العدد(4507) الاثنين 16/09/2019       وجوه عرفتها..عبد القادر البراك ورحلة الحرف الصعبة       زيارة لم تتم لفيصل الاول لمنطقة الخليج العربي! كيف احبطت بريطانيا هذه الزيارة ؟       عبد الوهاب مرجان من الحزب الوطني الديمقراطي الى حزب نوري السعيد       من تاريخ الحركة الوطنية في العراق معارضة شبابية لمعاهدة 1930 مع بريطانيا       وزارة الداخلية وانتخابات حزيران 1954       قبل تسعين عاما.. في 19 أيلول 1929 السعدون يشكل وزارته الاخيرة       محمد القبانجي ومؤتمر القاهرة الموسيقي الاول 1932       العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 53
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27286479
عدد الزيارات اليوم : 14213
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من وزراء ثورة تموز 1958 .. الاستاذ محمد حديد

نجدة فتحي صفوة
في سنة 1958  كان عدد من ضباط الجيش الذين عرفوا في ما بعد باسم «الضباط الاحرار»  يتهيأون للقيام بانقلاب عسكري بقيادة الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم  قاسم، فاتصلوا بمحمد حديد وبآخرين من زعماء الاحزاب المعارضة،


 وحصل اتفاق بين زعماء الاحزاب على تأييد الحركة من حيث المبدأ. ولما نجح اولئك الضباط في تنفيذ ما يطمحون اليه في 14 تموز (يوليو) 1958، واعلنت الجمهورية في العراق، اختير محمد حديد وزيراً للمال، ممثلاً الحزب الوطني الديمقراطي، بسبب سمعته الطيبة وكفائته العالية، واضطلع محمد حديد بعد ذلك، وفي فترات لاحقة، بوزارة الاعمار ووزارة الصناعة، اضاف الى منصبه وزيراً اصيلاً للمال.

وفي وزارة المال شمّر محمد حديد عن ساعديه وشرع ينفذ اصلاحاته في ضوء متطلبات العهد الجديد من تغييرات ادارية، وتشريع بعض القوانين المهمة، ومساعدة النقابات والمنظمات المهنية، والغاء التجميد الذي فرض على ارصدة العراق الاسترلينية بعد الثورة، ودعم الثورة الجزائرية مالياً، والعناية بقضايا الاعاشة والاسكان. ولذلك كله اضافة الى دوره المهم في المفاوضات مع شركات النفط الاجنبية واصدار القانون الرقم 80 الذي يعد محمد حديد مهندسه. وقد حافظ هذا القانون على حقوق العراق في الاراضي غير المستثمرة. ويرى الكثيرون ان هذا القانون، وعملية مصدق في تاميم النفط في ايران، اهم التطورات في مجال صناعة النفط في الشرق الاوسط واخطرها.
وسنة 1960 حدث انشقاف في صفوف «الحزب الوطني الديمقراطي» واختلف محمد حديد، للمرة الاولى منذ نحو ثلاثين عاماً، مع زميل النضال كامل الجادرجي الذي كان يصر على سحب اعضاء «الحزب الوطني الديمقراطي» من الحكومة. ورأى الجادرجي ان يوقف الحزب تعاونه مع عبد الكريم قاسم، في حين رأى محمد حديد ان الجمهورية في ذلك الوقت، كانت تسير بخطى حثيثة وواسعة نحو تحقيق المزيد من الاهداف والاماني الوطنية، وان الديمقراطية لايمكن ان تتحقق بين ليلة وضحاها، ولا بد ان تستقر تدريجيا، وليس هنالك في ذلك الوقت بديل مقبول لعبد الكريم قاسم الذي سيضع اسقاطه او اضعافه العراق في ايدي المتطرفين. لذلك رفض محمد حديدمطالبة كامل الجادرجي باستقالته من الحكومة، وكان يرى ان من الواجب الاستمرار في التعاون مع الحكومة، وان كان الحزب واعضاؤه عرضة لاخطار شخصية، لأن الموقف يتطلب التضحية في سبيل استمرار المسيرة.
ونتيجة لالحاح رئيس «الحزب الوطني الديمقراطي» كامل الجادرجي على محمد حديد بوجوب الانسحاب من الحكومة، ابدى محمد حديدانه اذا اصر الجادرجي على لزوم انسحابه من الحكومة، فانه يرى نفسه مضطراً الى الانسحاب من الحزب ايضا. فابدى الجادرجي، بعد تردد، ان لا مانع لديه من خروج محمد حديد من الحكومة ومن الحزب في وقت واحد سنة 1961.
ولما اعلن عبد الكريم قاسم قبول الاستقالة جاء في البيان الذي اصدره: «ان محمد حديد سيبقى سندا للثورة من خارج الحكومة، كما كان في داخلها».
وعلى أثر استقالته من عضويته في «الحزب الوطني الديمقرطاي»، ونظراً الى الاوضاع الجديدة في ذلك الحزب، قرر بعض مؤيدي محمد حديد الذين كانوا يتفقون معه في موقفه، تكوين تنظيم حديد في شكل حزب يدعو الى اهداف «الحزب الوطني الديمقراطي» ومبادئه، مع التشديد على دعم الثورة والدعوة الى تطويرها الى نظام ديمقراطي برلماني تعددي. وهكذا، تأسس حزب جديد باسم «الحزب الوطني التقدمي» وانتخب محمد حديد رئيساً له. واصدر الحزب جريدة ناطقة بلسانه اسمها «البيان».
واتخذت فئات سياسية اخرى موقفا معاديا من الحزب الجديد ومن اتجاه جريدته، وراحت تقاومها بشدة معتبرة الحزب الجديد مؤيدا لعبد الكريم قاسم ونظامه، في حين ان جريدة «البيان» كانت تدعم عبد الكريم قاسم في الاعمال والتشريعات التي تحقق اهداف الثورة الاصلية. وكانت، في الوقت نفسه، لا تحجم عن الدعوة الى تطوير النظام السياسي بوضع دستور دائم وقيام نظام نيابي وانتخابات حرة، مع ضمان الحريات وفقا لنظام تعددي.
وهكذا انفصل محمد حديد عن «الحزب الوطني الديمقراطي» الذي كان من بناته، والشخص الثاني فيه والساعد الأيمن لرئيسه، واتهمه بالسلبية. وقد حمل ذلك خصومهما على الشماتة بهما، وكتب خليل كنه في مذكراته مهاجما كامل الجادرجي، قائلاً: «.. وقام كامل الجادرجي يندد بزميل الامس، فاعاد الى الذاكرة اقتراح نوي السعيد على الاحزاب التعاون معه، ثم اصرار نوري السعيد على اختيار محمد حديد ليكون ممثل الحزب في الوزارة، وذلك عام 1946».
ومع ذلك فقد احتفظ الرجلان بصداقتهما، واستمرت علاقتهما على الصعيد الشخصي حضارية تتسم بالود والاحترام المتبادل. وزار كامل الجادرجي محمد حديد في السجن خلال اعتقاله بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 الذي اطاح حكومة عبد الكريم قاسم.
كان محمد حديد، في المرحلة التي انفصل فيها عن كامل الجادرجي و»الحزب الوطني الديمقراطي»، مؤيداً بقاء عبد الكريم قاسم في السلطة، معارضاً كل محاولة لاسقاطه، لانه رأى ان سقوطه سيعود على العراق بكوارث جديدة. ولكنه كان، في الوقت نفسه، يلح على عبد الكريم قاسم بوجوب اجراء الانتخابات وانهاء الفترة الانتقالية في اسرع وقت. وقد طالب المؤتمر الثاني لـ»الحزب الوطني التقدمي»، حزب محمد حديد الجديد، «بإنهاء الاوضاع الاستثنائية، والغاء الاحكام العرفية، وتحقيق اهداف ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وذلك باقامة نظام دستوري ديمقراطي يضمن للشعب حرياته، ويوفر له جميع مستلزمات الحياة السعيدة». إلا ان عبد الكريم قاسم كان يتلكأ في اجراء الانتخابات لأسباب واعذار متنوعة، منها توتر الشارع السياسي، وانشغاله في مواجهة المؤامرات العديدة على نظام حكمه وعلى العراق. عدا ان تقارير الاجهزة الامنية كانت تحذر من «انتخاب مجلس يتسرّب اليه رجال المعارضة الذين سيتحولون حجر عثرة من دون تقدم الجمهورية السريع في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية».
كان محمد حديد يشدد على تلك المطالب في مقابلاته المتكررة مع عبد الكريم قاسم، ولكن العناصر المعادية له كانت تشن معارضة مخططة قوية تشمل دعوة اتباعها الى مقاطعة جريدة الحزب «البيان» وتحريض الصحف على الامتناع عن توزيعها.
ولما تفاقم اليأس من تحقيق الوعود التي قطعتها الثورة بشأن تطوير النظام، وتراجع الاقبال على جريدة الحزب، واضمحلت الحياة الحزبية عموما، اضطر «الحزب الوطني التقدمي» الى تجميد نشاطه ووقف اصدار جريدته.
وعلى اثر اطاحة عبد الكريم قاسم في شباط (فبراير) 1963 اعتقل محمد حديد بضعة اشهر باعتباره من انصار عبد الكريم قاسم، ولكن افرج عنه بعد ذلك لعدم توافر دليل على ما يدينه، فابتعد عن العمل السياسي وانصرف مرة اخرى الى اعماله الخاصة ومتابعة الشؤون الاقتصادية والدولية والسياسية في شتى المناسبات، وخصوصاً في جريدة «صوت الاهالي» ثم في جريدة «البيان».

من مقدمة مذكرات حديد ( الصراع من اجل الديمقراطية )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية