العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات       كيف تأسست مكتبة الخلاني العامة؟       من مذكرات كتبي .. هكذا عرفت سوق الكتب       من تاريخ معارض الكتب ببغداد       العدد (4509) الاربعاء 18/09/2019 (مارغريت آتوود)       مارغريت أتوود تفاوض الموتى       مارغريت آتوود هل تخطف نوبل هذ العام ؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27368143
عدد الزيارات اليوم : 6551
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد

عبد الحميد الرشودي
رحم الله  الدكتور مصطفى جواد وجزاه خير الجزاء كفاء ما اسدى الى اللغة العربية من  رعاية وعناية في سبيل الحفاظ على سلامتها وصيانتها من عبث العابثين وكيد  الكائدين . فقد سلخ الشطر الاكبر من عمره وهو ينافح عنها ويرسم السبل  والمناهج لاصلاحها وتطويرها وجعلها لغة عصرية متجددة تفي بحاجة العصر  وتستجيب لمستجداته الحاضرة ، ووضع مسميات لها ضمن قواعد العربية واقيستها  بحيث لا تخرق قاعدة مستقرة ولا تخالف قياسا متبعا .


لقد وهب الله العلامة مصطفى جواد ذكاء لماحا وذاكرة حافظة واعية ، فهو لا يعزب عنه شيء قرأه او سمعه البتة على كثرة ما قرا وسمع وما راجع وما تابع ، فقد حرث كتب التراث حرثا وخاض في اعماقها فما فتيء عاكفا على دوواين الادب واللغة ومعاجمها ينقر وينقب بين سطورها من غير ما كلل او ملل حتى انه كان يقرأ الكتاب قراءتين : قراءة اعراب وقراءة استيعاب ، واستطاع بهذه الطريقة ان يدرس التاريخ الاسلامي وبخاصة العصور العباسية الى العصور التالية لها ، فهو في تخصصه اللغوي لم يقبل على غير شأنه او يتكلف ما لا يحسن وانما اقبل على امر اعد له عدته وهيأ له اسبابه ولوازمه منذ صباه الباكر حتى كهولته ، فهو في جل اوقاته اما عاكف على كتاب او منكب على الكتابة لذا كان نتاجه ثرا ثجاجا لا يحصى ولا يستقصى ولو امتدت فسحة الاجل لاتى بما لم يستطعه الاوائل والاواخر .لقد استأثرت به رحمة الله وهو لما يتجاوز العقد السابع من عمره النافع الحافل بالتحقيقات اللغوية والتاريخية والادبية والخططية وسائر فنون المعرفة .
حادثة اصطدام سيارته
كنا  ذات مساء في اوائل الستينيات من القرن المنصرم جلوسا في مقهى ( رديف العبيدي) في شارع حيفا من كرخ بغداد في حلقة تضم شيخ قراء المقام محمد القبانجي والشاعر خضر الطائي ومحرر هذه السطور ثم انضم الى مجلسنا عبد الله الجبوري ( الدكتور فيما بعد ) وما كاد يستقر به المحلس حتى ابلغنا ان الدكتور مصطفى جواد كلت قبل ايام يقود سيارته الخاصة في طريق البياع وهو متجه الى داره في حي النفط في منطقة الدورة فاصطدمت به سيارة عسكرية كبيرة ودخل على اثرها الى المستشفى وقد غادرها قبل يومين ، فقال القبنجي : والله لو اعرف مكان بيته لزرته ، فقال الجبوري على الفور : انا اعرف منزله ، فقال القبنجي : ما تقولوا نفي ان نقوم بزيارته فعيادة المريض فيها اجر وثواب فكيف اذا كان المريض بمنزلة مصطفى جواد .
 نهضنا واشر القبنجي الى سيارة اجرة وصعدنا ، جلس القبنجي في الصدر وانا وخضر الطائي والجبوري في الخلف . واذكر ان السيارة لما مرت مجتازة قصر الرحاب وكان مظلما معتما اخذ القبنجي يترنم باغنية له قديمة من المقام العراقي البهرزاوي ، تقول : دار الملوك اظلمت عكب الضيا بسروج .
فلما وصلنا الدار ترجلنا وطرق الجبوري الباب واذا بكلب يعلو نباحه فخرج ولده البكر جواد ورحب بنا واقتادنا الى غرفة والده ، وكنا نتوقع ان نجده مسجى في فراشه واذا به جالس وقد وضع ساقه المهيضة على طبلة والى يساره طبلة اخرى وقد تكدست عليها الكتب على الرغم من هذه الحالة التي تتطلب الراحة والاسترخاء على سرير النوم .
ان هذا المشهد يدل على ان الرجل قد استثمر وقته ولم يضعه سدى حتى في هذه الحالة التي تتطلب العزوف عن كل عمل مجهد . فلما دخلنا رحب بنا ترحيبا جميلا بما هو معهود عنه من حسن اللقيا وكرم الضيافة .
ثم قص علينا حادثة ارتطام سيارته بسيارة عسكرية فقال رحمه الله : فلم اشعر الا وانا مطروح ارضا وقد خلع باب سيارتي واستقر فوقي وانا فاقد الوعي فلما افقت من هذه الصدمة وجدتني ملقى على سرير في المستشفى ، وكان من اثر هذه الصدمة ان هيضت ساقي اليمنى كما ترونها الان ، وقد حدثه القبنجي قائلا : لقد كنا لكم جيرانا في محلة الهيتاويين وكنت صديقا لاخيك الاكبر كاظم ، فقال مصطفى جواد : رحم الله تلك الايام ورعاها فقد كنا في راحة بال واطمئنان ، وقال : لما عزمنا على الانتقال قالت ام جواد : لماذا تترك هذه الدار ان عتبتها مباركة ، الم تنتقل ببركتها من معلم في الابتدائية الى استاذ في دار المعلمين العالية !
واردف قائلا : والحقيقة ان هذه الدويرة ليست لي انما هي لولدي المهندس جواد .. ثم حدثنا قائلا : كان من عادتي يوم ان اجلس قرب نافذة تطل على الزقاق وفي ساعة متأخرة رأيت لصا في الزقاق يتحسس الابواب تمهيدا للسطو ، فما كان مني الا ان رفعت ( تنكه) ماء بالقرب مني فضربتها بالنافذة وصحت : الزموه ! فولى اللص هاربا ولم يعد ، ثم جرت احاديث شتى وبدها ايتأذنا بالخروج مهنئين له بالسلامة متمنين له الشفاء العاجل والعمر المديد السعيد .
.. لقد اسعدني الحظ بعرفته وانتفعت من مجالسته في مكتبة الزوراء لصاحبها حسين الفلفلي والمكتبة العصرية لصاحبها محمود حلمي ، ومما اذكره عنه انه كان جالسا في مكتبة الزوراء وكان في المكتبة كرسي واحد يجلس عليه مصطفى جواد فاذا غادر المكطتبة قام الفلفلي بتنضيد مجموعة من الكتب على الكرسي ليسد الطريق على من يريد الجلوس عليه . وفي ذات يوم من ايام شتاء 1948 ولما ازف موعد مغادرته المكتبة ، نهض مودعا ولن ما عتم ان عاد ادراجه بعد دقائق فسأله الفلفلي عن خطبه ولماذا عاد .. هل نسي شيئا في المكتبة ؟ فاجاب مصطفى جواد : لقد وجدت السماء تمطر وان هذا المعطف الذي ارتديه جاءني هدية من الملكة عالية وهو عزيز علي وقد اهدتنيه يوم كنت ادرس ابنها ووحيده الملك فيصل الثاني سنة 1942 ، ولاعتزازي بهذه الهدية الغالية خشيت ان يصيبه المطر فيبله لذا عدت لانتظر ريثما تقلع السماء عن المطر ، هذا هو السبب الذي دعاني الى الرجوع . فقدرت لهذا الرجل وفاءه وسمو خلقه وشكره للصنيع الذي يسدي اليه في مشهد ومغيب .

( من اوراق الراحل عبد الحميد الرشودي )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية