العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :41
من الضيوف : 41
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33234203
عدد الزيارات اليوم : 20401
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


نص نادر لمصطفى جواد عن بحر النجف..عندما كانت سفن الهند والصين ترسو في النجف

د. مصطفى جواد
قيل انّ النجف  كان قريباً من البحر وذكر ابن الدبيثي في تاريخه انّ عبد الجبار بن معية  العلويّ قال: "خرج قوم من أهل الكوفة يطلبون الأحجار الغروية يجمعونها  لأيام الزيارات والمعيشة بها، وبالكوفة من يعمل ذلك إلى اليوم وأبعدوا في  الطلب إلى النجف وساروا فيه حتى خافوا التيه فوجدوا ساجة كأنها سكان مركب  عتيقة وإذا عليها كتابة، فجاؤوا بها إلى الكوفة، فقرأناها فإذا عليها  مكتوب:


 سبحان مجري القوارب، وخالق الكواكب، المبتلي بالشدّة امتحاناً، والمجازي بالاحسان إحساناً، ركبت في البحر في طلب الغنى ففاتني الغنى وكسر بي، فأفلتّ على هذه الساجة، وقاسيت أهوال البحر وأمواجه، ومكثت عليها سبعة أيام ثم ضعفت عن مسكها فكتبت قصتي بمدية كانت معي في خريطتي فرحم الله عبداً وقعت هذه الساجة إليه فبكى لي، وامتنع عن مثل حالي".
وعلى ذكر قرب النجف من البحر ودعوى صحة قصة الفريق المذكور ينبغي توجيه ذلك أو نفيه، فكيف كان البحر يبلغ النجف، أو يتّصل بأرضه المطمئنة وفي أخبار الحيرة في صدر الإسلام ما يؤيد وجود البحر هناك، فقد ذكر الشريف المرتضى التحاور بين خالد بن الوليد وعبد المسيح بن بقيلة الغساني، قال له خالد فيما قال: "كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟
 قال: أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع مكتلها على رأسها لا تزوّد إلاّ رغيفاً حتى تأتي الشام ثمّ قد أصبحت خراباً يباباً وذلك دأب الله في العباد والبلاد.
قال ابن واضح في كتابه البلدان في الكلام على الكوفة: "والحيرة منها على ثلاثة أميال، والحيرة على النجف والنجف كان ساحل بحر الملح وكان في قديم الدهر يبلغ الحيرة وهي منازل آل بقيلة وغيرهم.
واُريد بالبحر أحياناً الفرات نفسه، جاء في لسان العرب في مادة ب ح ر وقال عدي بن زيد:

وتذكر رب الخورنق إذا أشـ
ـرف يوماً وللهوى تذكير
سره ماله وكثرة ما يمـ
لك والبحر معرضاً والسدير

أراد بالبحر هاهنا الفرات لأنّ رب الخورنق كان يشرف على الفرات".
وقال ياقوت في كلامه على الحيرة: "زعموا انّ بحر فارس كان يتّصل بالنجف".
وقال المسعودي: "وقد كان الفرات لأكثر من مائة ينتهي إلى بلاد الحيرة ونهرها بيِّن إلى هذا الوقت فيصب في البحر الحبشي في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت، وكانت تتقدّم هناك سفن الصين والهند ترد إلى ملوك الحيرة، وقد ذكر ما قلنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني حين خاطب خالد بن الوليد في أيام أبي بكر بن أبي قحافة (رضي الله عنه) حين قال له: ما تذكر؟ قال:
أذكر سفن الصين وراء هذه الحصون، فلما انقطع الماء عن ذلك الموضع انتقل البحر براً فصار من البحر في هذا الوقت على مسيرة أيام كثيرة ومن رأى النجف وأشرف عليه تبيّن له ما وصفنا".وسيأتي قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
 حُفَّت ببر وبحر من جوانبها
فالبرُّ في طرف والبحر في طرف
ولكننا لا نعد ذلك تصديقاً لوجود بحر حقيقي، وإنما نفهم انّ الفرات كان يسيح ماؤه في تلك البطاح ويرفده الخندق الذي شقه سابور ذو الأكتاف (310-380م) في غربي الفرات بين أعالي العراق الغربية وأسافله، وترفده كذلك الأودية التي تأتي من النجاد الغربية من صحراء السماوة القديمة من شمالي جزيرة العرب، فتكون بطائح واسعة ترى كأنها البحر وكان من بقاياها "بحر الشنافية" و "بحر النجف" المعروف الاسم حتى اليوم، ولا يبعد
أما منبع بحر النجف فهو منخفض واقع على الفرات من الجنوب الشرقي من الحيرة عرف في عصورنا الأخيرة باسم "القرنة" وهو غير "القرنة" الواقعة على ملتقى دجلة والفرات، ومنخفض آخر لا يبعد كثيراً عن "القرنة" يعرف "بالمدلك" وبين هذين المنخفضين منخفض آخر سمى بالفتحة: وقد وجدت الفيضانات العالية في هذه المنخفضات المتقاربة ما يساعد على اندفاع المياه وانحدارها من الفرات إلى المنخفضات الواسعة من الأراضي المتّصلة بالحيرة والنجف وتكون بسبب ذلك ـ بحر النجف ـ وقد تغيّر بسبب ذلك مجرى نهر الفرات عدة مرّات، ويتّضح من تتبّع التاريخ انّ محاولات متعدّدة لسدّ هذه المنابع وقطع الصلة بين الفرات وبحر النجف قد حدثت بقصد استصلاح الأراضي الزراعية وتنظيم طرق المواصلات النهرية فكان هذا البحر يجفّ زمناً ثمّ يعود مرّة اُخرى حين تكون مناسيب مياه الفيضان قد تجاوزت الحدود المألوفة بحيث تهدم السدود الترابية وتقلعها من أساسها.
وكانت في مثل هذه الحالة، تقوم السفن بنقل المؤون والبضائع التجارية، والزوار والمسافرين والقادمين من البصرة مارة بالسماوة والشنافية وسالكة طريق هذه المنخفضات، وراسية في النجف بالقرب من بستان السيد صقر المعروف بالجريوية اليوم الواقع على بعد كيلومترين من جنوب سور مدينة النجف . وقد وصف المستر بارلو هذا القسم من نهر الفرات كما شاهده في سنة 1889م 1306هـ فقال: انّ النهر المسمى نهر الهندية يجري في الجهة اليمنى من الفرات وهو يحمل نصف مياه الفرات فيترك مدينة كربلاء على جهته الغربية، واطلال بابل في الجهة الشرقية، ثمّ يصل إلى مدينة النجف فيصبّ هناك في بحيرة تسمى "بحر النجف" يبلغ طولها 60 ميلا وعرضها 30 ميلا .
والمياه بعد أن تتجمّع في بحر النجف تتغلّب عليها المواد المعدنية وتغدو مياهها كمياه البحر مالحة وغير صالحة للافادة منها ولكن هذا البحر كان خير طريق للمواصلات بين النجف وسائر الجهات العراقية، بل وحتى بين النجف وخارج العراق، فقد ذكر المستر بارلو انّ أكثر الزائرين الذين يقدمون من الهند لزيارة الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف كانوا يسلكون طريق الفرات "فالعطشان" فشط "الشنافية" وانّ سفناً كبيرة ذات حمولة خمسين طناً تمرّ من هذا الطريق النهري الذي ينتهي بالنجف .
ومن المحاولات الأخيرة التي جرت في سدّ تلك الفتحات النهرية التي تتسرب منها مياه الفرات إلى بحر النجف محاولة وقعت سنة 1305هـ - 1887م وقد تمّ بها إحكام السدود وانقطاع المياه عن بحر النجف، وتحوّلت من هناك مراسي السفن إلى "الكوفة" التي اُطلق عليها اسم "شريعة الكوفة" لهذا السبب . ولم تمرّ بضع سنوات حتى تدفّقت المياه مرّة اُخرى من جانب "القرنة" وكانت أراضي البحر الجاف هذا قد استصلحت وزرعت، وأنتجت عدداً كبيراً من النخيل والأثمار وسدّت حاجة النجف من الخضر، فغمرها البحر وقضى على جانب كبير من مزروعاتها الأمر الذي دعا إلى مضاعفة الجهود لإحكام هذه السدود في تلك المواضع من نهر الفرات، ومنذ أكثر من أربعين سنة وبحر النجف يجفّ نهائياً بسبب تقدّم الفنّ الهندسي ومعالجة السدود معالجة فني.
عن: بحث ( النجف قديما) في موسوعة العتبات المقدسة ، قسم النجف .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية