العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25443067
عدد الزيارات اليوم : 9112
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من مذكراتهم..العراقي الشابندر: صراخ وصخب في نورنبرغ

كان موسى الشابندر واحداً من  مخضرمي السياسة العراقية... وهو الذي أمضى جزءا كبيرا من حياته خلال النصف  الأول من القرن العشرين في مجلس النواب العراقي ثم في السلك الدبلوماسي كما  أمضى فترة وزيرا للخارجية أيام انقلاب رشيد عالي الكيلاني.
ومن ضمن  المناصب التي شغلها الشابندر منصبه في السفارة العراقية في برلين، ما أتاح  له أن يشهد صعود النازية وأوج مجدها في وقت كان العرب يميلون بجدية ناحية  هتلر.


 وفي هذه الصفحة من كتابه «ذكريات بغدادية» يحدثنا الشابندر عن حضوره مؤتمر النازيين في نورنبرغ العام 1936 والذي وصل فيه مشهد قوتهم إلى ذروته.

يبدأ موسى الشابندر حديثه عن مدينة نوربنرغ متأملا بقوله: للمدن نصيب الرجال منها ما يشغل في تاريخ البشر موقعا ساميا، ومنها ما يعلو ويرتفع ثم يسقط ويندرس. ومدينة نورنبرغ التي كانت مشهورة بمعاملها لألعاب الأطفال ونسيج الحرير.
ومبانيها التي احتفظ بها منذ القرون الوسطى والتي كانت تعد من المدن البافارية الهادئة، وأصبحت مركز المؤتمرات للحزب النازي، وكتب عليها أن تكون الآن المدينة التي تجتمع فيها المحكمة الدولية لمحاكمة كبار النازيين المتهمين بإثارة الحرب واقتراف الجرائم.
بالنسبة إلى الشابندر كانت غايته هنا، إذ يكتب هذه الصفحة من مذكراته أيام محاكمات نورنبرغ، أن يتذكر ما حدث في تلك المدينة نفسها قبل ذلك بعقد واحد من الزمن تقريبا، حين شهد فيها هو وبعض المدعوين من العرب الآخرين بين ملايين الألمان وألوف الأجانب، أعظم احتفالات أقامها النازيون لإرعاب العالم والتعبير عن عظمتهم.
وهكذا يواصل الشابندر حديثه قائلا: هناك كان يقف بالأمس الفوهرر محاطا بغورنغ وغوبلز وكبار القواد والزعماء من الحزب الاشتراكي الوطني، وهو يخطب ويلقي درسا للعالم ويوعد ويتهدد.
وهناك اليوم يجلس غورنغ وهس وربنتروب والقواد وكبار الزعماء في قفص الاتهام يستمعون إلى الاتهامات المروعة والتأنيب القارص من الحكام الانجليز والأميركيين والروس والفرنسيين على رؤوس الحراب. كانت نورنبرغ مسرح العظمة النازية وهي الآن مسرح تحطيم تلك العظمة.
وإذ يقول هذا، يعود الشابندر في الزمن إلى الوراء ليتذكر كيف دعي مع الأمير زيد والهيئة الدبلوماسية لحضور مؤتمر نورنبرغ «فقررنا الذهاب أسوة بالوفود الدولية الأخرى. حصلت على بطاقة دعوة ليوسف بك إبراهيم وسافرت معه، ونزلنا ضيوفا على الحكومة هناك». يومها سكن رؤساء الممثليات .
ومن ضمنهم الأمير زيد في القطار المعد خصيصا لذلك بينما وزع الباقون على فنادق المدينة. وفي اليوم العاشر من سبتمبر افتتح المؤتمر باستعراض في ساحة الزبلين. فمر أمام هتلر 45 ألف شاب مدرب على الطريقة العسكرية... وكانت لكل فرقة اعلامها وجوقتها وقوادها، والفرق الوحيد بين هذه التشكيلات والجيش، حسب الشابندر.
هي أنها كانت تحمل المعاول والمماسح بدلا من البنادق. أما الانتظام «فكان حسب العادة الألمانية كاملا من جميع الوجوه وكان يستوجب حيرة الأجانب الذين لم يتعودوا عليه» ذهبت المجموعة العراقية ليلا إلى المؤتمر، كما حال الوفود جميعا حيث سمعت خطابا لروزبنرغ وآخر لغوبلز «هما عبارة عن مدح وثناء للفوهرر والحزب، وذم وقدح للشيوعيين واليهود ومعاهدة فرساي، وحماس وتصفيق وأعلام وموسيقى حسب المعتاد».
في اليوم الثاني، يروي الشابندر، أخذونا أنا ويوسف بك وجماعة من المدعوين إلى مدينة صغيرة بالقرب من نورنبرغ لرؤية المباني القديمة، وهي البلدة الشهيرة روتنبورغ. هنا لا نجد بناية واحدة جديدة إذ لا يسمح لأحد أن يبدل طراز البلدة القديم، فبقيت كما في القرون الوسطى عبارة عن شوارع ضيقة ودور واطئة صغيرة.
وهكذا أصبحت هذه البلدة الصغيرة محجا للعالم والزائرين الذين يرغبون في قضاء ساعات أو أيام في محيط محافظ على طابع القرون الوسطى. عدنا مساء إلى نورنبرغ وشهدنا ليلا، استعراض «الزعماء» للكتائب الهتلرية- أعلام وموسيقى.
وفي اليوم الثالث حضر الشابندر وصحبه استعراض الشباب الهتلري، الذي ضم عشرات الألوف من الفتيات والفتيان مع زعيمهم بالدور فون شيراخ. وكان الحماس لدى هؤلاء الشباب يفوق حماس الآخرين، فلما طاف هتلر بين صفوفهم أخذ الهتاف يعلو بحياة الزعيم والصراخ يصم الآذان انه شيء يشبه الإيمان بالنبوة والمعجزات... بنبوة الإنقاذ ومعجزات الدعاية، حسب الشابندر.
وفي اليوم الرابع جرى استعراض الكتائب النازية، وقد فاق ذلك الاستعراض كل ما كان شاهده عراقيونا حتى ذلك اليوم، ولا سيما المهرجانات الليلية في شوارع نورنبرغ وقد شاهدنا شبان الإس.إس. بلباسهم الأسود وخوذاتهم السود ومشاعلهم الملتهبة وخطواتهم التي تهز الأرض وأناشيدهم المتعالية إلى السماء. كل هذا كان يضفي الرعب على القلوب.
ولقد دعي الوفد العراقي في تلك الليلة إلى العشاء في معسكر لفرق الإس.إس خارج المدينة، وكان رئيسهم هملر في استقبال المدعوين الذين شهدوا هناك نفس المظاهر: مشاعل ولباس اسود ونار ودخان وموسيقى وهتاف وأعلام فراحوا يشعرون أنهم في غير هذا العالم بل في عالم مسارح فاغنر.
وفي اليوم الخامس والاهم شاهد الحضور استعراض الجيش بمشاته وفرسانه ودباباته ومدافعه وقواده وضباطه وطياريه. وأجريت في ساحة الزبلين مناورة عسكرية فانقلبت الساحة إلى ميدان حرب حقيقي، وعلا الدخان وانفجرت القنابل ودوت المدافع والرشاشات وطنت البنادق وأسرعت سيارات النقل والإسعاف وسط ذلك الجحيم بإحضار الأطباء والممرضات حتى يكاد الإنسان ينسى نفسه .
ويشعر انه أمام مجزرة حقيقية لا مهزلة من مهازل الحضارة الأوروبية، وفي تلك الليلة ذاتها، وكختام سياسي لكل ذلك ذهبت الوفود في تلك الليلة إلى بناية المؤتمر حيث استمعت إلى خطبة هتلر الختامية وكانت - كما رأى الشابندر- بالطبع كسائر خطبه صراخا وهياجا وتصفيقا وهتافا.
وعلى ذلك النحو انتهى ذلك المؤتمر التاريخي وعاد الجميع إلى بلدانهم وديارهم، أما العراقيون فقد عادوا إلى برلين ونحن أحوج ما نكون إلى الراحة والسكون. ويفيدنا الشابندر إلى أن المؤتمر النازي حمل يومها اسم «السلام»®®.
وكان ذلك في العام 1936 قبل ثلاثة أعوام من بدء النازيين الحرب العالمية الثانية. وقد حضر نورنبرغ يومها للمرة الأولى السفير البريطاني السير نيفل هندرسن، وغيره من سفراء الدول، حيث لم يتخلف عن الحضور السفير الروسي والسفير الفرنسي». ويعلق الشابندر هنا: لو كان كل هذا الهياج والحماس وهذه الاستعراضات والمظاهرات العسكرية في سبيل مؤتمر السلام، فما عساه يكون الوضع لو كان المؤتمر حربيا.
والحقيقة، يقول الشابندر، أن الحزب النازي لم يولد إلا بتأثير الضغط ومعاهدة فرساي وفشل الديمقراطيين الألمان في رفع الأثقال عن ألمانيا. وما تلك المظاهرات إلا لما يساور النفوس الثائرة على فرساي وأبطالها وذبول هذه المعاهدة وقصر نظر الحضارة الأوروبية.

عن (البيان) الأماراتية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية