العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :55
من الضيوف : 55
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28006872
عدد الزيارات اليوم : 8488
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


عودة إلى أب الرواية المغاربية في ذكراه: محمد ديب: الهويّة المستعادة

عثمان  تزغارت
كاتب جزائري
 قبل  عقد ونصف  وعام من الزمن، غيَّب الموت في 3 أيار عام 2003، الأديب  الجزائري الكبير محمد ديب (1920 ــ 2003) الذي يعد «الأب المؤسس» للأدب  المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية، وآخر الأحياء من «جيل الرواد» الذين  واكبوا بأعمالهم الأدبية حركات التحرر الوطني في العالم العربي. كان محمد  ديب أكثر أبناء جيله غزارة وانتظاماً في الكتابة.


خلال مسيرته الأدبية الحافلة التي امتدت لأكثر من نصف قرن، أبدع 34 عملاً بين الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح. فضلاً عن ذلك، كان لديه اهتمام خاص بالقصص التراثية والحكايات الشعبية المغاربية التي درسها وجمعها في أربعة كتب متباعدة صدر أولها عام 1959 وآخرها عام 2001، ما يبيّن الاهتمام الاستثنائي الذي كان يوليه لهذا التراث الحكائي الشعبي، إذ استغرقه إنجاز هذه الكتب أكثر من أربعين عاماً!
رغم انتظام إنتاجه وغزارته، وكونه الأكثر تأثيراً في الساحة الأدبية المغاربية من بين أبناء جيله والأجيال اللاحقة التي تتلمذت عليه، طيلة نصف القرن الماضي، إلا أنّ محمد ديب فرض على نفسه عزلة تامة، منذ استقلال بلاده عام 1962. لم يشارك في أيّ من النقاشات الفكرية والسياسية الملتهبة التي فجّرها بعض أقرانه، أمثال كاتب ياسين، ومالك حداد، ورشيد بوجدرة والطاهر وطار. ولم يدل بأي حوار صحافي منذ عام 1969، حين أجرت معه صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية مقابلة خاصة، وفوجئ بأن أقواله تعرّضت لكثير من التحوير المغرض، بما أساء إلى فكره ومواقفه. قطع على نفسه عهداً بألا يدلي بأي تصريحات صحافية أخرى، تاركاً لأعماله «أن تتحدث بنفسها وعن نفسها» كما كان يقول.
إعادة اكتشاف التراث يجب ألا تكون بهدف تشكيل نموذج ماضوي، بل يجب مقاربة الفكر الإسلامي في تعدده
لذا، كانت سعادتي كبيرة، حين وافق في صيف عام 1994 بأن أجري معه حواراً صحافياً كان الأول من نوعه بعد ربع قرن من العزلة التامة. كنتُ قد تعرفتُ إليه، في بداية التسعينيات، خلال ندوة أدبية شارك فيها في «فناك ـ مونبارناس» في باريس. انفردتُ به بعد الندوة، وتحدثنا مطوّلاً، وتعمّدتُ أن أهديه عدداً جديداً من جريدة «ألجي ـ ريبوبليكان» (الجزائر ـ الجمهورية) التي شهدت بداياته كصحافي في الأربعينيات، إلى جانب كوكبة من الكتّاب الشباب الذين أصبحوا لاحقاً أسماء ثقافية لامعة، أمثال ألبير كامو، وكاتب ياسين، وهنري علاّق، وعبد الحميد بن زين وغيرهم. كانت هذه الصحيفة قد صُودرت مرة أولى، سنة 1958، في أوجّ «معركة الجزائر»، من قبل السلطات الاستعمارية، ثم عاودت الصدور بعد الاستقلال، وحُظرت مجدداً، سنة 1965 بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس بن بلة. وفي عام 1989، شاركتُ برفقة فريق جديد من الصحافيين الشباب في إعادة بعثها إلى الوجود مجدداً، في خضم موجة التحوّلات الديمقراطية التي عرفتها الجزائر آنذاك.
أبدى محمد ديب سعادة كبيرة بعودة الصحيفة التي شهدت بداياته إلى الصدور مجدداً. خلال مكالماتنا الهاتفية المنتظمة بعد اللقاء الأول في «مونبارناس»، كان يحدّثني بإسهاب عن ذكرياته في «ألجي ريبوبليكان»، والصداقة العميقة التي نشأت بينه وبين ألبير كامو، رغم خلافهما الجذري في الموقف من ثورة التحرير الجزائرية. وروى لي طرائف كثيرة عن زميله الروائي المشاغب كاتب ياسين، وكيف كتب رائعته «نجمة»، خلال أوقات فراغه، في ساعات الدوام في الجريدة، على قفا الأوراق المتدلية من آلة «التيلكس» التي كان مكلفاً بفرز برقياتها وتوزيعها على مختلف أقسام الجريدة!
في عام 1994، كانت أعمال العنف واغتيال المثقفين في الجزائر قد بلغت أوجها. أحسستُ، وأنا أتحدث إلى محمد ديب على الهاتف، ببليغ تأثره بذلك «الحريق» الجزائري الجديد. سألته: «ألم يحن الوقت بعد لأن يخرج محمد ديب عن صمته، ليسمع الجمهور الواسع مواقفه من الأحداث الدرامية التي تمزق بلاده؟». أجابني قائلاً: «لا يمكن أن أقف على الحياد، حيال ما يحدث من مآس في بلادي. لكنني كاتب ولست رجل سياسة، لذا لا أريد التعبير عن رأيي في بيان أو تصريح صحافي، بل أفكّر في كتابة رواية جديدة عن الجزائر، أعبّر فيها عن مواقفي وآرائي». سألني: «ألا تعتقد أنه بهذه الطريقة سيكون إسهامي في النقاش الفكري حول الأحداث الحالية في الجزائر أعمق وأكثر فائدة؟». أجبته: «بالطبع، إنّ عملاً روائياً جديداً لمحمد ديب حول «الحريق» الجزائري الجديد سيكون حدثاً بارزاً. لكنّ هذا العمل الإبداعي يستغرق أشهراً أو ربما سنوات، قبل أن ينضج ويكتمل. هل تعتقد أن الوضع الدامي في الجزائر يحتمل هذا الانتظار؟ أم هل يجب الخروج بتصريح مبدئي عاجل للتعاطف مع الكتاب والمثقفين الذين يسقطون كل يوم ضحية التطرف والظلامية؟». فكّر ملياً، ثم فاجأني بالقول: «تعال إلى البيت، وسنرى».

أمسية صيف في سان كلو
ما أزال إلى اليوم أذكر صوت محمد ديب الأبوي، وهو يشرح لي بإسهاب، على الهاتف، كيف استقلّ القطار من محطة «سان لازار» في باريس إلى ضاحية «لا سيل سان كلو» حيث كان يقطن: «إن القطار نحو «سان نون لا بروتيش» ينطلق من الرصيف إلى أقصى اليسار. وعليك أن تنزل في محطة «سان كلو»، وتقطع الجسر إلى الطرف الآخر من سكة الحديد، ثم تأخذ الباص المتوجه إلى «دونان»، واطلب من السائق أن ينبّه عليك للنزول في محطة «بور دو بوي»».
كان ذلك يوم الاثنين 4 حزيران 1994، نحو الثالثة ظهراً. حين دققتُ باب بيته، أحسستُ كأني أقف على عتبة أسطورة حية. في هذه الشقة المتواضعة حيث يقطن منذ عام 1959، كتب أشهر أعماله. وهي شقة لم يدخلها صحافي منذ نهاية الستينيات. فتح لي محمد ديب الباب بنفسه، قائلاً: «لم تتأخر كثيراً. لقد اهتديتَ إلى الطريق من دون صعوبة، إذن؟». قدّم لي قهوة صنعها بنفسه، وجلس قبالتي في ذلك الصالون الأنيق والمتواضع الذي اتخذ منه محترفه الإبداعي منذ نهاية الخمسينيات، وتشعب بنا الحديث من الأدب إلى السياسة إلى ذكرى الأصدقاء الذين رحلوا.
تحدث بكثير من الحب عن الروائي المغربي الراحل محمد خير الدين، قائلاً إنّه من أكثر كتاب المغرب العربي إبداعاً وتميزاً. واستحضر كثيراً من طرائف ذكرياته مع كاتب ياسين: «اتصل بي مرة من بوردو (في الخمسينيات)، وقال لي إنّه وجد عملاً كمساعد كهربائي. خشيتُ جدّياً على حياته، وخفتُ أن يصعقه التيار الكهربائي فيصاب بسوء، لأنني كنت أعرف أنه لا يجيد فعل أي شيء بيديه، عدا الكتابة!»
سألتُه عن رأيه في الأجيال الجديدة من كتّاب المغرب العربي، فقال: «أحب كثيراً كتابات مراد بوربون، وأشعر بالأسف لأنّه لم يكتب سوى رواية واحدة، ثم سرقه التأليف السينمائي. وأعجبتُ كثيراً بكتابات الراحل (الشهيد) الطاهر جاووت (اغتيل من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة في مايو 1993)، وحين تعرّفت إليه شخصياً، أعجبتُ أكثر بلطفه ودماثة أخلاقه».
وأضاف: «أحب كثيراً روايات رشيد بوجدرة، لكنني لا أطيق الرجل. مرة استدعيته هنا في البيت على الغداء، برفقة مجموعة من الكُتّاب، ونجح في افتعال مشاجرة واشتبك بالأيدي مع زميل آخر، أعتقد أنه مراد بوربون». (لعل موضوع الخلاف كان إهمال بوربون ومحمد لخضر حامينا إبراز الدور المركزي الذي لعبه بوجدرة في كتابة سيناريو «وقائع سنوات الجمر» ـ السعفة الذهبية في «مهرجان كان» ـ 1975). في المقابل، استدرك محمد ديب: «استلطفتُ كثيراً الحديث مع الطاهر بن جلون، فهو خلوق وطيب المعشر. لكنني صراحة لا أحب أدبه على الإطلاق»!
تحدّث عن صداقته العميقة بألبير كامو، رغم خلافهما الجذري في الموقف من ثورة التحرير الجزائرية وحين هممنا أخيراً بالشروع في الحوار، وكنا قد أمضينا أكثر من ساعتين في الدردشة، فوجئت بمحمد ديب يسبقني بالسؤال، قائلاً: «يهمني أن أعرف كيف ترى أنت، ابن الستينيات، أدب محمد ديب؟ وأن تنقل لي كيف تتابعه الأجيال الجديدة من القراء في الجزائر والعالم العربي؟». أجبته بأنّه تصعب الإحاطة بشكل كامل بتجربة أدبية امتدت لأكثر من نصف قرن، وتميزت بالغزارة والثراء والتنوع، وبقدرة مشهود بها على التجدد والمغايرة، على مستوى الأشكال والأساليب الفنية أو على صعيد المضامين والمواضيع المُعالَجة. لكن من الواضح، بالنسبة إليّ، أنّ هذه التجربة تنقسم إلى ثلاث مراحل مختلفة، تكاد تفتقد إلى أي صلات مشتركة في ما بينها، أولها المرحلة المسماة بـ «الواقعية الثورية» (الثلاثية الأولى)، خلال حرب التحرير الجزائرية في الخمسينيات، ثم مرحلة «الواقعية النقدية» (الثلاثية الثانية) في الستينيات وبداية السبعينيات. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي تدور فيها حوادث روايات «ثلاثية الشمال» في المجتمعات الأوروبية، وليس في البيئة الجزائرية الأصلية.

مسافة نقدية
سألتُه: ما هي الأسباب التي جعلت مضامين أعمالك في تلك المراحل الثلاث تتباعد وتتباين إلى ذلك الحد؟
أجاب: «لعل اختلاف مضامين أعمالي في كل تلك المراحل يجد تفسيره في تطورات الحوادث التي عايشتها أو كنت طرفاً فيها. وأذكر أنني قبل أن أكتب روايات «الثلاثية الأولى»، كانت لي كتابات أخرى لم أنشرها، سابقة لفترة حرب التحرير، وبقيت غير معروفة. كانت كتابات ذات هواجس فنية وجمالية في الدرجة الأولى، تختلف في مضامينها كثيراً عن «الثلاثية» التي جاءت في خضم الحركة الوطنية الجزائرية، وكانت إسهاماً مني في التعريف بقضية بلادي وثورتها، إذ قررت آنذاك أنّ من واجبي أن أصهر صوتي في الصوت الجماعي للشعب الجزائري، وأجعل من كتاباتي أسلحة بيد الثورة الوطنية. أما بعد الاستقلال، فقد اختلف الوضع كثيراً. الاستقلال بالنسبة لنا ككتّاب وطنيين متمرّدين على الاستعمار كان حدثاً رائعاً. ذلك أنّنا وضعنا كل إبداعنا في خدمة قضيتنا الوطنية. وعندما حصلت البلاد على استقلالها، أصبح بإمكاننا أن نتحرّر بدورنا، ونصبح «كتابا مستقلِّين» يعبِّرون أساساً عن ذواتهم ومشاغلهم الحميمة، من دون أن يكون مفروضاً علينا ـ كما في السابق ـ أن نكون محامين نُرافِع باستمرار باسم شعوبنا وأوطاننا. صحيح أن كتاباتنا ظلّت مرتبطة ببيئتنا ومجتمعاتنا، لكن مشاغلنا أصبحت شخصية وحميمية أكثر، ولم تعد متعلقة فقط بالنضالات السياسية والاجتماعية، كما في فترة حركة التحرّر. وهكذا بدأنا تدريجاً نكتشف ذواتنا ومشاغلنا الحميمة ونعبِّر عنها في كتاباتنا. وأصبح الفرد مركز اهتمامنا، حتى في أعمالنا الجديدة ذات البعد الوطني».
سألته: لماذا اختلفت الأمور بعد الاستقلال؟ ولمَ أصبحت كتاباتك، منذ «الثلاثية الثانية»، أكثر انتقاداً لأوضاع بلادك وواقعها بعد الاستقلال؟ أجاب: «إن «الواقعية النقدية» التي يتحدّث عنها النقاد بالنسبة إلى «الثلاثية الثانية» مرجعها أنني انتقلت للعيش في بلدان أخرى غير بلادي. بالإضافة إلى تغير أجواء رواياتي في الزمان والمكان، تغيّرت أيضاً في هذه المرحلة نظرتي إلى أوضاع بلادي، وصارت أكثر تعمّقاً. البُعد دوماً يجعلنا نرى الأشياء بشكل أعمق وأكثر موضوعية. لا أدري هل سبق لك أن شاهدتَ فناناً تشكيلياً أثناء اشتغاله على لوحة جديدة؟ إنه في لحظة معيّنة يحتاج، قبل إتمام اللوحة، إلى الابتعاد عنها ببضع خطوات إلى الوراء كي يراها بشكل أفضل وأكثر شمولية وموضوعية، ولكي يكوِّن عنها الانطباع النقدي اللازم. وهذا ينطبق تماماً على تلك المرحلة الثانية من كتاباتي. بعد الاستقلال، أصبح من حقي تسليط هذه النظرة النقدية على بلادي. لكنه نقد يخلو تماماً من الضغينة، وهو أشبه ما يكون بانتقاد الذات أو بالعتاب الذي نوجِّهه إلى شخص عزيز علينا كثيراً، نعتب عليه ـ هو بالذات ـ لأننا نحبه! أنا حتى عندما أنتقد الحركات الأصولية الجزائرية التي أختلف معها بشكل جذري، أتعامل معها من دون ضغائن، وأعتبر عناصرها مثل أبنائي تماماً، مثلهم مثل كل الجزائريين. ويتملّكني شعور كشعور الأب الذي لا يمكن له أن يحقد على أحد من أبنائه، مهما كانت درجة سخطه على تصرفات هذا الابن، ومهما كانت هذه التصرّفات تستدعي العقاب»

إعادة اكتشاف الذات
سألته: ماذا عن المرحلة الثالثة التي ابتعدتَ فيها تماماً عن هموم وانشغالات بلادك، وصارت رواياتك، منذ «الثلاثية الثالثة» التي أسماها بعض النقاد «ثلاثية الشمال»، تدور أحداثها في البيئة الأوروبية التي انتقلت للعيش فيها، منذ استقلال الجزائر؟
أجاب: «تجربة الهجرة إلى خارج البلاد، بالإضافة إلى تلك الرؤيا النقدية التي أتاحتها لنا، أنا وأبناء جيلي من الكتاب المغاربيين، سمحت لنا بأن نكتشف ذواتنا بالقدر نفسه الذي اكتشفنا به ذوات الآخرين. تحضرني في هذا الشأن مقولة الشاعر آرتور رامبو الشهيرة: «أنا شخص آخر». أعتقد أننا لا يمكن أن نكتشف الجوانب الخفية في ذواتنا إلا عبر الترحال والمنفى. إذا بقينا وسط بيئتنا الأصلية، فإنّ ذواتنا ستبقى أسيرة لها. ومتى تحرّرنا من تأثير هذه البيئة، تكشَّفت لنا ذواتنا بالقدر نفسه الذي تتكشَّف به لغيرنا! وكثيراً ما نندهش من اكتشاف ذواتنا أكثر مما يندهش منها الآخرون. وأعمالي منذ «ثلاثية الشمال» تتمحور أساساً حول هذا الاكتشاف الجديد للذات. لو أنني بقيتُ في بلادي لما أُتيح لي ذلك، ولبقيتْ معرفتي لذاتي ولشعبي وللشعوب الأخرى محدودة جداً» وأضاف: «أعتقد أن النظرة التي أنظر فيها في رواياتي إلى الشعوب «الشمالية» (الأوروبية) مهمّة للغاية بالنسبة إلى ثقافة بلادي. حين كنّا تحت وطأة الاستعمار، كان الأدب «الكولونيالي» يسمح لكُتَّاب آتين من أوروبا بأن يلقوا على مجتمعاتنا «الجنوبية» نظرتهم الشمالية الباردة والمتعالية. وما أفعله اليوم هو الأخذ بالثأر منهم، إذ أجعل من شعوبهم مادة أقدّمها في رواياتي وفق نظرتي الخاصة ككاتب آت من الجنوب»! لكن ما الذي تغيّر في انشغالاتك وهواجسك الفكرية بسبب حياة المنفى الطويلة؟ قال: «دعني أجيبك على هذا السؤال انطلاقاً من مفارقة طريفة. أنا أصبحت جزائرياً، على مستوى أوراق الهوية الرسمية، منذ أن صرتُ أعيش في فرنسا، أي بعد الاستقلال! بينما كنتُ من قبل، أثناء الفترة الاستعمارية، مرغماً ـ ككل الجزائريين ـ على حمل الجنسية الفرنسية. كان الاستقلال حدثاً رائعاً سمح لي بأن أستعيد هويتي الأصلية التي حُرمت منها طويلاً، ولذا ظللتُ دوماً متمسِّكا بجواز سفري الجزائري، رغم استقراري في أوروبا منذ الستينيات. بعد الاستقلال، تولّدت لديّ رغبة جامحة في اكتشاف كل ما يتعلّق بهويّتي المستعادة، خصوصاً أنني وجدت نفسي حين استعدتُها أعيش مضطراً في بيئة أجنبية وغير مسلمة. ولو بقيت أعيش في الجزائر بشكل يومي، لاستعصى عليّ اكتشاف هويتي وتراثي الثقافي والديني بهذا القدر من الإعجاب والعمق. بُعدي عن بلادي دفعني إلى تعميق نظرتي وتحليلي للمتخيّل الثقافي العربي ـ الإسلامي الذي أنتمي إليه. بذلك، ازددت قرباً وتعلّقاً بالثقافة الإسلامية بفعل كوني أعيش بعيداً عن البلاد الإسلامية». وأضاف: «قد يبدو هذا الأمر غريباً للوهلة الأولى، لكن الانغماس في واقع مجتمعاتنا الإسلامية الحالية بكل تفاصيلها اليومية ومشاكلها الشائكة يصبح مع الوقت أشبه بـ «الشجرة التي تحجب الغابة»، كما يقول المثل بحيث تحول بيننا وبين رؤية وإدراك العمق الروحي والحضاري لتراثنا الإسلامي. وأعتقد أنّ أهم انشغالاتي الفكرية منذ أن استقررتُ في المنفى انصبّت في التأمل في هذا الجانب الروحي للتراث الإسلامي، وما فيه من ثراء وتعدّد وتسامح». هل هي «النزعة الصوفية» التي أشار إليها الراحل جاك بيرك في رواياتك الأخيرة؟ أجاب: «هناك بالفعل نزعة روحية. لكنّي لا أحبّذ كثيراً استعمال كلمة «صوفية». لعل الراحل بيرك قصد بذلك المعنى الشائع للصوفية، بمفهومه المتداول في عصرنا الحالي، خصوصاً في الغرب، ذاك الذي يعني النزعة الروحية التأملية وليس المعنى الأصلي للصوفية، وما تفترضه من قواعد وطقوس وممارسات عقائدية. من هذا المنظور، نعم كل ما يتعلق بالجانب الروحي في تراثنا الإسلامي يهمّني. أنا أؤمن بأن هذا التراث ليس ميتاً أو ماضوياً بالضرورة، رغم أننا انشغلنا عنه طويلاً، إلى درجة أنه لم يعد جزءاً من ممارستنا الفكرية الراهنة. ما يفسِّر لماذا أصبح صعباً علينا إعادة إنتاج هذا التراث حالياً من دون السقوط في السلفية والماضوية الساذجة والمستلبة. وأنا ممن يرون أن إعادة اكتشاف هذا التراث يجب ألا تكون مسعى هادفاً لإعادة تشكيل نموذج ماضوي جاهز، بل علينا أن نلتفت إلى الفكر الإسلامي في شموليته وتعدده وبُعده العالمي».

واجب الإدلاء بالحقيقة
بالطبع، كان عليّ أن أسأل محمد ديب عن مواقفه من الحوادث الدموية الدائرة في الجزائر، آنذاك، وعن مشروع الرواية التي قال إنّه يفكر في تأليفها عن «الحريق» الجزائري الجديد. أجاب: «لا يمكن أن أقف موقف اللامبالاة أو الحياد، حيال ما يحدث في بلادي. ولأنني لست رجل سياسة، فإني لا أريد أن أعبِّر عن موقفي من الحوادث عن طريق التصريحات الصحافية الملتهبة أو بإصدار مناشير دعائية. أريد التفاعل معها بعمل أدبي إبداعي. مع ذلك، يمكن تلخيص موقفي المبدئي بالقول إنّ الوضع الحالي في الجزائر يملي علينا نحن الكُتّاب واجب الإدلاء بالحقيقة، قبل أي شيء آخر. هناك اليوم طرفا نقيض، ليس في الجزائر لوحدها، بل في أغلب الدول الإسلامية: طرف في السلطة، وهو في الغالب فاسد وفاقد للمصداقية، وطرف آخر نقيض يدَّعي لنفسه «النّقاء»، ويعد الناس بتطهير نظام الحكم. وغالباً ما يلبس هذا الفريق الثاني لبوس التديّن. ومهما تضاربت آراؤنا ومواقفنا بخصوص هذه المسائل، فإن دورنا نحن الكُتّاب والمثقّفين يجب أن يكون محاولة فهم مسار التاريخ وتحليله والتفاعل معه، وليس محاولة تصوير هذا التاريخ بالشكل الذي نريده أو نتوهّمه أو نتمنّاه». وأضاف: «مسؤوليتنا كمثقفين كبيرة ومصيرية، وتكمن في الأساس في السعي للحفاظ على المصالح العليا للوطن قبل أي شيء، بغضّ الطرف عن ميولنا الشخصية لصالح هذا الطرف أو ذاك من الفرقاء السياسيين الحاليين. غداً، حين تمر الأعوام، لن يذكر التاريخ لا رجال السياسة ولا الأحزاب والتيارات المتنازعة حالياً، بمن فيهم الإسلاميون. لن يبقى في ذاكرة التاريخ سوى ما يبدعه المثقفون من فكر يبقى تركة للأجيال المقبلة، لذا، علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: ماذا سنترك في النهاية لتاريخ بلداننا وتراثها الفكري والثقافي، بدل أن نستغرق في معارك سياسية آنية وهامشية لا جدوى منها»

الرواية ـ الوصية
بعد أربع سنوات من ذلك الحوار، الذي دار بيننا في صيف 1994، أصدر محمد ديب النص الروائي الذي قال إنّه كان يشتغل عليه حول «الحريق» الجزائري الجديد، تحت عنوان «مشيئة الشيطان» (منشورات «ألبان ميشال» ـ باريس ـ 1998). قادنا فيه إلى عالم سحري تتفاعل فيه الأسطورة بالواقع، ويتقاطع الشعر بالنثر، والأنا بالآخر، ويتلبّس التأمل الفلسفي بالحزن الصوفي الرقيق، ويتداخل الراهن الجزائري الدامي بالخرافة التاريخية في مسعى يختزل المسافة الفاصلة بين اليومي والرمزي. إذا بالأوّل يصبح ظلاً للثاني أو صورته منعكسةً على مرآة الزمان الرتيبة التي لا يجد أبطال الرواية ما يشغلون به وقتهم سوى التأمل فيها، لاسترجاع ذكرى الأيام الخوالي، والأحبّة الذين رحلوا، والعمر لم يعد سوى بقية رمق على مشارف النهاية الحتمية. يرتشفون قهوتهم المسائية، في هدوء حياتهم القروية، ويترقبونها كما يترقب المرء ضيفاً عزيزاً طال بعاده، لكنه متيقن تماماً أنه آت لا محالة. رغم انقطاع محمد ديب عن الكتابة عن واقع بلاده لأكثر من عقدين، منصرفاً إلى إنجاز «ثلاثية الشمال» وما أتبعها من أعمال روائية تدور حوادثها جميعاً في وسط أوروبي، إلا أنه استطاع أن يثبت في تلك الرواية أنّ سنوات المنفى الطويلة لم تحد من قدرته الفائقة على الإمساك بتفاصيل الأشياء وخصوصيات المكان، إذ يعيدنا في الصفحات الأولى من نصه إلى أجواء ثلاثيته الأولى، وما اشتهرت به من قدرة فائقة على التعبير عن واقع الحياة القروية بتفاصيلها وروائحها وناسها وعاداتها وطقوسها الرمزية الصغيرة.
ورغم أن حوادث العنف الدموي والمجازر البشعة التي شهدتها الجزائر في التسعينيات ألقت بظلالها الكثيفة على تلك الرواية ـ الوصية، إلا أنّ محمد ديب حرص على أن يختتمها بنبرة متفائلة في نص شعري قصير يلخّص بامتياز «المأساة الوطنية» الجزائرية. أنهى روايته قائلاً:
إنها حرب حالكة،
الليل فيها يَعدُّ طلقات الرصاص
والنهار يَعدُّ الموتى...
بانتظار غد أفضل.
إلى أن يسقط قناع الحرب يوماً،
فتسيل دمعة من هذه العين وأخرى
من العين المترصّدة بها.
ولعل الأنامل ذاتها التي ستمسح الدمعة الأولى،
أيضا ستمسح الدمعة الأخرى!

مؤلفاته
■ أصدر محمد ديب في الرواية 18 عملاً، من أبرزها 3 ثلاثيات شهيرة، وهي:
ـ «ثلاثية الجزائر الأولى»: «الدار الكبيرة» (1952)، «الحريق»(1954)، «النول» (1957).
ـ «ثلاثية الجزائر الثانية»: «من يتذكّر البحر؟» (1962)، «الجري على الضفة المتوحشة» (1964)، «رقصة الملك» (1968).
ـ «ثلاثية الشمال» أو «الثلاثية الاسكندنافية»: «شرفات أورسول» (1985)، «إغفاءة حواء»(1989)، «ثلوج من رخام»(1990).
في الشعر، أصدر 8 دواوين، من أبرزها: «الظلال الحارسة»(1961) و«تلك النار الجميلة» (1979) و Vive (1987) و«طفل الجاز» (1998).
■ في القصة القصيرة، أصدر 3 مجموعات، هي: «في المقهى» (1957) و«تاليسمان» (1966) و«الليلة المتوحشة» (1995).
■ في المسرح، أصدر نصاً مسرحياً واحداً بعنوان: «ألف تحية لمتشردة» (1980)، نقله إلى الخشبة «مسرح القلعة» الجزائري، سنة 1991 (اقتباس محمد بن قطاف ـ إخراج زياني شريف عياد).
■ في التراث الحكائي الشعبي، جمع محمد ديب الحكايات التراثية المتداولة بشكل شفوي في المغرب العربي، وأصدر منها أربعة كتب، هي: «بابا فكران» (1959)، و«حكاية القط الممتنع عن الكلام» (1974)، و«سالم والمشعوذ» (2000)، و«حكاية الخرتيت الذي كان يعتقد أنه قبيح الشكل» (2001).

عن جريدة قاسيون



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية