
البدر لاخ وضيا            يفض منك سناه
والزهر فاح ذكيا           ينث منك شذاه
والقطر ساح نقيا          يرةي صفاك كفتاه
مجلة الاقلام / نيسان 1981
 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية