العدد (4492) الخميس 22/08/2019 (كامل شياع)       كامل شياع: هاجس الهوية ومصباح ديوجين       حقيقة مكتومة بأختام حمر       رصاص ممنهج بلا عقاب       البناؤون .. (الى كامل شياع)       احــلام كــامــل شـــياع       خواطر حرب على حرب       إرادة الذاكرة: اليوتوبيا معياراً ثقافياً       من قتل كامل..؟؟       كما رآهما كامل شياع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26890622
عدد الزيارات اليوم : 7994
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


في بيتنا إحسان عبد القدوس

علي حسين

شاهدت  وأنا صبي  فيلم بالابيض والاسود أسمه " الوسادة الخالية " ، في ذلك الوقت  لم اكن اعرف لماذا تبكي بطلة الفيلم ، وما علاقة الوسادة  باغنيات التي كان  يغنيها عبد الحليم حافظ ؟ ، بعد ذلك بعام او عامين ساعثر على الرواية   مرسوم على غلافها صورة لفتاة  ترتمي على وسادة  كبيرة ، وتبدو حائرة ،


 حاولت أن أخذ الكتاب الصغير معي إلى البيت إلا أن محاولة تصفحه في العلن كانت اشبه بالجريمة  ، فمثل هذه الكتب ليست للصبيان امثالي  . في تلك السنوات  ، كان لابد من الحصول على إذن لقراءة عمل يفسد الأخلاق ، كما كان البعض يصف روايات احسان عبد القدوس  ، كانت بعض الكتب محرّمة ، مما جعلني أقراها في السر .

 ماذا كانت تتحدث رواية " الوسادة الخالية " ، لا أتذكر سوى إنني وأنا أقضي الليل مع ابطالها  ، ظلت صورة الممثلة في الفيلم  لاتغادر مخيلتي  ، ولم أكتشف إلا فيما بعد أن صاحب هذه الرواية صحفي واديب مشهور ، كتب عشرات الروايات والقصص، والمقالات السياسية والاجتماعية،  وانه خاض معرك صحفية كبيرة ، كانت ابرزها كشفه لفضيحة الأسلحة الفاسدة  التي زود بها الجيش في حرب 1948  ، وقد ادى المقال الذي كتبه احسان عبد القدوس آنذاك الى استقالة الوزارة  ، حتى معركة مع مجلس قيادة الثورة عام 1954 ، حين كتب مقالاً جريئا بعنوان " الجمعية السرية " يصف فيه حال مجلس قيادة الثورة آنذاك ، مما اضطر جمال عبد الناصر الى اعتقاله ، ومنعه لفترة من الكتابة  .
معظم القراء لا يعرفون إحسان عبدالقدوس السياسي والصحافي ، فهم منشغلون بإحسان عبد القدوس الروائي ، الشخص الآخرالذي يقدم له الرواية على انها قصيدة عشق ، تذكرهم باشعار نزار قباني ورومانسيات ابراهيم ناجي.
منذ مجموعته القصصية الاولى  صانع الحب  التي نشرت عام 1948 ومرورا بعشرات الروايات والقصص القصيرة  ، كان احسان عبد القدوس يولي اهتماما بقضايا المرأة  ويحاول ان يصور لنا  مشاعرها وأحاسيسها وتأزم حياتها من خلال الضغوط الاجتماعية التي تواجهها في الحياة حيث كانت تتمنى الانتقال الى عهد جديد ، عهد كانت فيه الطبقة الوسطى  تاخذ مكانتها الحقيقية في المجتمع ، وقد عمد احسان عبد القدوس الى تصوير الابعاد النفسية لشخصية المراة ، وطبيعة العلاقات والمفاهيم التي تواجهها في الحياة اليومية .
بعد قراءة العديد من الاعمال الروائية لصاحب الوسادة الخالية ،  اخذت ابحث عن  الكتب النقدية التي تناولت ادبه ، فلم اجد هناك اهتماما  من النقاد ، وما قرأته في المجلات لم يكن  اكثر من تعليقات صحفية ، لكن ما يسمى بالنقد الموضوعي او الجاد لم يتعرض لاعمال احسان عبد القدوس الا فيما ندر ، ورغم ان  ظاهرة  احسان عبد القدوس كانت ظاهرة اجتماعية ، اكثر من كونها ادبية ، فهو يتمتع بقاعدة عريضة من القراءالشباب ، لكن الغريب ان النقد تجاهل هذه الشريحة العريضة من القراء ، فالنقاد الذين ينتمون الى اليسار ، كانوا يناصبون احسان عبد القدوس العداء كونه ينتمي الى الطبقة البرجوازية ، فيما نقاد آخرون شنوا عليه حملة  لاسباب سموها اخلاقية ،   وكان البعض يقول ان كتاباته تفتقد الشروط الفنية للادب الروائي  ، ولهذا فان  اعماله لاتستحق ان يتوقف عندها النقد .
بعد فترة سيقع بيدي كتاب الناقد غالي شكري  "  ازمة الجنس في القصة العربية  " حيث وجدت  غالي شكري  يؤكد ان لغة احسان عبد القدوس قد اسهمت في صياغة قصصه على نحو لا هو بالادب ولا هو بالصحافة
بعد ذلك ساشاهد صورة احسان عبد القدوس وقد بدت عليه ملامح الشيخوخة ، كانت الصورة تزين احد الحوارات التي اجراها  غالي شكري مع احسان عبد القدوس ونشرت في عام 1989 في مجلة الوطن العربي على حلقات بعنوان " مواجهات " ،  اذهلتني الصورة  ، فقد كنت اعتقد  ان صاحب روايات الشباب والحب لن يشيخ ابداً .
يمكن القول ان نتاج احسان عبد القدوس ينطلق معظمه من مقولة اساسية هي التمرد على ما هو قائم من اجل تحقيق ما هو مطلوب تحقيقه ، والقيمة الاساسية المحركة لهذا التمرد هي قيمة الحرية  ، والحرية التي كان يبحث عنها احسان عبد القدوس ذات اشكال تبدو احيانا انها متناقضة  ، ومن يقرا رواياته يجد ان ابطالها  جميعا يبحثون عن الحرية ، في مختلف اشكالها ، اجتماعية او سياسية او عاطفية ، وربما نجد بحث هؤلاء الابطال ما هو ألا انعكاس لبحث احسان عبد القدوس عن تلك القيمة من الحرية التي  ظلت هي القيمة المركزية المحركة لتفكيره  ، والحرية في روايات احسان عبد القدوس ذات وجوه متعددة فهناك التحرر من سلطة الوهم كما في الوسادة الخالية ،  وهناك التحرر من الطغيان كما في شيء من صدري ، وهناك التحرر من بطش البوليس كما في بيتنا رجل ، وهناك التحرر من التبعية العمياء للمجتمع كما في الطريق المسدود ، وهناك التحرر من التقاليد الاجتماعية كما في " انا لا اكذب ولكــــــــن اتجمـــــل" .
قدم احسان منذ النظارة السوداء وانا حرة والطريق المسدود ولا انام ، وحتى انف وثلاث عيون نوعا من الرواية الوصفية ، أو رواية الشخصيات ، غير ان وحدة موضوعية الروائي دارت اساسا حول مشكلات المراة من ابسط اشكالها في علاقة الرجل بالمراة حتى علاقة الفرد بالسلطة  والوجود ومعنى الحياة .
في رواية "لاشيء يهم " ، يقدم لنا تجسيدا للواقع الذي نعيشه ، في الرواية هناك ثلاث شخصيات تجسد اوجه الواقع ، الرجل الذي يعيش في الخيال ، والرجل الذي يلتزم المبادئ الوطنية والرجل الذي يعيش الواقع بلا مبادئ ، وركز على تحليل شخصية الرجل الأخير لانه أخطر النماذج  ولانه يرى فيه كافة الذين يغيرون جلودهم حسب الظروف ويركبون كل موجة وبطل  لعدة ازمنة ، يعتقد بانه  صاحبها وهو   في الحقيقة  صاحب تطلعات فردية  وهي نماذج موجودة في كل زمان ومكان .
يرد احسن عبد القدوس حول سؤال غالي شكري عن  المراة التي تشغل تفكيره دائما  فيقول :" شغلت المراة تفكيربي ، هل هذه هي تهمة  ، ان ايماني بحرية المراة ليس له حدود ، احد دوافعه الاساسية مستمدا من ايماني بتفرد تجربة امي " فاطمة اليوسف " هذه المراة التي اثبتت وجودها في عالم الرجال ، ونجحت في فرض نفسها عليهم ، وحققت مالم يستطع كثير من الرجال ان يحققوه .
كتب فلوبير رداً على اتهامه بنشر المجون من خلال رواياته وخصوصا مدام بوفاري  أن : " جميع الظواهر الاجتماعية والعلاقات الانسانية ، نتيجة حتمية حاسمة لعامل واحد هو العامل الاقتصادي . فالطموح الفردي المشبوب الذي امتلأت به جوانح ( إيما ) ساقها الى أحضان أول عشيق أتاح لها التطلع الى أعلى" .
عاش احسان عبد القدوس وهو يكتب ويسعى لادب.
يخاطب أحاسيس القراء وأشواقهم، ويجعلهم جزءاً من لعبة الرواية ،  أدب تسوده تناقضات الخير والشر، والموعظة الأخلاقية  ، والشخصيات التي تدمر بعضها البعض من اجل البحث عن حقيقة وجودها .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية