العدد (4546) الثلاثاء 2019/ 13/11 (انتفاضة تشرين 2019)       خروج أول مظاهرة عسكرية دعماً للمحتجين..هتاف في التحرير وقنابل غاز ضد المتظاهرين في الخلاني       مشاهد رئاسية عابثة الرئيس المقتدر ...!       غرد مثل خلف: فلافل مدمرة وبالونات سامة!       شقيق الناشطة يكشف التفاصيل الكاملة..ماري محمد تلتحق بصبا المهداوي في كهف الخاطفين       مثقفون: بحاجة لـمثقف يوجه الخطاب الجمعي نحو السلمية والمحبة والإصرار على التغيير       “المتطوعون” يهددون رهان الحكومة على عامل الوقت في فض تظاهرات ساحة التحرير       أصحاب «القمصان البيض» يسعفون المحتجين       البعد الثقافي للتظاهرات       يمثل إحدى أيقونات ساحة الحبوبي في الناصرية: رســام كـاريكاتـير أنجز 200 لـوحـة حـول المظـاهــرات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :48
من الضيوف : 48
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28530953
عدد الزيارات اليوم : 8099
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غرامشي والهيمنة الثقافية

سعد محمد رحيم
شهد النصف  الأول من القرن العشرين انتعاشاً لافتاً في حقل التنظير الاشتراكي  الماركسي. وظهر مفكرون تركوا أعظم الأثر في وعي أجيالهم. وكانت لهم أدوارهم  في النضال السياسي، إلى جانب إبداعهم الفكري والفلسفي. وما ميّز نتاج  بعضهم هو أنهم لم يركنوا إلى التفسيرات الدوغمائية الرسمية للماركسية


بل حاولوا أن يستكشفوا في مساحات بكر ويؤسسوا لمنظوراتهم وأجهزتهم المفاهيمية ويجتهدوا، لا في التفسير وحده، وإنما في النقد حتى ولو طال رموزاً وإيقونات كان المساس بها من المحرّمات. وهؤلاء طوّروا النظرية واقترحوا إستراتيجيات للتطبيق بما يتلاءم ومتغيرات العصر المادية والفكرية. وبهذا الصدد، لعل أنطونيو غرامشي  كان  أكثر أولئك المفكرين، في ضمن الحلقات السياسية الماركسية الفاعلة، أهمية في تلك الحقبة، وإثارة للجدل.
ولد غرامشي ( 1891 ـ 1937 ) في آليس في جزيرة سردينيا، ودرس الآداب بجامعة تورينو.. بدأ نشاطه السياسي مبكراً، وانضم إلى الحركات العمالية الاشتراكية، وتحديداً للحزب الاشتراكي الإيطالي. وشارك في الكفاح السياسي، وكتب مقالات عن مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الإيطالية، لاسيما عن ظروف الطبقة العاملة الإيطالية. أفصح منذ يفاعته عن موهبة في الإبداع الفكري والتنظيم السياسي والقيادة الحزبية والجماهيرية.. مجّد الثورة الروسية وعرّف بها وبقادتها. واسترعى انتباه لينين بتقريره الذي قدمه إلى المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الإيطالي بعنوان ( من أجل تجديد الحزب الاشتراكي ). وقد دعم لينين بقوة هذا التقرير في أثناء انعقاد المؤتمر الثاني للأممية الثالثة في موسكو صيف 1920.. انتقد غرامشي ممارسات وسياسات الحزب الاشتراكي حيث رأى فيه لا تجمعاً حضرياً بل حشدا قبليا، لا جسما متكاملا بل تجمع أشخاص. ولذا بادر إلى تأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي مع رفاقه الذين يشاركونه الهموم والاتجاه.. وقف ضد الفاشية الصاعدة، وأُعتقل بأمر من موسوليني، حيث قضى في السجن قرابة العشر سنوات، وهناك كتب أهم دراساته التي عُرفت بدفاتر السجن. وتوفي بعد فترة قصيرة جداً من إطلاق سراحه في العام 1937.
كان ماركسياً مخلصاً، لكنه رفض عبادة ماركس كمعصوم من الخطأ، فماركس من وجهة نظره، كما قال في العام 1918 "ليس مسيحاً خلّف وراءه سلسلة من الحكايات ذات المغزى الأخلاقي التي تحمل ملزمات صريحة وقواعد غير قابلة للتغيير على الإطلاق، خارجة عن مقولات الزمن والفضاء. إن الملزم الصريح والوحيد، والقاعدة الفريدة هي؛ يا عمّال العالم اتحدوا". وما عدا ذلك تفاصيل قابلة للاجتهاد والنقاش العلمي.
كتب غرامشي بألمعية وأصالة عن الحزب الثوري ووظيفته، وعن النقابة ودورها، وعن مجالس المصانع، وأكد على العمل الثوري المنظّم والواعي مندداً بالإصلاحيين.. وهو صاحب فلسفة البراكسس: "النشاط العملي والنقدي ـ الممارسة الإنسانية والمحسوسة ـ وغرامشي يؤكد استقلالية البراكسس إزاء الفلسفات الأخرى. إنها ممارسة ونظرية في آن معاً ولهذا فهي فلسفة سياسية".
ولغرامشي تقسيمه الخاص للنظرية الماركسية فهي تتكون، على وفق رؤيته، من الاقتصاد السياسي والعلم السياسي والفلسفة. وفي أثناء بحثه عن المبادئ الموحّدة في علاقات الإنسان بالمادة ( نتاج البراكسس السابق ) وجد أن "المبدأ الموحِّد من وجهة النظر الاقتصادية هو: القيمة. ومن وجهة النظر السياسية: الدولة. وأما من وجهة النظر الفلسفية فهو العلاقة بين إرادة الإنسان وبين الأوضاع والمواقف التي ينبغي له تجاوزها. وهذا المبدأ الأخير يؤلف بين وجهتي النظر السابقتين لأنه يتيح الانتقال من المستوى الاقتصادي إلى المستوى الخلقي والسياسي. إنه البراكسس". ووجد غرامشي التاريخ في عالم الأفكار، ليست الأفكار كتجريدات خيالية؛ "كان جوهر هذه الأفكار يكمن في الاقتصاد، وفي النشاط العملي، وفي أنظمة وعلاقات الإنتاج والتبادل. وهذا جعله يتقاطع مع القائلين بالحتمية الميكانيكية، ليعوِّل على الإرادة الإنسانية والعمل الإنساني، باعتبار التاريخ صناعة بشرية. "كانت الماركسية بالنسبة إليه فلسفة تطبيق عملي، واعتقاد بأنه يمكن إنجاز هدف تحرير البروليتاريا من خلال النشاط السياسي الطوعي للبروليتاريا نفسها، أو بالأحرى عن طريق الجدلية المستمرة التقدم بين البروليتاريا وطليعتها ذات الوعي الطبقي".
نظّر غرامشي للتحالف بين البروليتاريا والفلاحين، بين العمال الصناعيين والزراعيين. ومن يقوم بتوطيد مثل هذا التحالف هم الطليعة المثقفة. وفي أفق هذه النظرة لطبيعة وكيفية التحالف أسس غرامشي لمفهوم ( الكتلة التاريخية ) حيث يشكّل المثقفون "الاسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين كتلة تاريخية".
أكد على تثقيف البروليتاريا، ومن خلاله على دور الوعي والثقافة في التاريخ، حتى أن الثقافة يمكن أن يطوي المراحل ويسرّع حركة التاريخ.. يقول، وهو تحت تأثير انبهاره بالثورة الروسية البلشفية؛ "البروليتاريا الروسية المتعلمة اشتراكياً سوف تبدأ تاريخها من المرحلة القصوى للإنتاج التي وصلتها إنكلترا اليوم. وإنْ عليها أن تبدأ، فإنها ستبدأ إنطلاقاً مما تحقق حتى الآن في الأمكنة الأخرى. ومن هذا المستوى سوف تصل إلى النضج الاقتصادي الذي يعتبره ماركس شرطاً للجماعية. إن الثوريين سيخلقون بأنفسهم الشروط الضرورية للتحقيق الكامل والشامل لفكرتهم. وسيخلقون هذه الشروط بأسرع مما تفعل الرأسمالية".
عبّرت هذه الثقة المفرطة بالبروليتاريا الروسية عن روح الانفعال الثوري التي كانت سائدة وقتئذٍ، ولم تكن البيروقراطية قد تحكمت تماماً بمقاليد السلطة بعد. كان ذلك طوباوية سيتنبه للاواقعيتها لاحقاً.
استحدث غرامشي مفاهيم لم تكن مطروقة في حقل الفكر الماركسي، مثل مفهوم الهيمنة الثقافية التي تعني أن الطبقة البرجوازية تهيمن على المجتمع لا بامتلاكها وسائل الإنتاج وإدارتها والتحكم بمؤسسات الدولة وحسب، وإنما من طريق فرض تصوراتها وأفكارها على المجتمع أيضاً، إلى الحد الذي تستدرج معه الطبقة العاملة لتبني تلكم التصورات والأفكار، والتي تغدو كما لو أنها تصورات وأفكار المجتمع برمته. كما اجترح مصطلحي/ مفهومي ( المثقف التقليدي والمثقف العضوي ) والأول هو من ينفصل عن هموم المجتمع. أو هو من يعيد الترويج لأفكار قارّة، المرة تلو المرة، مثل المعلمين ورجال الدين. فيما الثاني هو من يرتبط عضوياً بطبقة اجتماعية، أو مؤسسة ويعبّر عن ماهيتها ومصالحها وآمالها، ويصوغ وعيها. وإذا كان أفراد المجتمع جميعاً مثقفين ( أي أن لهم أفكارهم وآراءهم ومنظومة قيمهم وتقاليدهم ) فإن قلة من هؤلاء يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع. وهؤلاء هم المفكرون والمبدعون في شتى مجالات العلوم والفنون والمعارف والآداب. ويستطيعون التأثير على الناس. وهذا ما قاد غرامشي إلى بلورة تصور جديد عن الحزب الثوري الذي يكون أعضاؤه مجموعة ناشطة من المثقفين العضويين المرتبطين بقوة بقضايا المجتمع، لاسيما البروليتاريا والفلاحين.
وميّز غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. فالمجتمع السياسي بنظره يضم الحكومة والقوات المسلحة والشرطة والمؤسسات التشريعية والقضائية، فيما المجتمع المدني يُمثَّل بالاقتصاد وأفراد المجتمع، ومؤسساته المستقلة عن الحكومة.
حافظت أفكار ومفاهيم كثيرة حقنها غرامشي في نسيج الفكر الماركسي على طراوتها وفاعليتها حتى بعد أكثر من سبعين سنة على وفاته، وما زالت مؤثرة ويجري تداولها والاستشهاد بها ومناقشتها، اليوم، في حقول معرفية عديدة، منها علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والنقد الثقافي والأنثربولوجيا.
• سبق لهذا الموضوع ان نشر في المدى ضمن سلسلة مقالات بعنوان بعد ماركس نشرها الراحل سعد محمد رحيم فيما بعد في كتاب



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية