العدد (4546) الثلاثاء 2019/ 13/11 (انتفاضة تشرين 2019)       خروج أول مظاهرة عسكرية دعماً للمحتجين..هتاف في التحرير وقنابل غاز ضد المتظاهرين في الخلاني       مشاهد رئاسية عابثة الرئيس المقتدر ...!       غرد مثل خلف: فلافل مدمرة وبالونات سامة!       شقيق الناشطة يكشف التفاصيل الكاملة..ماري محمد تلتحق بصبا المهداوي في كهف الخاطفين       مثقفون: بحاجة لـمثقف يوجه الخطاب الجمعي نحو السلمية والمحبة والإصرار على التغيير       “المتطوعون” يهددون رهان الحكومة على عامل الوقت في فض تظاهرات ساحة التحرير       أصحاب «القمصان البيض» يسعفون المحتجين       البعد الثقافي للتظاهرات       يمثل إحدى أيقونات ساحة الحبوبي في الناصرية: رســام كـاريكاتـير أنجز 200 لـوحـة حـول المظـاهــرات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28530731
عدد الزيارات اليوم : 7877
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


قاسم عبد الأمير عجام.. المؤاخاة بين الصَّعيد والكاغد .. مقال فى حب الشهيد

رشيد الخيُّون
هل سمعتم  بمزارع صار كاتباً، أو بكاتب صار مزارعاً؟ نعم، هناك مزارعون كُتاب أو  كُتاب مزارعون! لكن إحدى الحرفتين كانت على سبيل الهواية لا الاحتراف. كاتب  محترف يلهو بالوَرْد وبالكروم، أو مزارع محترف يلهو بتشكيل الحروف إلا  قاسم عبد الأمير عجام فقد احترف الاثنتين ونبغ فيهما، آخا بين الفسيلة  والقلم، بين الصَّعيد والكاغد.


فجعت ليس بقاسم الذي كان أباً لنا نحن الشباب في الثقافة أوان السبعينيات حسب، بل وبغياب ظاهرة الكاتب المزارع، الذي ينقش على الورق وعلى الأرض البكر ليحيلهما إلى بساتين وكتب. ظاهرة نادرة في الأقل بين كُتاب العربية، فقد عرف العراق نوادرَ من المؤاخاة بين الحِرف والفنون، مثل الأطباء الفنانين والمهندسين الرسامين، والقضاة الروائيين، ورجال الدين الشعراء والناثرين، غير أن الجمع بين الفِلاحة والكتابة الإبداعية أمر آخر.
علّمنا قاسم كيف نتابع فلماً، ونهتز لأحداثه، علّمنا ذائقة المشهد السينمائي، كيف نحول وقت فراغنا إلى الجد الممتع. كان يتقدمنا إلى أفلام أسبوع السينما الإسبانية، عُرض أحدها في علاوي الحلة بغربي بغداد، تلك المحلة المكتظة بالجند والعمال، وبالباعة المتجولين، المحلة التي جذب إزدحامها البشري هواة العروبة والدين ففجروها في يوم شاتٍ.
كان قاسم عبد الأمير عجام يتحدث لنا عن الفلم الثوري، امرأة يقتل فرانكو زوجها اليساري فتحول حزنها إلى طاقة عجيبة لجمع التبرعات من أجل التواصل مع زوجها. كنا نمر بين أزقة العلاوي لنعبر جسر الصالحية صوب باب المعظم فالوزيرية. تخيلت لحظتها تلك الأزقة، مع نقد قاسم السينمائي الشفاهي، ساحة لنشاط تلك المرأة، وهي تتنقل من دار إلى دار. أي قارئ ومقترب من الثقافة، ناهيك عن المثقفين، مَنْ لا يعجب بقلم قاسم عبد الأمير عجام ونقوده السينمائية، التي يقرّب بها بين الفلم والمشاهد. لقد قرأنا في جريدة «طريق الشعب» بعد ما حدثنا به الناقد حول الفلم الإسباني، وكأنه كان يختبر سيل كلماته، أو يتمرن عليها أمامنا.
كنا نلتقي بمنزل من منازل الوزيرية، وليلة حضور قاسم من كلية الزراعة لا متحدث غيره، والكل عيال عليه وعلى فصاحته وباعه الثقافي. يحدثنا حول فيلم سيشاهده، ويدعونا لمشاهدته معه، أو يتحدث حول كتاب فرغ من قراءته. الصداقة معه لا يحدها العمر ولا المستوى الدراسي، فهو طالب الماجستير وأغلبنا في السنة الأولى من الجامعة أو المعهد. يجمع هذا المنزل أهل الجنوب والشمال والوسط، والشرط الوحيد لدخوله أن لا تكون بعثياً. لكن طلبة سودانيين اخترقوا تقاليد المنزل، فدخلوا علينا بشعار دكتاتورية البروليتارية، وهم من أزلام محمد دبدب السريين. أتذكر كان اسم أحدهم أبا عبيدة، كان فاحم السواد بينما الصحابي أبو عبيدة أحد المبشرين بالجنة البيضاء حيث لئلئة النور، كنا نلاطفه بهذه المفارقة. قال لنا أبو عبيدة ليزيد ثقتنا به: عرضوا عليَّ أن أكون بعثياً، لكني أجبتهم بثقة إذا طرح البعث شعار دكتاتورية البروليتارية سأنضَّم إليه! والحقيقة كان أبو عبيدة منضَّماً لهم ويتظاهر بالعوز والثورية وحب عبد الخالق محجوب أمامنا.
حدثنا قاسم عبد الأمير عجام في خريف 1974 عن فيلم سينمائي، لكنه من نوع آخر، فلم عرضت مشاهده حية في شوارع بغداد وأحيائها (خريف 1973)، إنه فيلم أبي طبر. سهرنا نسمعه حتى الفجر فحان موعد توديع صديقنا الاقتصادي حالياً ناجح العبيدي إلى برلين للدراسة.كان قاسم مقتنعاً، حينذاك، بوجود إرهابي عُرف بفأسه القاتل، ويتحدث عن إلقاء القبض عليه، ويفسر ويحلل لقاءه التلفزيوني هو وزوجته.
بعد التشدد على بيوت العازبين من موظفين وطلبة، ومع تقارير الأخوة السودانيين، أُخلي المنزل بل تفرق الجمع، ولم نعد نرى ونسمع قاسم عبد الأمير عجام إلا ما ندر. لكن أخباره لم تنقطع عنا، فقد أنهى دراسته العليا في كلية الزراعة، حتى أصبح خبيراً زراعياً، ساير هذا تفوقه في الكتابة والنقد الفني بالذات. ابتهجت لاشغاله مكانة مرموقة في وزارة الثقافة مؤخراً، فهو أحد أعمدة ثقافتنا المعاصرة، وأحد الموطنين أنفسهم على النزاهة والعفة، علمته الظروف كيف يحترس من اللئام، وكيف يحتفظ بميراثه في عيوننا.
مثلما أرادوها، فها هي أرضنا أصبحت كلها كربلاء وها هو زماننا أصبح كله عاشوراء. ما أن جف حبر رثاء عزِّ الدَّين سليم حتى فجعنا بمصرع مثقف طوى النفس على العفة، ووطن الذات على المقاومة بالصمت، يصرف الوقت بين حدائق كلية الزراعة، يُعلم زرع الوَرْد والعناية بالنخيل، بينما المدافع تقط رؤوس أخوات آدم، وتحيل الوَرْد إلى خراب.
ربما السؤال كان خائباً من الأساس حين أسأل لماذا قتلوا قاسم عبد الأمير عجام؟ هل كان خطراً على الدين أم كان خطراً على الأمن القومي؟ لقد ضحك صديق لي يوم جعلت مثل هذا السؤال عنواناً لرثاء العلامة حسين مروة (شباط 1987). قال: وهل تنتظر الإجابة من أحد؟ فهم هواة بل ومدمنو قتل وخراب لا يسبقهم إليهما الذئب الأجرد ولا غراب البين!
كانت رؤية المزارع الكاتب والناقد أحد مشاريع عودتي إلى العراق، أجدد معه عهداً ألذ ما فيه هو التلمذة، والغرور بوهم المعرفة والثقافة، والإنصياع للأستاذ، والإعفاء من عتب العارفين ومن مسؤولية العثرات أمام المحبين الأنقياء، لا خبيث يحصي العثرات علينا. كنا نتفاخر بمجالسة مثل مجالسة قاسم عبد الأمير عجام، وهاشم الطعان، وسالم الدباغ، والعلاقة مع فهد الأسدي، وكم كنت متباهياً أن أساير أحدهم في شارع الرشيد. لقد فجعت بموت أمنية إحياء مثل هذه المُباهاة.
مات هاشم الطعان وسالم الدباغ، وأقعد الشلل فهد الأسدي، وقُتل قاسم عبد الأمير عجام، المؤتلف بالوَرْد والحروف.

عن صحيفة الشرق الاوسط



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية