العدد (4492) الخميس 22/08/2019 (كامل شياع)       كامل شياع: هاجس الهوية ومصباح ديوجين       حقيقة مكتومة بأختام حمر       رصاص ممنهج بلا عقاب       البناؤون .. (الى كامل شياع)       احــلام كــامــل شـــياع       خواطر حرب على حرب       إرادة الذاكرة: اليوتوبيا معياراً ثقافياً       من قتل كامل..؟؟       كما رآهما كامل شياع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26890753
عدد الزيارات اليوم : 8125
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


تحية كاريوكا وفن البوب آرتس

علي بدر
كانت  نبيهة لطفي  مخرجة الأفلام التسجيلية المعروفة، هي التي جمعت إدوارد سعيد  والراقصة  المصرية بدوية محمد كريم المعروفة بتحية كاريوكا في شقتها بالدقي،  وهي  الشقة التي شهدت الفصل الأخير من حياة الراقصة المصرية ومن أحداثها   الصاخبة المتقلبة، كان ذلك أواخر الثمانينات عندما زار إدوارد سعيد   القاهرة  بدعوة من فريال جبوري غزول لإلقاء محاضرة في الجامعة الأميركية،


 فانطلق من أوتيل هيلتون الذي كان يقطن فيه مع نبيهة لطفي إلى مركز الثقافة السينمائية الكائن وسط البلد لجمع مواد توثيقية وإرشيفية عنها، ثم ذهب إلى مركز جمال الليثي لشراء أفلامها السينمائية وعروض رقصاتها، ليكون أكثر إلماما بحياتها ومشروعها، ولم يكن سبب هذا اللقاء في واقع الأمر هو استعادة شبابه المبكر أو تذكر أيام القاهرة الكولنيالية التي قطنها فيما مضى، إنما كان يبغي تصوير فيلم وثائقي عن حياته وتطورات مشروعه الثقافي والسياسي، وأراد أن يبتدئ به من مدينة القاهرة، ومن لحظة تعرفه أول مرة على تحية كاريوكا وهي ترقص في كازينو بديعة مصابني بوصفها واحدة من الشخصيات التي أثرت في مراهقته تأثيرا كاملا.
كان لقاؤهما الحاسم صاخبا إلى حد ما، المعجب القديم والمفكر الذي أصبحه فيما بعد، والراقصة المصرية التي كانت نموذجا إيروسيا مكرسا من الناحية الثقافية والسياسية والاجتماعية، وإن وجدها بعد أكثر من ثلاثين عاما امرأة مترهلة تضع إيشاربا على رأسها بعد حجها وتكريس حياتها للتقوى الدينية الورعة، إلا أنه كان مستمتعا جدا بلقائها ومشغوفا بأحداث حياتها، وزيجاتها، ومواقفها السياسية، وقد اعترف لها صراحة بأنه وجدها على الرغم من كبر سنها وبدانتها أجمل بكثير مما كان قد تصورها قبل أن يراها، غير أن التصوير لم يتم، ذلك لأن إدوارد سعيد بعد أن سافر إلى أميركا أصيبت تحية كاريوكا بنوبة قلبية، لم تمهلها طويلا فتوفيت دون أن يتم مراد إدوارد سعيد، وبدلا من هذا كتب نصه الرائع عنها، النص الذي مسح ببلاغته العذبة مرحلة كاملة من الثقافة الشعبية في مصر.
ثلاثة عوامل نظرية حاسمة من وجهة نظري أدت إلى كتابة إدوارد سعيد مقالته الرائعة عن الراقصة المصرية (بدوية محمد كريم) المعروفة بتحية كاريوكا، أولا: بروز دراسات البوب آرتس والثقافة الشعبية وأبحاث الفن الشعبي العفوي والمجاني كفرع من فروع تيار ما بعد الحداثة، والثاني بروز تيار ما بعد الكولنيالية في دراسة بولطقيا الجسد حيث يكون جسد تحية كاريوكا هو السطح الذي تنقش عليه الأحداث التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية نفسها، والثالث هو الاهتمام الذي أولته النظرية النقدية المعاصرة للكيانات المقموعة والمهمشة من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، مثل النساء، الزنوج، الفقراء، الأقليات الدينية والعرقية والأثنية..وإن لم تكن هذه التيارات الثلاثة بعيدة نسبيا عن اهتمام سعيد في كتاباته المبكرة، إلا أن هذه المقالة جاءت صادمة وعلى نحو غير متوقع في مسار سعيد، لا لأنها تعكس اهتماما ميثادولوجيا جديدا لإدوارد سعيد في فترة حاسمة من تطوره الفكري والنقدي حسب، إنما لأنها تهدم وبشكل كامل الفوارق الهرمية في التراتب العنيف بين ثقافة مثقفة وثقافة مهمشة، بين ثقافة رسمية متعالية وثقافة ثانوية مهملة، بين ثقافة مكرسة من الناحية السياسية والاجتماعية والأخلاقية وثقافة مهملة، بين ثقافة مفكر بها وثقافة لا مفكر بها، بين ثقافة معلن عنها و ثقافة مسكوت عنها، بين ثقافة أساسية وثقافة ثانوية وهامشية، بين ثقافة متعارف عليها وثقافة مخبأة وسرية ومتستر عليها، غير أن هذه الثقافة الخفية هي ثقافة موجودة وكائنة وفاعلة ومحرضة وباعثة ومتغلغلة ومتشربة، بل هي ثقافة كاسحة.
إن مقالة سعيد تؤكد على الترابط بين النصوص وبين الوقائع الوجودية للحياة، تؤكد على العلاقة بين النصوص والكيانات البشرية والسياسة والمجتمعات والأحداث، إن الوقائع المتعلقة بالسلطة تتشكل في إطار وقائع ثقافية وفنية واجتماعية متنوعة، تبتدئ من الفرمان وتنتهي بالرقص، إنه خطاب يتعلق  بضروب المقاومة التي يبديها الرجال والنساء والحركات الاجتماعية والسلطات والمعتقدات التقليدية، وهذه هي التي تجعل من الراقصة نصا، وحضور الوقائع السياسية في الفن أمراً ممكناً.
كان إدوارد سعيد يدرك أن دور تحية كاريوكا هو نوع من النصية التي ما من سبيل قط إلى تجاوزها، هي نص ما من سبيل على الإطلاق لعبوره وإهماله وإخفائه، أو التنكر له ومجافاته والتحايل عليه، إنها نص كامل ومنجز في الإطار النصي- الثقافي الذي يحرك ميدانا كاملا من الأفكار والعلاقات ويبرزها في إطار خطابي متجانس من التاريخ الثقافي العربي في الحقبة الأولى من تشكل المدينة العربية وتأسيسها على أساس كولنيالي، إنها منجز مكتمل تم تحققه من خلال بنية خطابية متكاملة من علاقات اجتماعية وثقافية وسياسية وتاريخية وأدبية وإثنية، إنها نص يمكن دراسته وتحليله ابتغاء الوصول إلى وعي التاريخ”الحقيقي”في تلك المرحلة المهمة من الحياة الاجتماعية والسوسيوثقافية المصرية، إنها نص يمكن ترحيله وتقديمه في إطار علائقي أي دراسة شبكة العلاقات الثقافية التي تتحكم بمرحلة معينة من مراحل التاريخ، وهكذا استطاع إدوارد سعيد لا أن يكتب مقالة ثرية وبليغة وصاخبة عن راقصة مصرية عاشت في منتصف القرن الماضي حسب، إنما استطاع أن يمسح ببراعته الفذة مرحلة تحية كاريوكا التي تتوجت في بروز الفن في الحياة الاجتماعية والسياسية قبل الثورة وبعدها، في قصر عابدين أيام الملك فؤاد أو في مرحلة العسكر، أيام الثورة أو أيام الانفتاح، وقد دفع إدوارد سعيد مقالته بعيدا لتشكل نقطة الجذب الحقيقية في دراسة الثقافة الشعبية.
لقد طرح إدوارد سعيد في مقالته طقما متماسكا من الأفكار ومن الصياغات ومن الرؤى والأفكار التي ألفها من تاريخ تحية كاريوكا ومن حياتها ومن فنها ومن براعتها في أداءات متوازية، أداءات مترافقة ومتوافقة ومتطابقة مع بعضها البعض، أولا: الأداء الفني في الرقص الشرقي وقد برعت به تحية كاريوكا براعة تامة، برعت في إحداث الأثر الفني عبر تقشفها في الحركة، واحترافيتها في الجذب والإغواء عبر استخدام نظام استطيقي عفوي منفذ ببراعة في الانتقال من حركة إلى حركة أخرى، وبناء سلسلة مترابطة من الموتيفات المتكررة للإيحاء الفني بعيدا عن التصريح العلني، أو الإعلان الفضائحي للجسد على نحو متعمد، إنما بحركة مفترضة وإيحائية ثابتة، حيث تبقى تحية على نحو متواصل ذات طاقة كلاسيكية مهيبة، ملموسة وافتراضية، قريبة ونائية، ممنوحة لكنها لا تطال، ثانيا: الأداء الثقافي المتوافق مع الإبداع الفني، وهو الوعي الأنثوي القادم من لياقة اجتماعية محلية موروثة عن نظام خاص بالتاريخ الثقافي الشعبي العربي، وقد عده سعيد واحدا من مكملات الثقافة الشعبية في هذه المنطقة، ومن مكملات الهوية الوطنية، ومعبرا عن التواتر الاتساقي في الموروث الشعبي لشخصية العالمة القادمة من التاريخ العربي الإسلامي ولا سيما إبان العصر الذهبي للإمبراطورية العباسية وابتداء من شخصية الجارية تودد في ألف ليلة وليلة، وأخيرا: الأداء السياسي، حيث حولت تحية كاريوكا قدرتها على الجذب والإغواء إلى ناظم وضابط سياسي تتحكم به في دفع الروح الوطنية والقومية للجماهير، واستخدمت شخصيتها الفنية الاعتبارية في إبداء الرأي والتظاهر والاحتجاج والاعتصام والرد، والوقوف إلى جانب التيار السياسي اليساري في الخمسينات، ومع سياسة الانفتاح في السبعينيات عن طريق مسرحيتها الشهيرة يحيا الوفد وقد شاهدها إدوارد سعيد في العام 1975 في سينما ميامي في القاهرة، وعبر عن اشمئزازه منها لموالاتها إبان ذاك السياسة الساداتية المعادية للالتزامات العالمثالثية التي طبعت تاريخ مصر، لكن هذا لم يمح دورها الثقا-سياسي في مساندة اليسار المصري، وانتمائها إلى عصبة السلام، والدور المهم والأساس الذي لعبته مع فايز حلاوة في تأسيس الكابريه السياسي...كانت حياتها عاصفة بحق وحقيقة وقد أذهلته بالمعلومات التي قدمتها له عن نفسها:
لقد عرف إدوارد سعيد من ذلك اللقاء النادر أن اسمها بدوية محمد كريم، كانت آخر طفلة لمحمد النيداني وهو شخص سعودي تزوج سبع نساء آخرهن والدتها، أما تحية فهي الابنة الوحيدة لهذه المرأة التي لم تكن مصرية أيضا، وقد تركها والدها عند جدتها لتربيتها وتعليمها بيد أن أخاها أرادها أن تعمل في خدمة زوجته المالطية، فهربت من منزله، ركبت القطار قاصدة القاهرة وهي في الخامسة عشرة من عمرها، بعد أن تطوع بعض الركاب بدفع ثمن تذكرتها، والتحقت بسعاد محسن التي كانت تزورهم في الإسماعيلية لإحياء الحفلات، و قد عملت عندها في صالة”بيجوبالاس”بمرتب شهري بلغ ثلاثة جنيهات في فرقة كومبارس، ثم ذهبت مباشرة إلى واكيم الذي قدمها إلى بديعة مصابني ملكة الليل والمسارح آنذاك.”و قد اختارت لها بديعة مصابني اسمها الفني تحية، أما لقب كاريوكا فجاء بعد سنتين من العمل، عندما شاهدت فيلماً قدمت خلاله رقصة جديدة مستوحاة من موسيقى برازيلية اسمها كاريوكا، أعجبها الاسم وقدمت الرقصة في إحدى وصلاتها، فأثارت إعجاب الرواد وأصبح اسمها تحية كاريوكا، لقد كانت أبرع راقصات زمانها فقد تعلمت رقصة”الكلاكيت”عند الفنان روجيه، والرقص الشرقي من حورية محمد، والصاجات من نوسة والدة الراقصة نبوية مصطفى، وتزوجت أكثر من  12 مرة، الأول هو انطوان عيسى، ثم المليونير محمد سلطان، ثم ضابط أمريكي يدعى جلبرت ليفي الذي سافرت معه إلى الولايات المتحدة وهي تحلم بهوليوود، وفي الخمسينات اشتركت بفيلم أميركي غير أن منتجه تخوف من إشراك عربية فيه وإغضاب اليهود، عادت بعد ذلك إلى مصر لتتزوج بعد طلاقها من الأمريكي مصطفى حمزة صاحب إحدى دور العرض السينمائي، ثم تزوجت المخرج فطين عبد الوهاب، ثم الطبيب حسن حسني، وكان النجم رشدي أباظة أبرز الرجال الذين أحبتهم وعاشت ثلاث سنوات في عصمته، قبل أن تتزوج المطرب محرم فؤاد، فالموسيقار محمد سلطان، ثم الرياضي عبد الله الخادم، وأحمد ذو الفقار صبير، وطيار الملك فؤاد حسن عاكف، و الصاغ مصطفي كمال صدقي، وأخيراً فايز حلاوة أطول زيجاتها حيث دام زواجها من حلاوة مدة 23 عاماً ثم طلقها بعد ذلك واستولى على ثروتها وطردها من الشقة الزوجية بعد سنوات من الشهرة والمجد والصعود، كما قالت ذلك لإدوارد.
سبق لهذه المادة ان نشرت في المدى عام 2005



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية