العدد(78) الثلاثاء 2020/ 21/01 (انتفاضة تشرين 2019)       بلاسخارت تهاجم قادة الكتل: خطوات جوفاء وانتهاك مستمر لحقوق الإنسان       باحثة عراقية تطالب مجلس الأمن الدولي "بالتدخل لفتح تحقيق عن نوعية الأسلحة المستخدمة ضد المتظاهرين"       صولة جديدة لـ"مهشمة الرؤوس"..محمد القاسم "يلتهم" المتظاهرين: قتلى وجرحى بالعشرات برصاص قوات الأمن       حكاية شهيد..أحمد المهنا وحكاية صاحب الوجه الملائكي البشوش       مسرح الثورة فضاء إبداعي لشباب الاحتجاجات       للناصرية       "سنُنفي أوغادَ السُلطَة خارجَ الأوطان".. هكذا تَردُّ بلقيس الثائرَةُ في التحرير على نزار       بالمكشوف       اتجهوا نحو "الدولي"..بعد قرار المحافظ.. متظاهرو بابل يغيرون خطط التصعيد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30068807
عدد الزيارات اليوم : 17309
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


عباس.. ابن تشرين

 نهى الصراف
عباس؛ مسؤول  نقل المؤن في مديرية الدعم اللوجستي لمتظاهري مبنى المطعم التركي.. هكذا  يصفه مواطن صحافي بين الجد والهزل، بينما يحاول الحصول على إجابات لأسئلته  من فم الطفل العراقي، حافي القدمين الذي يضع كمامة على وجهه ويفرك عينيه من  أثر النعاس أو من بقايا الدخانيات المسيلة للدموع، التي تستخدم لتفريق  المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد.


عرفت أن عباس في الحادية عشرة من عمره أو أكثر بقليل، جسده الهزيل وهو ينقل نظراته خجلاً أو حيرة بين الكاميرا وعدته، من خلال صمته وهو يصادق على كلام الرجل الشاب الذي كان يصوره في مقطع فيديو وهو يرابط بالقرب من عمارة المطعم التركي الذي يسميه شباب الاحتجاج “جبل أحد”؛ المطعم التركي مبنى شبه مهجور يقع قرب ساحة التحرير اكتسب رمزية كبيرة من خلال إشرافه على الساحة الأكبر التي يعتصم فيها متظاهرو بغداد منذ أيام.
يضع الصغير قناني الماء والبيبسي وقناني الخميرة (المستخدمة لغسل الوجه والتخلص من آثار الغازات) والمستلزمات الطبية والأطعمة التي ينقلها الأهالي من المتبرعين إلى الساحة، لينقلها متطوعون ومنهم عباس، في دلو كبير مربوط بحبل يتم سحبه بوساطة الشبان المرابطين في الطوابق المتعددة للمبنى، وهو يقوم بهذه المهمة مع رفاقه من دون كلل أو تردد منذ أيام، يبيت في المكان ويصحو باكراً لمواصلة عمله في الدعم اللوجستي بعيداً عن منزل أسرته.
عباس الصغير خرج ورفاقه من رحم شهر تشرين الاول الماضي، أيقونة للحراك الشعبي الذي يقوده شباب تتراوح أعمار أغلبهم بين 15 إلى 25 عاماً.
لغة أبناء تشرين ستواصل طرقها بالمسامير الساخنة على جدارية وطن مفطور بالحروب وممهور بصور سرّاق قوت الشعب، طرقات ستبقى شاخصة في ضمير العالم الغافي على خريفه
ولأن مزاج تظاهرات العراق ساخر بامتياز، فإنها وجدت متنفساً كبيراً لها عبر لافتات وشعارات مكتوبة بلغة بسيطة ساحرة، تحاول جاهدة الخروج من مأزق الحزن الذي يخيّم على المكان بين الحين والآخر لسقوط ضحايا بسبب الاختناق بالغازات أو نوع غير مسبوق من قنابل مسيلة للدموع، تخترق أجساد الشباب أو تصيبهم مباشرة في الرأس.
 يخرج خطاب المحتجين الأقوى والأكثر إثارة للإعجاب والدهشة في آن واحد، من دون أن يغرق في طابع سوداوي، كما هو الحال عندما يصدر عن الأشخاص الذين يتمكّن منهم الإحباط واليأس بعد معاناة طويلة. سخرية هؤلاء الشباب، مرحة طائشة ممهورة بروحهم النقية التي تبحث عن العبير في بقايا وردة ذابلة.. بسيطة وواقعية مثل أحلامهم الصغيرة وشعارهم “نريد وطن”، “ماكو وطن.. ماكو رجعة للبيت”، فتجيبهم الأمهات: “ماكو وطن ماكو طبخ”!
 لكن هناك تراجيديا سحرية، تسير بالتوازي مع لغة الخطاب؛ تراجيديا الفعل لصانعي هذه الاحتجاجات وروح الإنسان المقهورة فيهم، وهي تقارع مفاجآت الطريق وحسابات التاريخ.
جيل عباس، أبناء تشرين، سيقفون بوصفهم علامة تعجّب كبيرة في قلب التاريخ الذي باتوا يقيسون نبضه على مزاجهم ووقع أحلامهم ولغتهم البسيطة، وهي معرفة كتابة الأفكار ذاتها التي سبق فيها أجدادهم السومريون ممالك العالم القديمة ودوّنوا من خلالها تاريخ عكس أسلوب حياتهم ومعاملاتهم وآدابهم، بالنقش على ألواح طينية وحجرية أو باستخدام أنماط منحوتة بالخط المسماري الرمزي. لكنّ لغة أبناء تشرين ستواصل طرقها بالمسامير الساخنة على جدارية وطن مفطور بالحروب وممهور بصور سرّاق قوت الشعب، طرقات ستبقى شاخصة في ضمير العالم الغافي على خريفه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية