العدد(78) الثلاثاء 2020/ 21/01 (انتفاضة تشرين 2019)       بلاسخارت تهاجم قادة الكتل: خطوات جوفاء وانتهاك مستمر لحقوق الإنسان       باحثة عراقية تطالب مجلس الأمن الدولي "بالتدخل لفتح تحقيق عن نوعية الأسلحة المستخدمة ضد المتظاهرين"       صولة جديدة لـ"مهشمة الرؤوس"..محمد القاسم "يلتهم" المتظاهرين: قتلى وجرحى بالعشرات برصاص قوات الأمن       حكاية شهيد..أحمد المهنا وحكاية صاحب الوجه الملائكي البشوش       مسرح الثورة فضاء إبداعي لشباب الاحتجاجات       للناصرية       "سنُنفي أوغادَ السُلطَة خارجَ الأوطان".. هكذا تَردُّ بلقيس الثائرَةُ في التحرير على نزار       بالمكشوف       اتجهوا نحو "الدولي"..بعد قرار المحافظ.. متظاهرو بابل يغيرون خطط التصعيد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :46
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30067950
عدد الزيارات اليوم : 16452
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


اشتباك في شارع الرشيد

 زهير الجزائري
في الطريق الى سوق الكتب في (شارع المتنبي) جذبني الاشتباك قي (شارع الرشيد). قبله رأيت العجب:
أمامي  تماماً مدرعة خاصة بـ (مكافحة الشغب) تتحرك ببطء بسبب الزحام. لايبدو قائد  المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الإشتباك. مهمة  ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً بعمر أولاده. سيصعب عليه حين ينفذها أن  ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.


من بين جدران المدرعة وقف عسكريان مقنعان ورشاشاتهم في حالة تأهب قصوى موجهة نحو الناس على الجانبين. في طريقة العرض يقلدون مدربيهم الأميركيين:الحبة في بيت النار والعين على الفرضة والشعيرة. الغريب في المشهد أن أربعة من المتظاهرين لفَوا الأعلام العراقية حولهم وتعلَقوا بالمدرعة. لابد أنهم سألوا الشرطة عن اتجاههم ووافق الشرطة على أن يأخذونهم الى الموقع حيث سيشتبك الآثنان. أمام المدرعة تماماً سيارة بيكب تكدس في حوضها صبيان يرقصون لمشاكسة ومداعبة الشرطة الذين سيطلقون النار عليهم بعد قليل. خارج ساحة المعركة وعلى مسافة دقائق يبدو الأمر كما لو إنه مباراة ودية. عند الحواجز سينقسمون الى قاتل وقتيل.
توقفت على مسافة أمتار من الحواجز الكونكريتية التي تسد الطريق الى (البنك المركزي). هل أذهب للكتب في (شارع المتنبي) أم أراقب المشاهد وهي تغنيني عن الكتب؟ أراقب أجساد الشبان وقد تقوست أستعدادا للفقز. لماذا يصرون على اقتحام الموقع مع إنه بعيد عن الجسر؟ لاأصدق أن الهدف هو المال وحده، أن ينهبوا البنك. طبيعتي تقول لي الناس طيبون بالفطرة.لا يمكن لهذه التضحيات أن تكون من أجل المال وحده. الاعتصام دائماً هو الخطوة التي تسبق احتلال المجال العام. والمجال العام يتجه نحو الجسور. الجسور توحد الغضب على جانبي النهر. والجسور هي القوس النموذجي لمعركة حيث لامكان للاحتماء . ما من مكان للسلامة سوى الإندفاع قاتلاً أو قتيلاً.المتظاهرون الشبان ملًوا من البقاء ساكنين في الخيام فخرجوا للاستيلاء على الفضاء الأوسع. حشد من الأفعال الصغيرة يقوم بها شبان مجهولون. من مجموعها سيصنع التاريخ الذي سيتجاهل تفاصيل الأحداث وجنوده. ستختصر الشهادات ببضع كلمات باردة (الأضطراب عم البلد…) وتدفن هذه المشاهد الباهرة تحت قبور من الكلمات.
مع الاشتباك تغيرت الحياة المسترسلة في ساحة الرصافي. انكسرت دائرة باعة الخضار. انزاحوا إلى الجانبين بعيداً عن قنابل الغاز التي تريد أن تبعد المتظاهرين عن الحواجز. شابان غادرا مكان احتمائهم وراء أعمدة الشارع وخرجا الى العراء ليلتقطا القنبلة ويطفئوها في قدر طعام. صبي اختبأ خلف الساتر الكونكريتي، أرى نصف وجهه المتأهب، بانتظار توقف الرصاص ليتسلق الحاجز أو يسقطه. حفنة من شبان وصلوا وهم يركضون بمرح عجيب.أراقب المشهد وقد مددت ساقاً متوترة  لأعبر للجهة الأخرى. أردت أن أقلد خفة الصبية وقفزاتهم ثم ترددت وقد أدركت أن المشهد لا يليق بشيخ مثلي. سألني الصبي قبل أن يقفز:
ـ هل تريد مساعدة يا حاج؟
أنا عالق بين عمود الإسمنت وبين الرصاصة المحتملة. خوفي يعلمني تلقائية الفعل القادم. الحركات تتقاطع. هناك صبي خلف العمود قفز لجهتنا. لم يفكر طويلاً إنما فعلها تلقائياً. قلص جسده وغار الرأس بين الكتفين وسار لولبيّاً ليتيه القناص.. من أين تعلم هذه الحركات؟ من المشاركة ـ أقول لنفسي. من خلال فعل الناس القريبين والتحاور معهم بالأفعال. أسمع آخر، لابد أنه أكبر عمراً، يصرخ
 من وراء العمود: 
ديروا بالكم هذا رصاص حي !
أترك القتلى لأبحث عن القاتل. هل ارتجفت يده؟ لابد أنه لعن المهنة وأطلق الرصاصة؟ في البداية كان تصور القاتل كما رأه أحد فناني الفيس بوك شبحياً مقنعاً يختفي وراء عسكري رسمي، هو من سماه عادل عبد المهدي (طرف ثالث)، لكن بعد سلسلة المجازر وختامها في الناصرية، توضح وجه القاتل، وهو السلطة. السلطة متأزمة ليس لديها الوقت للدخول في التفاصيل التي ستلي. تعطي الآوامر بدون أن ترى التنفيذ. لا الجثث  ولا الدم ، ولديها تبربرها الجاهز: ”الوطن أهم من الدم”! يبدو كلام مرتضى لينا إزاء شباب الحواجز الذين يرونها”سلطة عدوة رهينة عدو خارجي“. ولذلك يبدو المولوتوف مجرد بداية. ٧١٪ من المتظاهرين حسب استطلاع رأي أجرته إحدى منظمات المجتمع المدني يريدون (تغيير النظام بكامله بدلاً من إصلاحه). ٣٪ فقط يريدن ذلك بالمواجهة العنيفة والباقي بوسائل سلمية. لكن هذه النسب تغيرت بالتأكيد بعد مجازر الناصرية والنجف٥٩ قتيلاً ومئات الجرحى.
ليس كل عسكري رسمي عدو كما تكشف ساحة المعركة. فحتى قريباً من حواجز المواجهة يتجول شرطة وجنود دونما أسلحة، يتجولون دون تدخل أو ردع ويأكلون نفس الوجبات المجانية للمعتصمين. واحد منهم ساعدني في شد قناع الغاز على أنفي وفمي وأخر حذرني من الغاز الأخضر المخلوط بالفلفل. ٧٥٪ من مجموع القوات المسلحة كما أخبرني عسكري في موقع حساس ”لن يطلقوا الرصاص على أولادهم“. لكن سلطات الإسلام السياسي جهزت جيوشاً خارج سلطات الدولة لاختطاف واغتيال الناشطين في الشوارع الفرعية بين لبيوت وساحات الاعتصام.ستتدخل هذه الجيوش في اللحظات الحاسمة.
لآول مرة سمعت عبارة “فتايلكم، إشعلوا الفتايل!”! وحين قفزا ومالا الى الخلف عرفت إنهم سيقذفون المولوتوف الى ما وراء الحاجز. عجزت الحكومة عن محاورة الشباب فذهبت (عادل عبد المهدي وبرهم صالح) لشيوخ العشائر علهم يردعون أولادهم. الشبان وجدوا عشائر جديدة في ساحات الاعتصام والمواجهة، تجاهلوا قرابة الدم، ووجدوا رفقة مع شبان بعمرهم يشاركونهم الطعام والنوم في عري الساحة ويشاركونهم الهدف والمصير. كل عشيرة منقسمة:نصف الأولاد في القوى الأمنية ونصفهم الآخر مع المتظاهرين . حين عجز شيوخ العشائر عن إقناع أولادهم ذهبوا توسلوا السيد السيستاني بالتدخل لاقناع أولادهم العصاة بالهدوء. مجرد مماطلة في الوقت كما يصفها المتظاهر منتظر من مواليد2004. ”كيف يمكن الحوار مع حكومة “تكفخنا كفخ وتقتلنا كل يوم؟.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية