العدد(4455) الاثنين 24/06/2019       الملكة عالية واسرتها وفاة الاميرة جليلة .. إنتحار ام ماذا ؟       في 26 حزيران 1948 عندما اصبح مزاحم الباجه جي رئيسا للوزراء       في ذكرى ولادة امير الشعر العربي في 22 حزيران 1861 الملا عبود الكرخي.. طرائف ومواقف       في مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة سنة 1932 محمد القبانجي - "نجم فوق العادة"       كيف بدأت الحكومة العراقية بالحفاظ على اثار العراق القديمة ؟ مستشار بريطاني وراء تهريب اثار نادرة ..       من تاريخ بغداد العمراني..بناية مكتبة الاوقاف العامة في الباب المعظم.. كيف شيدت وكيف نقضت ؟       في انقلاب بكر صدقي 1936.. حادثة غريبة وروايتان مثيرتان       العدد (4453) الخميس 20/06/2019 (أحمد حامد الصراف)       الصراف الاديب والقاضي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :42
من الضيوف : 42
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25922749
عدد الزيارات اليوم : 8095
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


في بواكير حياته.. علي الوردي بين مهنة العطارة والعودة للمدرسة

علي طاهر تركي
نشأ علي الوردي  وترعرع في بيت صباه ، طلت اعتابه عند زقاق "محلة الشيوخ" ، واشرفت نوافذه  الخلفية على "محلة الانباريين" ، وهوأمر مكنه من الاختلاط مع أطفال  المحلتين، وبالتالي الاحتكاك والتعرف على عادات وتقاليد واعراف هاتيك  المحلتين المتباينة في جوانب والملتقية بأخرى ، وفقاً لأسس النشأة والتكون  في أصولها العشائرية وتركيبها السكانية ، فضلاً عما اتسمت به من أنشطة  معرفية وحرفية اثرت في تشكيل خصائصها الاجتماعية .


بدأت رحلته الشاقة في مضمار الدرس والتعلم مع نهاية الحرب العالمية الاولى ، وهو ابن خمس سنوات ، معتمراً عمامة خضراء دلالة نسبه الشريف الى البيت العلوي ، حيث درس مبادئ القراءة والكتابة وشيء من الحساب ، الى جانب حفظه للقرآن الكريم ، في احدى (كتاتيب) الكاظمية في مسجد قرب دار أبيه . استكمل علي بعد ذلك دراسته في احدى مدارس الكاظمية ، على الرغم من نظرة الريبة والازدراء من المجتمع المتخلف ازاء المدارس الحديثة أو كما اطلقوا عليها يومئذ بـ"المكتب" ، وهي نظرة من مخلفات العهد العثماني ، تركت اثرها الفاعل في عزوف العديد من ابناء المدن عن ارسال اولادهم الى المدارس .

لم يستكمل علي الوردي دراسته في المرحلة الابتدائية ، اذ اخرج من المدرسة في عام 1927 وهو في الصف الاخير من دراسته ، وزج به في دكان احد أقربائه ، ليتعلم عنده، وعلى حد تعبيره ، (فن العطارة) من بيع وشراء ، لقاء أجر شهري قوامه خمس ربيات فقط ، بيد ان هذا التغيير المفاجئ والطارئ في مساره التعليمي لم يرقه ولم ينسجم معه ،  اذ وجد نفسه غريباً في وسط (العطارة) ، وما يتعلق بها من معاملات التسوق وتعاملات زبائنه.

فلا غرو اذ نجده مقتنصاً كل فرصة سانحة لولوج عالمه الخاص ، حيث المطالعة وقراءة الكتب داخل دكان العطار ، وهو أمر قوبل بالرفض والاستهجان من رب العمل ، مشدداً على ضرورة الاهتمام بأصول المهنة من إغراء وجلب للزبائن ، محذراً إياه في الوقت نفسه من مغبة التقاعس عن العمل ، والتوجه ، وعلى حد تعبيره ، نحو "قراءة لا تغني ولا تسمن"، متوعداً أياه بالطرد من العمل إذا استمر في نهجه هذا .

ضاق ذرعاً به صاحب الدكان ، فقرر الاستغناء عن خدماته ، فتنفس الوردي الصعداء لحرية طال انتظارها لسنوات خمس . ناءت بأوزارها عليه الى حد وصفها بـ"أبشع فترة" في حياته ، بل و"مرارة لا حد لها" ، لاسيما انها وقعت وهو في خضم سني المراهقة وريعان الشباب ، مما زاد من معاناته وتأثره في هذه المرحلة الحرجة من عمره معاناة اضافية اثرت في تكوينه الشخصي تأثيراً كبيراً ، اكده وبصورة لا لبس فيها في احدى لقاءاته الصحفية اذ جاء فيها ما نصه :
" لقد أمضيت في مهنة العطارة نحو خمس سنوات ، وكانت تلك أبشع فترة في حياتي … وكنت في تلك الفترة اجتاز مرحلة المراهقة والبلوغ ، وهي مرحلة ذات أهمية بالغة في نمو شخصية الانسان ، ولعلني لا أغالي اذا قلت بأن شخصيتي نمت على أساس من المرارة لا حد لها "  .

اصطدم داخله التواق في الرجوع الى فصول الدراسة ومتابعة تعليمه برغبة أسرته العارمة في ضرورة ممارسة عمل يتكسب منه ويعيله في أمور دنياه ، وهو أمر أضطره على مضض ان يعود الى مهنة العطارة ، ولكن هذه المرة افتتح دكانه الخاص به ، فجمع بين المهنة والرغبة العارمة في القراءة ، بل ووجد متسعاً لكتابة اولى مقالاته في موضوعات متنوعة ، أرسل العديد الى مختلف الصحف والمجلات البغدادية يومئذ ، متأثراً بما طالعه في هذه المدة من مقالات واخبار تناولتها الصحف والمجلات المصرية والشامية ، وحازت على اهتمامه الكبير "الهلال" و "المقتطف" و "الرسالة" و "الثقافة" ، بيد ان مقالاته تلك لم تلق اهتماماً من الصحافة العراقية ، ولم يجد الكثير منها طريقه للنشر.

استمر على هذا المنوال بين القراءة والكتابة ، حتى جاءت انعطافه تاريخية مهمة في حياته وذلك خريف عام 1931 ، تلك الانعطافة المتمثلة في عودته الى مقاعد الدراسة مرة اخرى ، عندما علم يوماً بافتتاح مدرسة ابتدائية مسائية في الكاظمية ، عندها قرر التسجيل فيها والانضمام الى فصولها الدراسية وملؤه حماسة وشغف بحب العلم ، ترجمه الى تفوق في الدراسة ، اهله الى استكمال دراسته الاولية في مرحلة المتوسطة ، فانتقل للدراسة في "متوسطة الكرخ" ، تاركاً دكانه ومهنة العطارة دونما رجعة ، مستثمراً أرباحه فيها في الانفاق على دراسته التي عدها تطوراً "ذا أهمية كبيرة" في حياته .
شكلت مرحلة دراسته في المتوسطة والانتقال الى الكرخ ، تغييراً كبيراً اثر في تكوينه الشخصي ، ليس أقله الانتقال من زي (الملائية) الى البنطال والسترة والسدارة زي (الافندية)، انتقال حمل في طياته معنى ومعنى ، فهو ليس تغيير ملابس فحسب كما عدها الوردي نفسه ، بل تغيير رؤى وافكار ، كانت تصطدم مع واقع متخلف ، تمسك وسط حيوي من ناسه بكل ما هو قديم تقليدي رافض لكل مظهر من مظاهر التغيير والتجديد. فلا مراء اذ نجد الوردي في ذهابه وايابه الى المدرسة ، قد سلك مساراً عبر الازقة والطرقات الضيقة في الكاظمية ، تجنباً لما كانت ترمقه بعض اعين العامة من نظرات امتعاض واستهجان لارتدائه زي الافندية غير المقبول في وسطها ، بل ان البعض عدّ ارتداءه بيع (الدين بالدنيا) ، ومفسدة للسلوك القويم وابتعاداً عن الاخلاق الحميدة .

لم تهن همته او تلن عريكته على الرغم من المعوقات والمعاناة الملاحقة لمسيرته الدراسية ، أذ كانت تزيده اصراراً وعزماً ، و لم يقنع طول سني دراسته في المرحلة المتوسطة دون الحصول على المرتبة الاولى بين اقرانه من التلاميذ ، متوجاً هذا التفوق بإحرازه المرتبة الأولى على عموم العراق في الامتحانات العامة (البكلوريا) صيف عام 1935 ، فكانت النتيجة مدعاة فخر وابتهاج استاذه المدرس ، وهو ما اثر في دفع مدير المدرسة الى تقديم توصية الى وزارة المعارف (التربية) ، لمنح الطالب المتفوق اعانة مالية شهرية تعينه على استكمال دراسته في المرحلة الاعدادية ، فوافقت الوزارة على منحه ديناراً ونصف شهرياً ، وهو امر لم يستمر طويلاً اذ سرعان ما انقطعت عنه المنحة ، وحولت الى طالب اخر بسبب المحسوبية والمنسوبية ، التي طالما عانت منها البلاد والعباد معاناة كبيرة ، فترك ذلك اثراً عميقاً في نفسه لازمه الى أواخر حياته .

عن رسالة (علي الوردي جهوده الفكرية وآراؤه الإصلاحية )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية