العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :49
من الضيوف : 49
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28007213
عدد الزيارات اليوم : 8829
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


احتجاجات محلة ( قنبر علي ) سنة 1932

رنا عبد الجبار الزهيري
ارتقى  علي رضا اللاظ باشوية بغداد والبصرة وشهروز ، فضلا عن باشوية حلب، في 27  أيلول عام 1831 ، وبغداد تعيش أسوأ أَيّامها ، اذ لم تسترجع عافيتها بعد من  كارثتي الطاعون والفيضان ، ومؤيدو الوالي المعزول ما يزالون على قوة لا  يستهان بها. فوجد اللاظ أنّ تأسيس حكومة مركزية على دعائم راسخة ، يتطلَّب  أولا القضاء على المماليك،


 فدشَّنَ حكمة بتلطيخ يديه بدمائهم ، فذبحهم بمكيدة دبرها لهم ، اذ دعاهم ، في 30 أيلول ، الى التجمُّع لسماع قراءة الفرمان السلطاني ، وبعد ان اكتمل جمعهم ، اْنسَلَّ من مكان الاجتماع ، ليأذن لثلّةِ من قوَّاته بإمطار المجتمعين بوابل من رصاص بنادقهم ، طبقاً لاتفاق مسبق ، فقَتلَ عدداً كبيراً منهم  ، بضمنهم نحو أحدَ عشر شخصاً من رؤسائهم .
أعقبت هذه المكيدة عمليات مطاردة للمماليك في بقية أنحاء إلايالة ، قَتل خلالها من قُتل، وألقي القبضُ على الآخرين ، ونجا منهم من كانت له علاقات وثيقة مع البيوتات البغدادية الشهيرة  ، ومَنْ فَرَّ الى البصرة ملتجأً الى متسلّمها عزيز أغا.
عفا علي رضا عن الوالي داود باشا ، وقد عللّ بعضهم هذا العفو بأنّ اللاظ رفض تحمل مسؤولية القتل ، ولاسيما ان حادثة قتل خورشيد باشا ، لعلي باشا والي يانية، كانت ماثلة أمامَه ، إذ لم يتمكَّن خورشيد من تبرئة نفسه منها حتى مماته.
ويرى آخرون أَنَّ داود نجا من غضب السلطان ، لأنّ السلطان لم يُردْ أن يُنفرَ محمد علي باشا والي مصر ، أو أنه أشفق عليه لعلمه بخدماته التي قّدمها للدولة
العثمانية ، إلاّ أَنّ الأحداث اللاَّحقة تؤكدِّ أنَّ السلطان العثماني وواليه الجديد في بغداد ، أبقياه حيّاً ، عسى أَن يُصّرحَ مخابئ ثرواته، ولاسيَّما أَنَّ التعليمات الموجّهة من استانبول الى علي رضا كانت تنصُّ على ضبط جميع الأموال والممتلكات المنقولة لدواد باشا والمماليك ، وتسجيلها ، وإرسالها الى العاصمة استانبول.
وقد أُشيع أَنَّ داود يملك أموالا طائلة ونفائس كثيرة ومجوهرات، قدَّرها البعض بأكثر من اربعمائة ألف كيس اقجه ، تمكَّن من جمعها خلال أربعَ عشرة سنة من
باشويته. لذلك بذل اللاَّظ جهوداً حثيثة لوضع اليد على تلك الأموال .
حَملتْ أعمالُ الوالي الجديد أهالي بغداد على مقته وكرهه ، إذ سكتَ عن قسوة رجاله المفرطة في تجريد الناس من ممتلكاتهم ، فما كادت تنقضي المدة التي كانت تسمح بمرورها الفطنةُ ويحتمها الحذرُ ، حتى صودرت جميع ممتلكات الذين كان لهم أدنى ارتباط بالباشا السابق. وكان موظفو اللاّظ لا يتورعون حتى عن كيِّ النساء وضربهنَّ لإجبارهن على الادلاء بمعلومات عن الاموال التي يخِّبئها أزواجهُن أو آباؤهَّن. في وقت عَدَّ فيه بعض الأهالي الوالي الجديد مرتّداً عن الدين الاسلامي لارتدائه الزَّيَّ الغربي( لبس الوالي الزيَّ المذكور تنفيذا لقانون القيافة (اللباس) ، الذي صدر في 3 اذار عام 1829 ، الذي نص على وجوب ارتداء كل موظف حكومي مدني ورجل دين الجاكيت (السترة) والبنطلون (السروال) وغطاء الرأس الطربوش). فزادت هذه الأَعمال من صورة الغضب التي كانت تستعرُ في نفوس الأهالي ، حتى جاءت حادثة أّرملة رضوان أغا ، فَفَجَّرتها ، (وهي سيدة علوية من أسرة نقيب مندلي ، أّمّا رضوان أغا فكان من المماليك ، تولى رئاسة احد افواج الجيش الانكشاري في بغداد . ثم عُيّنَ رئيسا لقواتها النظامية ، له مجلس وحرمة عند أهل بغداد ، وقد بطش به علي رضا ، وأخذ أمواله، ونهب داره ) فقد التجأت الى بيت المفتي
عبد الغني الجميل لتُودعَ عندهم طفلها البالغ من العمر ست سنوات ، قبل فرارها
من رجال الوالي ، لكنَّ رجال الوالي انتهكوا حرمة بيت المفتي فدخلوه عنوة ، بحثاً
عنها ، مِمَّا أغضب المفتي. وهو " رجل شجاع كريم ذو دهاء وحمَّية على أهل وطنه ، يحمي النَزّيل ، ولا يعطي الدّخيل، ويطعم البائس الفقير"  ، فطلب من الوالي ، في 28 مايس عام 1832 ، الكفَّ عن مثل هذه الاعمال ، وعندما اخفق في الحصول على جواب قطعي فجَّرَ انتفاضةَ شعبَّيةً ضدَّه.
ويشير صاحب (ذيل مطالع السعود) إلى أَنّ أهالي بغداد شكوا الى المفتي ما يجري عليهم من أنواع التحقير والاهانات ، فأمرهم بأن يقتلوا الذين يعتدون عليهم ، ويتعرضون للنساء ، فنفذ أهل بغداد أمر مفتيهم، حتى بدأت أعداد القتلى من الجنود تزداد يوما بعد آخر ، وعندما وشى بعض ضعاف النفوس الى علي رضا باشا بأنّ قتل الجنود مبني على أمر المفتي عبد المغني الجميل وتعليماته، أمر الوالي بالقبض عليه ونهب أمواله. عندها خرجت مظاهرة من محلة قنبر علي (محل سكن المفتي) واتجهت نحو السَّراي ، وبدأت أعداد المنضمّين إليها بالازدياد ، "فانحاز نصف أهل بغداد الى جانب المفتي".
أخمدت قوات الوالي هذه الانتفاضة بالقوّة ، فاشتبكت مع المتظاهرين الذين وصلوا الى باب الحريم في السّراي ، وأطلقت عليهم نيران أسلحتها ، ثم قصفت المحلة المنتفضة بالمدفعية، فدّمرت أكثر بيوتها ، ومنها بيت المفتي، فاحترقت مكتبته التي كانت تضمَّ أكثر من سبعة آلاف كتاب  عندها أضطُر المفتي الى الفرار الى عشيرة عقيل.
أُختلف في تقويم انتفاضة المفتي ، فعدّها بعض الباحثين ثورةً قومية ، وأنّها كانت من وحي الفتح المصري لبلاد الشام ، ونتيجة التجاوب مع محتواه القومي. بينما يقلّل آخرون من شأنها بالقول : "إنّ المفتي استنجد بالمغاوير من أبناء محلَّته ونخاهم لحماية (العلويَّة) الشريفة... فهبوا لنجدته كما هي عادتهم في مثل هذه الحالة".
وإذا أردنا أن نضع الانتفاضة في اطارها التاريخي الصحيح ، نقول : أنّ حركة عبد الغني الجميل كانت استجابة واضحة للتذمر الذي تفشّى بين أهالي بغداد ، نتيجة لسياسة الوالي الجديد وجهازه الاداري ، ويشير الى ذلك قائد الانتفاضة بقوله : " إنِّي لم أثُرْ على السلطان ، بل على مظالم الوالي التي حلّت بالأهالي"( هذا ما ينقله الدكتور علي الوردي ، عن المحامي حسين جميل ، وهو من أسرة عبد الغني الجميل ، وكان حسين قد نقله عن بعض الرسائل التي كتبها عبد الغني عندما كان في بلدة عانة في اثناء التجائه إليها بعد فشل انتفاضته). و فضلاً عن ذلك هي حركة لا يمكن فصلها عن مدى تمسك العراقيين بالاستقلال النسبي الذي تمتعوا به خلال سني حكم داود باشا ، كما بيّنت مكانه المفتي لدى أهالي بغداد .

عن رسالة (إيالة بغداد في عهد الوالي علي رضا اللاَّظ  )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية