العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :25
من الضيوف : 25
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25443412
عدد الزيارات اليوم : 9457
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الكندي رائد علم المعادن

هو من الإثني عشر عبقريا الذين ظهروا في العالم...كاردانو

عدنان عاكف
كاتب راحل
الكندي  هو أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي. ولد في عام 185 هـ (801 م ) وتوفي عام  252 ( 866 م ). عرف باسم فيلسوف العرب الأول، وقد كان من العلماء  الموسوعيين العرب الأوائل، وله مؤلفات في علوم مختلفة. قال عنه ابن النديم  في الفهرست بانه " فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها ،  وفيلسوف العرب ".


 وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة، والحساب والموسيقى والنجوم والطب ". ولد في الكوفة وتعلم في البصرة، وبفضل مؤهلاته وقدراته ومعارفه المتنوعة بلغ مواقع متقدمة وحضوة لدى الخلفاء العباسيين.. له رسائل مختلفة في العلوم الطبيعية مثل في المد والجزر وفي المياه والأمطار، وفي الجواهر والأحجار. وقد ذكر له ابن النديم رسالتين في الأحجار هما : رسالة في انواع الجواهر وغيرها، ورسالة في أنواع الحجارة. أما الكتاب الأهم هو الذي ورد الحديث عنه في كتاب البيروني " الجماهر في الجواهر " وهو الذي سيكون الأساس الذي اعتمدناه في حديثنا عن الكندي والمعادن.

أشار البيروني في مقدمة كتابه " الجماهر في الجواهر " الى المصادر التي اعتمدها في تأليف كتابه، وقد ورد بهذا الصدد :
" ولم يقع إليً من هذا الفن غير كتاب أبي يوسف يعقوب ابن إسحاق الكندي في الجواهر والأشباه فقد أفرغ فيها قدرته، وأظهر ذروته، كاختراع البدائع في كل ما وصلت اليه يده من سائر الفنون، فهو إمام المحدثين وأسوة الباقين– ثم مقالة لنصر بن يعقوب الدينوري الكاتب لها بالفارسية لمن لم يهتد لغيرها، وهو تابع للكندي في أكثره – وسأجتهد في ألا يند عني شيء في مقالتيهما مع مسموع لي من غيرهما ".
بالإضافة الى كتاب " في الجواهر والأشباه " الذي أشار اليه البيروني، فقد ذكر ابن النديم في " الفهرست "ان للكندي رسالتين في الجواهر والأحجار ، لم يرد ذكرهما في كتاب البيروني، هما : رسالة في أنواع الجواهر الثمينة، ورسالته في أنواع الحجارة.
من المؤسف ان يكون كتاب الكندي ، الذي كان بوسعه أن يقدم لنا صورة قريبة من الواقع عن معارف العرب في المعادن والأحجار في المرحلة الأولى لنشوء الحضارة العربية الإسلامية – قد فقد منذ أمد بعيد. ويعتبر هذا الكتاب من أقدم المؤلفات العربية المعروفة في الأحجار والمعادن. والى هذه المرحلة تقريبا يعود مؤلف آخر هو كتاب الجواهر والأحجار، لأبي زكريا يحيى ( أو يوحنا ) بن ماسويه، وهو من معاصري الكندي ( توفي في 243 هـ )، وكان على علاقة به حتى ان الكندي ألف رسالة باسمه بعنوان: " رسالة في النفس وأفعالها الى يوحنا بن ماسويه ".
ليس أمامنا سوى ان نستعين بكتاب البيروني للحكم على ما ورد في كتاب الكندي. ويكفي ان اسم " الكندي " ورد خمسين مرة في كتاب " الجماهر "، وقد اقتبس البيروني فقرات مطولة، غطت جميع أنواع المعادن تقريبا، تناولت جوانبا مهمة من خواص المعادن والجواهر، ومناطق تواجدها وطرق معالجتها. ويستنتج من هذا الكتاب ان الكندي كان خبيرا كبيرا في المعادن والأحجار، وكانت له تجاربه العملية وخبرة كبيرة في معالجة المعادن بالنار، وهي طريقة علمية لمعرف جوانب من خواص المعادن، مثل تأثير النار على لون المعدن والشفافية واللمعان، وكذلك تأثير الخل والحوامض على المعادن. وكان الكندي فنانا بارعا في تصنيع الجواهر وصقل وجوهها وفي معالجة العيوب والشقوق وتنقية الجواهر من الندب والشوائب، التي تسيء الى المظهر والشكل، مما يؤدي الى انخفاض سعرها.
ويستشهد البيروني بآراء الكندي في الجانب النظري في الكثير من المواضيع، مثل أنواع الترسبات المعدنية، وطرق البحث عنها، وما يتعلق بتواجد المعادن سوية في الطبيعة وعن نوعية الصخور المرافقة لبعض المعادن واستخدامها كدليل للتحري عنها. وكان أول من درس البنية الداخلية للدر، وتناول بالتفصيل صفات اللؤلؤ ومنشأه.
وكان كتاب الكندي المرجع الأساسي الذي اعتمده البيروني عند تصنيفه لألوان الجواهر المختلفة. ويمكن القول انه وضع أساس المقياس اللوني. ويجب ان لا يغيب عن البال ان اللون في الماضي كان يعتبر الصفة المميزة الأولى للمعادن، وشكل الخاصية الأساسية التي اعتمدها العلماء لتصنيف الأحجار الكريمة. ولم يكتف بالألوان الطبيعية بل ابتدع ألوان صناعية جديدة من مزج مواد مختلفة اعتمدها في تحديد اللون والصبغة والنقاوة. وبواسطة النار كان يميز بين الحجر الكريم وأشباهه، أو بين الأحجار الكريمة ذات الألوان المتشابهة.. ويمكن القول ان الكندي كان أول من وضع الدرجات الأولى في " سلم الصلابة " والمعروف اليوم في علم المعادن باسم " سلم موهوس " والشي يتم بموجبه تحديد الصلابة النسبية للمعادن.
لقد انتقلت دراسة المعادن على يدي الكندي الى طور جديد.كان المهتمون بدراسة المعادن والذين كتبوا عن الجواهر إما من علماء الطبيعة " النظريين " ، الذين كانوا بعيدين كل البعد عن التجارب والدراسة العملية، والذين كانوا في غالبيتهم من المهتمين بتأليف الكتب والرسائل. فمن المعروف ان علماء اليونان كانوا بعيدين عن التجربة وكانوا يحتقرون العمل اليدوي، ومن بن هؤلاء من اهتم بالمعادن نذكر أرسطو وتيوفراستوس وبليني الأكبر وسترابون. أو كانوا من الأطباء ومصنعي الأدوية والذين كانت أهدافهم موجهة على دراسة الخواص الطبية لمختلف المعادن واستخداماتها في شتى المجالات الطبية. وهناك فئة الكيميائيين وأهل الصنعة الذين تركزت دراساتهم على التجارب المختبرية المختلفة، من أجل الحصول على الذهب والفضة من المعادن الأخرى وخاصة النحاس والرصاص. أما الفئة الأخيرة فكانت فئة الحرفيين والجوهريين، الذين كان اهتمامهم ينصب على الجانب المادي والتجاري.
لقد استطاع الكندي – لأول مرة - ان يجمع بين جميع هذه الفئات. ومن يقرأ الفقرات التي اقتبسها البيروني من كتابه يدرك جيدا انه أمام واحد من الخبراء الكبار ، وقد اعتمد في غالبة معارفه على تجاربه الشخصية، بالإضافة الى استقصاء الحقائق عن الخواص والحالات التي سمع عنها، ولذا كثير ما تتردد في نصوصه كلمات من قبيل : وجربته،واختبرته، ورأيت ذلك، ولم أرى ذلك، وعالجته بالنار فوجدت، ولم أتحقق منه، وهكذا. ولم تقتصر اهتماماته على الأحجار الكريمة، بل شملت معادن وفلزات متنوعة مثل الرصاص والحديد والنحاس، والزنك، وغير ذلك.
لكن يبقى انجازه الأكبر في الجانب النظري هو وقوفه ضد أهل الصنعة. وأهل الصنعة هو المصطلح الذي كان يستخدم لوصف من كان يعمل في مجال السيمياء، التي كانت تسعى الى تحويل المعادن الخسيسة الى معادن نفيسة. والسيمياء هي الكيمياء القديمة، والتي تمتد بجذورها الى الزمن البابلي، والتي كانت تسعى للحصول على إكسير الحياة وعلى الذهب من معادن أخرى. وارتبطت باسم العالم الكاهن الحكيم الأسطوري هرمس البابلي، الذي يقال انه هاجر الى مصر. يقول ابن النديم في الفهرست : " زعم أهل صناعة الكيمياء وهي صناعة الذهب والفضة من غير معادنها أنَّ أولَ من تكلم على علم الصنعة هرمس الحكيم البابلي المنتقل إلى مصر عند افتراق الناس عن بابل. وكان حكيماً فيلسوفاً وأنَّ الصنعة صحّتْ له وله في ذلك عدّة كتب.
ألف الكندي رسالة خاصة حاول ان يثبت بطلان العمل بالصنعة، واعتبر ان محاولة الحصول على الذهب والفضة من معادن أخرى مضيعة للجهد والوقت، وذلك في زمن كان الجميع يتحدث حول هذا الموضوع وأشار ( كما يذكر فدري حافظ طوقان في كتابه تراث العرب العلمي ) الى ان الاشتغال بالكيمياء بقصد الحصول على الذهب يذهب بالعقل والجهود، ووضع رسالة سماها " رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة وخدعهم " ولم يسلم الكندي بسبب موقفه الرافض هذا . فقد تعرض الى نقد شديد من فبل بعض العلماء المعاصرين له، ومن قبل علماء جاؤا من بعده أيضا. وقد يكون هو أول عالم يقوم بذلك، مع العلم ان الكثير من علماء الكيمياء المعروفين، مثل جابر ابن حيان وأبو زكريا الرازي، قد عملوا في مجال تحويل المعادن الى ذهب وفضة. وجدير بالذكر ان محاولات الحصول على الذهب تحولت الى علم مزدهر قائم بنفسه في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وظل هواة الثروة والمال يواصلون مغامراتهم العلمية حتى نهاية القرن الثامن عشر...
ليس عن طريق الصدفة ان يشكل العلماء الثلاثة : الكندي والشيخ علي ابن سينا وأبو الريحان البيروني الفرسان الثلاثة الذين يرفضون تلك الفكرة التي تسببت بإفلاس المئات من العلماء والباحثين عن الثروة في الشرق وفي الغرب على حد سواء. فالثلاثة كانوا علماء من الطراز الأول، سبقوا عصرهم وجمعوا بين المعرفة النظرية الواسعة والتجربة العملية. ويبقى الرائد بين العلماء الثلاثة هو فيلسوف العرب الأول، الكندي، الذي سبق زميليه بنحو قرنين من الزمن. ويكفي الكندي موقفه هذا ليخلد اسمه في مقدمة قائمة العلماء الكبار في علم المعادن وعلم الكيمياء
تعالوا لنتعرف عن قرب على الطريقة التي تعامل بها الكندي مع اللؤلؤ. كيف يتكون اللؤلؤ ؟ نسج خيال الإنسان شتى الأساطير " العلمية " منذ العصر اليوناني وحتى القرن التاسع عشر وهو يحاول الاجابة على هذا السؤال. وكانت جميع الآراء القديمة، اليونانية منها أو العربية التي تأثرت بها تقول بالمنشأ الخارجي للدر، أي ان الدر يتكون في داخل المحار نتيجة لأسباب وعوامل خارجية، مثل دخول الماء في داخل الصدف، أو من قطرات الندى، أو من قطرات المطر، أو تحت تأثير البرق، ...ألخ. مع العلم ان المحار الذي يحمل الدر في داخله يعتبر من الرخويات القاعية التي تلازم قاع البحر. تشير كتب التراث، وخاصة كتاب " الجماهر " ان هذا الرأي كان شائعا بالفعل في ذلك العصر وقبله، وقد أخذ به بعض العلماء أيضا – علماء من اليونان ( كان أرسطو في مقدمتهم ) وعلماء من بلاد الإسلام، ومن بينهم نصر الدينوري، وأخوان الصفا، والدمشقي، وغيرهم. وقد اعتبر البيروني ان هذا الرأي هو رأي العامة حيث قال : " ونصر يتبع رأي العامة في قوله ان اللؤلؤ يتكون من المطر، ثم يربيه الصدف فانه كالريق للإنسان، يقلبه في فمه، ويجليه. ويستدل على ذلك ان المطر كلما كان أكثر في سنة وأعجل في وقته كان وجود اللؤلؤ فيها أغزر وريعه أوفر "..
من المؤسف ان البيروني لم ينقل لنا موقف الكندي من رأي العامة، لكنا نستدل من كتاب " الجماهر " ان الكندي قد استشهد بقول أصحاب التجارب والتجار حول وفرة اللؤلؤ في المواسم والسنين التي تكثر فيها الأمطار. هل يعني هذا ان الكندي كان يميل الى رأي العامة ؟ ما ورد عن الكندي حول البنية الداخلية للدرة ينفي ذلك لأنه يتعارض مع رأي العامة. تعالوا نتعرف على ما ذكره الكندي حول تكوين الدر في الصدف :
" ان موضع الحب من البلبل ( كانوا يطلقون هذه الكلمة على المحار الصغير ) داخل الصدف مع حرفيها وما كان مما يلي الأذن والفم فهو الجيد ولهذا قالوا في الكبير انه يكون في حلقومه يديم دحرجته فتصبح استدارته ويزداد بالتفاف القشور عليه حتى يعظم – والدليل على حدوث الطبقة فيه بعد الطبقة، ان ما يكون في سطحه الأعلى، وإذا قشرت منه شابهت باطنها الصدف من غير رونق له، ثم يكون وجه المنقشر عنه على مثل وجه الأول، فيدل على ان وجه هذا الداخل كان وقتا ما بارزا منكشفا كوجه ذلك الأول ".
دعونا في البداية ان نغض النظر عن الفرق بين رأي نصر وبين رأي الكندي بشأن منشأ اللؤلؤ، ونركز على الفرق بين المنهجين الليان اتبعهما العالمان للتوصل الى الاستنتاج. لا أستطيع ان أتبين من كلام نصر ( وهو يعبر عن أصحاب المنشأ الخارجي ) انه اعتمد أي منهج للتوصل على ان الدر ينشأ من المطر. مجرد رأي سبق ان طرحه أرسطو، الذي لم يرى لؤلؤة في حياته. أما بشأن وفرة الدر في المواسم الممطرة فقد يكون الأمر مجرد كلام لا أساس له، أو ربما ان الأمطار الغزيرة وما تسببه من سيول على الشواطئ وما يرافقها من عواصف قوية و أمواج قد تؤدي الى اقتلاع المحار من القاع و قذفه على الشاطئ. ومن المنطقي ان نفكر بان الإنسان قبل أن يتعلم الغوص على اللؤلؤ كان يجمعه من المحار الذي تقذفه الأمواج على الشاطئ.
يختلف الأمر تماما مع نص الكندي.بغض النظر عن صحة استنتاجاته أو لا إلا اننا نجدن أنفسنا أمام باحث علمي بكل معنى الكلمة. باحث يستخدم ملاحظاته العينية الدقيقة، التي استقاها من تجاربه العملية، ليتوصل الى استنتاج نظري بحت. القشور أو الطبقات التي يتحدث عنها الكندي، التي تشكل بنية اللؤلؤة في غاية الرقة، ولا يزيد سمكها عن بضعة ميكرونات، أي لا يمكن رؤيتها بواسطة المجهر العادي بل لا بد من مجهر الكتروني ( الميكرون يساوي 0.001. سم ). كان الجوهريون يعالجون اللؤلؤ الفاسد بنزع الطبقات الخارجية التي عتم لونها وفقدت بريقها بسب تأثرها بالعوامل الجوية، كي تظهر الطبقات الداخلية التي ما تزال محتفظة بلونه وبريقها. وكان الكندي كما يبدو واحد من هؤلاء، فلاحظ البنية الطبقية أو الحلقية للؤلؤ. وبالطبع لم يكن بوسع الكندي أو غيره ان ينزعون عدد من الطبقات مجتمعة، وليس طبقة واحدة لا يمكن أن ترى بالعين المجردة. والكلام عن " حدوث الطبقة فيه بعد الطبقة " كلام سابق لعصره، ويعني ان ترسيب المادة كان يتم على شكل طبقات متعاقبة. ولو عدنا الى كتب الجيولوجيا، القديمة منها والحديثة فاننا لن نعثر على كلام كهذا يتناول الترسيب المتتالي للطبقات إلا في القرن السابع عشر، وتحديدا عن العالم الدنيماركي نيكول ستينو، Nicolas Steno (1638-1686), a pioneer in anatomy and geology والذي يعرف في المصادر العلمية بكونه " أب الجيولوجيا وعلم الطبقات "،و بكونه صاحب أحد المبادئ العلمية الثلاثة التي يقوم عليها العلم الجيولوجي الحديث، ويعرف هذا المبدأ باسم " مبدأ تعاقب الطبقات "!!!
لسنا هنا بصدد التشكيك بما قدمه ستينو لعلم الجيولوجيا، وهو بحق جدير بما ناله من لما قدمه لهذا العلم. قد يكون بالفعل مؤسس علم الجيولوجيا الحديث، ولكن هذا لا يعني انه بدأ من الصفر، ولم يسبقه أحد الى فكرة التتابع الزمني في تكوين الطبقات الصخرية والمعدنية. فقد سبقه الى تلك الفكرة المهمة في تطور علوم الأرض الكندي وابن سينا والبيروني. ليس ذنب هؤلاء العلماء ان البعض من الباحثين المعاصرين يجهلون ما تم التوصل اليه قبل نيكول ستينو بنحو ثمانية قرون.
ماذا يقوله هذا البعض من الباحثين المعاصرين بشأن معارف الإنسان عن منشأ اللؤلؤ ؟ يتوقف الباحث الروسي سوبليفسكي عند عدد من الآراء القديمة بعض أساطير شعوب الشرق والغرب، ثم يجزم على " ان أحدا لم يستطع ان يدرك ان المبدع الحقيق لهذا الكنز الرائع هو ذلك الحيوان الضعيف الذي اسمه المحار ".
لا ينفرد سوبلفيسكي بهذا الرأي، بل يشاركه به جميع الباحثين المعاصرين، الذين يعتقدون ان العلم لم يكتشف طبيعة المحار ومنشأه إلا في القرن التاسع عشر. وها هو عالم من أهل الشرق، د. عبد العليم أنور، يؤكد " الحقيقة " ذاتها فيقول :
"وقد حار العلماء في تعليل وجود اللؤلؤ في المحار ووردت كثير من الحكايات الخرافية حول أصله ونشأته في الكتب والمخطوطات، التي توارثناها من العصور القديمة أو الوسطى. ومن تلك الحكايات الشائعة ان اللؤلؤ يتكون عندما تسقط قطرات الندى في الصباح الباكر في داخل المحارة حينما تكون مفتوحة فتطهيها حرارة الشمس وتنضجها الى لؤلؤة ثمينة ! ومن تلك الآراء أيضا ان اللؤلؤ يتكون داخل المحار من تأثير البرق على أجسام هذه الحيوانات. ومنذ أكثر من قرن من الزمن ( هذا الكلام يعود الى عام 1967 ) ، اهتدى العلماء الى تفسير علمي لطريقة تكوين اللؤلؤ في جسم المحار ..".
ما يتضمنه كتاب " الجماهر " - وهو كتاب ورثناه من القرون الوسطى - من معلومات حول تكوين اللؤلؤ وأصله، تدحض هذا الرأي الذي يفتقر الى المقومات التاريخية، وتضعه ضمن مجموعة الحكايات الخرافية التي نسجناها في القرن العشرين ونحن ندون تاريخا مشوها للعلم وتطور المعرفة. فما بين تلك الحكايات والنظرية الحديثة طرحت مجموعة من الفرضيات والآراء العلمية السليمة، التي مهدت الطريق لظهور النظرية الحديثة. لم يعرف العرب التركيب الكيميائي لمادة اللؤلؤ، ولم يعرفوا أسماء المعادن التي تدخل في تركيبة تلك المادة، فهذه كلها معلومات توصل اليها العلم في القرن العشرين. أما ما يتعلق باكتشاف ان اللؤلؤ ذو بنية طبقية وانه يحوي في داخله على نواة أو مركز تترسب وتنمو حوله المادة اللؤلؤية، وان الحيوان الرقيق الضعيف الذي اسمه المحار هو المذنب الأول في تلويث البيئة بسبب اللآلئ التي يبدعها في داخله، فهي ، كما رأينا اكتشافات قديمة ورثناها من القرون الوسطى، وعمرها أحد عشر قرنا.
علينا في النهاية ان آراء الكندي تنطوي على أهمية علمية بالغة، لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين. عاش الكندي في المرحلة التي كانت فيه الحضارة العربية الإسلامية تحاول شق مجاري المعرفة، والتزود بالعلم من مصادر متنوعة.

عن الحوار المتمدن



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية