العدد(78) الثلاثاء 2020/ 21/01 (انتفاضة تشرين 2019)       بلاسخارت تهاجم قادة الكتل: خطوات جوفاء وانتهاك مستمر لحقوق الإنسان       باحثة عراقية تطالب مجلس الأمن الدولي "بالتدخل لفتح تحقيق عن نوعية الأسلحة المستخدمة ضد المتظاهرين"       صولة جديدة لـ"مهشمة الرؤوس"..محمد القاسم "يلتهم" المتظاهرين: قتلى وجرحى بالعشرات برصاص قوات الأمن       حكاية شهيد..أحمد المهنا وحكاية صاحب الوجه الملائكي البشوش       مسرح الثورة فضاء إبداعي لشباب الاحتجاجات       للناصرية       "سنُنفي أوغادَ السُلطَة خارجَ الأوطان".. هكذا تَردُّ بلقيس الثائرَةُ في التحرير على نزار       بالمكشوف       اتجهوا نحو "الدولي"..بعد قرار المحافظ.. متظاهرو بابل يغيرون خطط التصعيد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :66
من الضيوف : 66
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30067321
عدد الزيارات اليوم : 15823
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غائب طعمة فرمان قارئا للينين

تصادف هذا العام الذكرى 150  لميلاد  فلاديمير لينين، قائد ثورة أكتوبر الاشتراكية التي حددت مسار القرن  العشرين، ومنذ اثنين وعشرين عاما ونيف أمسى تراب موسكو يضم جدث غائب طعمة  فرمان. بهاتين المناسبتين نعيد نشر شهادة غائب التي نشرتها جريدة "الفكر  الجديد" بعددها الخاص في الذكرى الستينية لثورة أكتوبر، الصادر في الخامس  من تشرين الثاني 1977.


لم تؤثر ثورة في الفكر العربي بذلك العمق الذي أثرت فيه ثورة أكتوبر. ولم يؤثر مفكر بمفرده، وأكرر بمفرده، في الفكر العربي الحديث مثلما أثر زعيم هذه الثورة، صحيح ان الفكر العربي الحديث وجد في ثقافته العربية الأصيلة منابع طيبة لأفكار التقدم والحرية والاخاء والتفكير المادي، وصحيح أيضا أن ثالوث الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة قد ترك تأثيره على عقول المفكرين والمثقفين العرب، إلا ان ما من مفكر أعطى لتلك المفاهيم الإنسانية النبيلة، وأنبت لها تلك الجذور الراسخة القوية في عقول الناس، مثلما أعطاه لينين، ورسخه، وقدم له أمثلته الحية، النابضة، المرتبطة بالواقع الإنساني ارتباطا عضويا حياتيا، حتى غدت تلك المدلولات والمفاهيم الإنسانية من الشيوع والتداول، ومن النفاذ والتغلغل فـي عقول الناس، ومن اللصوق بحياتهم ومصائرهم، بحيث صارت زادهم الفكري، اليومي في أحايين كثيرة، والذي بدونه تفقد الحياة الإنسانية الكثير من بهجتها، وديناميكيتها، وفورانها، وتأججها، واستمرارها على تخطي العقبات.
حقا ان أفكار لينين ماركسية، وان ماركس هو المصدر الأساسي للأفكار اللينينية، ولكن أفكار ماركس لم تفهم على هذا النطاق الواسع، الجماهيري بمعناه الفعلي، إلا من خلال أفكار لينين. فما من مفكر في العالم قدم للماركسية الخدمة المثلى، مستلهما روح عصره، مثلما قدم لينين. لقد جعل لينين مقولات ماركس السامية، الرفيعة في عمق تفكيرها، ميسرة لأوسع الجماهير، لأنه ألبسها الثوب الواقعي، وربطها بالتاريخ المعاش، وجعل لها شواهد من حياة الناس، وأدلة من ممارستهم العملية... لقد أدخله في نسج حياتهم.
لقد تحدث ماركس، على سبيل المثال، عن تقرير المصير، وعن الاستعمار، وعن الاستغلال، ولكن شعوب الشرق - ونحن منها- وجدت في كتابات لينين الأمثلة الحية لهذه المفاهيم. وفهمت معنى تقرير المصير، والاستعمار، والإقطاع من خلال طرح لينين الواقعي لقضايا حياتية مصيرية تمس تاريخها، ووجدانها، من خلال المعايشة الفعلية لهذه القضايا.
كان لينين المعبر الأصدق عن الحقبة التاريخية التي ولد فيها. وقد فهم واستوعب تلك الحقبة التاريخية، وجسدها بالأمثلة الملموسة، وأشار إلى الطرق الواقعية الممكنة لتحقيق مثل رائع كتقرير المصير، وأشار بالبنان إلى المظاهر الفعلية للاستعمار وانعكاسها على حياة الشعوب. والعمليات الجارية في عالم يسير في طريق الانحلال والتحطم، وفي عالم ينهض في دور التفتح والنمو. وأعود وأكرر، وأرجو ألا يضجر القارئ، إننا نحن شعوب الشرق نفهم معنى تقرير المصير الذي جاء به ماركس، ومعنى الاستعمار الذي تحدث عنه أنجلس، وأعطى له مثلا بشعا في شخص الاستعمار البريطاني في الهند، ومعنى الإقطاع، ومعان أخرى كثيرة، ولكن لينين جسد بالصور الملموسة ما معنى تقرير المصير الذي يجب أن تأخذ به أمم كان مصيرها مجهولا مثل أمتنا العربية المجزأة، وما معنى الاستعمار في صورته المعاصرة وأشكاله، وطرق النضال ضده، والانتصار عليه.
لقد كان لينين الدليل العملي إلى منابع الأفكار الماركسية. وكما قيل، لقد حرر لينين الكثير من أفكار ماركس من صيغتها الغامضة، التي يحلو لبعض الماركسيين تأويلها بالشكل الذي يحلو لهم، وفق الصفقة الفكرية التي يتعاملون معها.
وأنا: كمتتبع لتطور الثقافة، معجب جدا بتاريخ لينين الذي هو تاريخ للنضال ضد كل تجميد للأفكار الماركسية، وضد قولبتها بصيغ جامدة غامضة غير عملية. اللينينية كلها قد ظهرت من خلال المعارك الصارمة والحدية والباسلة ضد مشوهي الماركسية. لينين لا يفهم على أنه شارح الماركسية فقط، بل على أنه الذائد ضد المفهومات التي تعجز الماركسية عن استيعابها. وأنا مجنون إلى حد الهوس بمعارك لينين الفكرية، تلك المعارك التي استخدم فيها كل قابلياته حتى الهجاء اللاذع المرير. معارك لينين مع مفكري عصره وحدها شاهد هائل على عبقريته ومرونته الصلبة، الهجاء اللينيني هو ألطف وأشرس وأصدق هجاء مقاتل فكري. لن تستطيع أن تفهم اللينينية دون أن تخوض في المعارك التي دخل فيها، والبسالة التي أبداها والمنهج الذي تبنته اللينينية عبر المعارك الفكرية. وتلك عبرة فائقة لنا، نحن المثقفين. الحياة لا تؤخذ مثل صحن مملوء كامل، بل تؤخذ جرعة، جرعة، وعبر معارك باسلة مثل تلك التي خاضها لينين، عبر الصلابة والليونة في وقت واحد، وفي إدراك قائد معركة حكيم وباسل. وقراءة لينين تجعلني أحس بوهج الحياة، بالقدرة على المقارعة، بالبساطة وسيادة الكون، وامتلاك قانون الحقيقة. ولن تستطيع أن تفهم لينين دون معاركه الفكرية، لأن اللينينية منبثة في هذه المعارك.
تاريخ لينين هو تاريخ النضال ضد كل تجميد للأفكار الماركسية، وضد قولبتها بصيغ جامدة. إن اللينينية قد ظهرت من خلال المعارك الباسلة ضد مشوهي الماركسية، وضد الذين حاولوا إبعادها عن الممارسة، عن الحياة اليومية. لم تكن لـ "فلاديمير إيليتش لينين" أفكار جاهزة، بل أفكاره الملموسة ولدت عبر النضال ضد الأفكار المضادة، بعد أن يمررها عبر محك الواقع العملي، ويعارضها بالوقائع. ومن الصعب على القارئ أن يفهم لينين دون أن يلم بالتيارات التي كانت موجودة في عصره، وبالأشخاص والمفكرين الذين اشتبك معهم في معارك.
لقد كان لينين ابن الأرض الذي ولد فيها، وابن الإنسانية التي استوعب تطلعاتها. وأنا لا أعرف مفكرا، مثل لينين، عرف بوضوح وصدق معنيين قد يبدوان، في الوهلة الأولى، متناقضين: القومية والأممية. لقد كان لينين روسيا فخورا بروسيته، بل معتزا بها على النحو الذي أشار إليه مكسيم غوركي في ذكرياته عن لينين: "كثيرا ما لاحظت فيه صفة الفخر بروسيا، وبالروس، وبالفن الروسي. وفي بعض الأحيان كانت هذه الصفة تبدو لي غريبة في لينين بشكل عجيب، بل و ساذجة، إلا أنني تعلمت فيما بعد أن أسمع فيها صدى الحب الخفي، والفرح نحو الشعب العامل".
وكان لينين يتأسف لأن الظروف أجبرته على الابتعاد عن وطنه: "أنا أعرف القليل عن روسيا" بينما يعتز بوطنه الحبيب، ويشغف بكل ما هو روسي، أصيل، متفتح. ومع ذلك.. فما من أحد شنّ حربا ضد الشوفينية مثلما شنها لينين، ولم يفهم أحد معنى الأممية مثلما فهمها لينين. والفترة القصيرة التي عاشها بعد انتصار الثورة الاشتراكية حافلة بالأمثلة على الروح الأممية المتوقدة، بل أن لينين ربط مصير الثورة الروسية ربطا محكما بتضامن الأمم، واعتمد كثيرا على الثورات الأخرى. لم يفهم الثورة الروسية على أنها حركة داخلية، بل اعتبرها حركة بشرية مرتبطة بمصائر البشر في كل مكان.
وأنا، كرجل يحاول الاهتمام بالثقافة، تسحرني جوانب كثيرة من لينين، وأدلها وأقربها إلى نفسي تلك العملية التي استشهد بها لينين، العملية التي لا تنتهي إلا بانتهاء حياة الإنسان.."تعلموا، تعلموا، ثم تعلموا"، تلك كانت نصيحته للشباب وللشيوخ على حد سواء.... وهي المدخل إلى فكره المتفتح دائما على العالم الواسع الذي لا بد أن تبزغ فيه الشمس كل يوم على شيء جديد. إنها دعوة إلى التجدد والى الربط بالواقع البشري، والى النمو، وتجديد العمر، والى الاستيعاب الذي لا ينضب لكل ما في العالم.
لقد علمنا لينين كيف نرتبط بالحياة ذاك الارتباط العضوي الذي بدونه تصبح حياتنا رخيصة أو بلا قيمة. لينين إبن الحياة والمساهم الأعظم في تبديلها، وفارض كلمته عليها بسبب من معرفته العميقة بقوانينها، بدستورها الثابت... السير نحو الأصلح، نحو التقدم، نحو الازدهار.
وما أكثر ما يستفيد الأدباء والمثقفون من لينين، في أفكاره، في نمط حياته، في المعارك الباسلة التي خاضها، في علاقاته الجمة الوفيرة مع شخصيات عصره، والتيارات الحافلة به، في حبه لوطنه وشعبه والإنسانية، في صلابته الفذة، في حكمته في تكوين دولة، وإلهاب شعب، وكسر أطواق شيطانية. في ازدهار الأمل في قلبه حتى في أحلك الظروف، حتى استطاع أن يترك بصمات أصابعه على عصر كامل.



المشاركة السابقة


     القائمة البريدية