العدد(4414) الاثنين 22/04/2019       من تاريخ الصحافة العراقية:صحفي عراقي رائد .. و منسي .. داود صليوا .. كيف بدأ ؟ وكيف انتهى ؟       من طرائف السياسة في العهد الملكي.. عندما اخرج مزاحم الباجه جي من مجلس الاعيان       بعد ان كانت على مرحلتين..كيف بدأت الانتخابات النيابية المباشرة سنة 1952؟       ثمانون عاما على افتتاح جسر الشهداء       لنتذكر اسم جقماقجي .. اول محل للتسجيلات الفنية       24 نيسان 1861 .. شركة بيت لنج للنقل النهري..بين الفرمان السلطاني والتأسيس الحقيقي       مطرب المقامات العراقية اسماعيل الفحام ..هكذا كانت البداية ..       العدد (4412) الخميس 18/04/2019 (سعاد العطار)       سعاد العطار عراقية تنسج الحلم الأسطوري    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25049987
عدد الزيارات اليوم : 8557
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


في رحاب فكر "فراس السوّاح" الميثولوجيا والأديان

مهدي جعفر   
    ما إن  نتحدث عن الأساطير و التراث الحضاري و التاريخي للأديان حتى يلمع اسم "فراس  السواح" ، ذلك العظيم الذي أرغى بحثه في الميثولوجيا و تعمق في تاريخ  الأديان ، ذلك الباحث الرصين القليل الظهور ، بل الذي غالبا ما يقترن ظهوره  للجمهور بظهور أحد تحفه من الكتب و الدراسات ، التي عودنا أن تكون متدثرة  بعباءة التاريخ و مكسوة بتحليل فينومينولوجي يستخرج المعنى من بطون الحوادث  سواء كانت فكرا أو ظواهر ينسحب عليها نسيم القداسة ،


 تلك هي ميزة كتب السواح التي غالبا ما تسر الباحثين و تحفز القارئين عن الغوص في البدايات ، في سبيل الإقتراب من هذه البدايات سنحاول في هذه المقالة أن نعرج على أهم كتب فراس السواح ، بدءا بـ "مغامرة العقل الأولى" مرورا بـ " لغز عشتار " و "دين الإنسان" وصولا إلى كتابه الأخير "الله الكون و الإنسان" ، كما سنستأنس بكتب أخرى من أجل فهم أعمق و رؤية شاملة لتاريخ الأفكار المقدسة ، على غرار كتب المؤرخ العراقي المرموق "خزعل الماجدي" ، و الأستاذة الباحثة في الميثولوجية الشرقية "ميادة كيالي" ، مع تسجيل اقتباسات و ملاحظات من هنا و هناك لفطاحلة علم الأديان مثل "ملتشيا إلياد" و "غواشيم واش" و غيرهم  ، كل ذلك في جزئين ، هذا الأول و الثاني سيأتي لاحقا .

  نستهل المراجعة بأول تحف فراس السواح و أكثر كتبه شهرة و هو الذي وقع عليه اسم "مغامرة العقل الأولى" ، إذ من العنوان يتضح أن موضوع الكتاب يدور حول نمط أو شكل أولي من أشكال الفكر الإنساني البدائي أو القديم ، المقصود هنا هو "الأسطورة" ، إذ يصف السواح السياق التاريخي لتشكل الفكر الأسطوري كالتالي : “عندما انتصب الأنسان على قائمتين رفع رأسه الى السماء ورأى نجومها وحركة كواكبها ، وأدار رأسه فيما حوله فرأىالأرض وتضاريسها ونباتها وحيوانها ، أرعبته الصواعق , وخلبت لبه الرعود والبروق ، داهمته الأعاصير و الزلازل والبراكين ولاحقته الضواري ، رأى الموت وعاين الحياة . حيرته الأحلام ولم يميزها تماماً عن الواقع ، الغاز في الخارج و أخرى في داخله . غموض يحيط به أينما توجه وكيفما أسند رأسه للنوم تعلم أستخدام اليدين وصنع الأدوات ,وفي لحظات الأمن وزوال الخوف , كان لدى العقل متسع للتأمل في ذلك كله . من أين أتينا ؟ لماذا نعيش ؟ ولماذا نموت ؟ لماذا خلق الكون وكيف ؟ إلى اخر ما هنالك من أسئلة طرحت نفسها عليه . كان العقل صفحة بيضاء لم ينقش عليها شيء , و كأنه عضلة لم تألف الحركة خارج نطاق الغريزة , وبعد حدود رد الفعل ، ومن أداته المتواضعة هذه , كان عليه أن يبدأ مغامرة كبرى مع الكون ، و قفزة أولى نحو المعرفة ، فكانت الأسطورة ، وعندما يئس الأنسان تماماً من السحر ، كانت الأسطورة كل شيء له تأملاته وحكمته ، منطقه وأسلوبه في المعرفة ، أداته الأسبق في التفسير والتعليل , أدبه وشعره و فنه , شرعته وعرفه و قانونه ” (1) .

  هنا يصل السواح إلى تعريف مبدئي للأسطورة معتبرا إياها : ” انعكاساً خارجياً لحقائق الإنسان النفسية الداخلية ، فالأسطورة نظام فكري متكامل , استوعب قلق الانسان الوجودي , و توقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه , والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه ، إنها بحث عن النظام حيث لا نظام , وطرح الجواب على ملحاح السؤال , و رسم لوحة متكاملة للوجود , لنجد مكاننا فيه و دورنا في ايقاعات الطبيعة . إنها الأداة التي تزودنا بمرشد ودليل في الحياة , ومعيار أخلاقي في السلوك , إنها مجمع الحياة الفكرية والروحية للإنسان القديم ” (2) . الأسطورة حكاية مقدسة , يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة , أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة , بل واقع حصلت في الأزمنة الأولى المقدسة , إنها سجل أفعال الآلهة , تلك الأفعال التي أخرجت الكون من لجة العماء , و وطدت نظام كل شيء قائم , و وضعت صيغة أولى لكل الأمور الجارية في عالم البشر. فهي معتقد راسخ , الكفر به فقدان الفرد لكل القيم التي تشده إلى جماعته وثقافته , و فقدان المعنى في الحياة .

   الأسطورة , حكاية مقدسة تقليدية , بمعنى أنها تنتقل من جيل إلى جيل , بالرواية الشفهية . مما يجعلها ذاكرة الجماعة , التي تحفظ قيمها وعاداتها وطقوسها وحكمتها , وتنقلها للأجيال المتعاقبة , وتكسبها القوة المسيطرة على النفوس . فهي الداة الأقوى في التثقيف والتطبيع والقناة التي ترسخ من خلالها ثقافة ما وجودها واستمرارها عبر الأجيال وحتى في فترات شيوع الكتابة . لم تفقد الأسطورة الشفهية قوتها وتأثيرها,  ذلك أن الألواح الفخارية كانت محفوظة في المعابد و في مكتبات الملوك , و لا تلعب إلا دور الحافظ للأسطورة من التحريف بالتناقل . وبقي السمع هو الوسيلة الرئيسية في تداولها . وفي أكثر من مناسبة دورية , كانت الأساطير تتلى أو تنشد في الإحتفالات الدينية العامة , من ذلك مثلاً , أعياد رأس السنة في بابل , حيث كانت تتلى وتمثل أسطورة التكوين البابلية . وأعياد الربيع حيث كانت تتلى و تمثل عذابات الإله تموز  .

  بعد ذلك ينتقل السواح إلى تقسيم الكتاب بأسلوب المنهج المقارن تبعًا للمواضيع و ليس تواريا خلف الفترات الزمنية ، ليبدأ بـ “سِفر التكوين” مرورًا بقصة الطوفان ، ثم الفردوس المفقود ، قابيل وهابيل ، و انتهاءً بالإله المخلّص و الرحلة إلى العالم الأسفل  ، بحيث يتألف كل سِفر من عدّة فصول تتناول كلّ منها مكونات الأسطورة لدى أحد الشعوب القديمة (السومريون، البابليون، الكنعانيون…) ، إذ يرى السواح ضرورة الإيمان بالوحدة الثقافية للمنطقة ، وأهمية دراسة الأساطير من خلال منظور شامل و إلا ستبقى عصية على الفهم ، ذلك ما قام به الأستاذ فراس ، فقد تناول الأساطير التوراتية ، و بعض الأفكار الدينية السائدة في المنطقة الشرقية ، و قارنها مع أساطير الشعوب المجاورة ، كما تتبع الأصول المشرقية للأساطير الإغريقية ، ذلك من خلال أسلوب أدبي رفيع المستوى .

  تطرق المؤلف للديانة اليهودية ، مهتما بها في سياق تاريخي مستعيناً بالتوراة من جهة و بالأساطير التي عاصرت فترات كتابته من جهة أخرى ، إذ يرسم العلاقة بينها مفصلاً في الخلق ، و الجنة و النار ، مولياً اهتماماً خاصاً لقصة قابيل وهابيل آنفة الذكر ، موضحاً قصة ذاك الخلاف بين الرعي و الزراعة .

  إذ أبدى السواح بالأساطير اهتماما التي تُعنى بوصف الجنّة و الحلم الذي انتظره الإنسان بعد الظلم الذي تعرض له في الدنيا ، يعرِّج بعدها الكاتب على الصراع الدائم بين المجتمعين الزراعي و الرعوي و الذي تجلى في الأساطير من خلال الصراع بين قابيل المزارع وهابيل الراعي (3) . لم يتوقف الكاتب عند هذا ، بل ذكر أساطير العالم الأسفل، و كيف تجلَت صوره عند كل جماعةٍ معتمداً على ترجمة النصوص الكاملة لأهم الأساطير المعروفة دون تخلٍّ أو تزييف لها و لم ينس ذكر آيات من القرآن تتشابه فكرتها مع أساطير شعوب الشرق القديم  .

  مثال ذلك أسطورة الخلق من الطين ، التي تحفل بها كل تفاسير أديان التوحيد و تعزي عبرها أصل الإنسان (الرجل) إلى التراب و خلق المرأة من ضلعه ، إذ يناقش السواح بعض الباحثين في السومريات في أن كلمة (تي) في السومرية تعني ضلع ، و لكنها تعني أيضاً (أحيا) أو (جعله يحيا) أما كلمة (نن) فتعني سيدة ، انطلاقا من استنتاج بعد بحث أن اسم "ننخرساج" تعني سيدة الجبل ، على هذا يكون اسم الإلهة (ننتي) يعني سيدة الضلع أو السيدة التي تحيي ، هذه السيدة شبيهة بحواء في الثوراة التي أخذت من ضلع آدم فهي سيدة الضلع وهي حواء بمعمنى التي "تحيي" ، إذ ذاك ما "سرقته" أو لنقل على الأقل استعارته المسيحية و الإسلام لتفسير أصل الإنسان الأول .

  فالأسطورة السومرية المتعلقة بخلق الإنسان ، هي أول أسطورة خطتها يد البشر في هذا الموضوع ، وعلى منوالها جرت أساطير المنطقة ، والمناطق المجاورة التي استمدت منها عناصرها الأساسية ، وخصوصاً فكرة تكوين الانسان من طين ، و فكرة تصوير الإنسان على صورة الآلهة (4) .

   أما لماذا خلق الانسان ؟ فإن الاسطورة السومرية لا تتردد في الاجابة على هذا السؤال ولا توارب في صحة الجواب ، فالانسان خلق عبداً للآلهة ، يقدم لها طعامها وشرابها ، ويزرع أرضها ويرعى قطعانها , خلق الأنسان لحمل عبء العمل ورفعه عن كاهل الآلهة. فمنذ البدء كانت الآلهة تقوم بكل الأعمال التي تقيم أمورهم وتحفظ حياتهم , ولكنهم تعبوا من ذلك فراحوا يشتكون "لأنكي" الحكيم , ليجد لهم مخرجاً ولكنه , هو المضطجع بعيداً في الأغوار المائية , لم يسمع شكاتهم . فمضوا إلى أمه الإلهة "نمو" المياه البدئية التي أنجبت الجيل الأول من الآلهة , لتكون واسطتهم إليه , فمضت إليه قائلة : "أي بني , انهض من مضجعك , انهض و اصنع أمراً حكيماً اجعل للآلهة خدماً , يصنعون لهم معاشهم" (5) .

  هنا يلاحظ السواح أن أسطورة الخلق السومرية تسربت عناصرها إلى معظم أساطير الشعوب المجاورة ، ففي الأساطير البابلية اللاحقة يتم خلق الإنسان من الطين ، و يفرض عليه حمل عبء العمل . و في سفر التكوين العبراني ، نجد إله اليهود يهوه يقوم بخلق الإنسان من طين بعد انتهائه من خلق العالم , ويجعله على شاكلته : (وجبل الإله آدم تراباً من الارض , فنفخ في أنفه نسمة الحياة , فصار آدم نفساً حية) ، و رغم أن الهدف الذي يقدمه النص الثوراتي لخلق الإنسان ، هو السيطرة على (سمك البحر وطير السماء ، وعلى البهائم ، و على كل الأرض و على جميع الدابات التي تدب على الأرض) ، إلا أنه يعود فيفرض عليه عبء العمل ، تماماً كالنص السومري : "لأنك سمعت لقول امرأتك و أكلت من الشجرة ، التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها ، ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ... بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ، لأنك من تراب و إلى التراب تعود" (6) ، و هو ما يتطابق تقريبا مع ما جاء به القرآن الإسلامي و الأناجيل المسيحية .

  إذ ذكر الأستاذ فراس السواح في آخر كتبه ، أن قبيلة قريش مثلا التي ينتمي إليها مؤسس الديانة الإسلامية "أصلها سوري" و لم تهاجر إلى الحجاز إلا قبل بضع أجيال من ميلاد النبي محمد (7) ، و بما أنها سورية الأصل و المنشئ فهذا يعني أنها تحمل إرثا ميثولوجيا لثقافة المنطقة التي هجرت منها ، ما يجعلنا نعتقد أن الأساطير الإسلامية كأسطورة الخلق و التكوين و قابيل و هابيل و الجنة و النار و غيرها ، تمت استعارتها مباشرة من أساطير السومريين و البابليين و غيرهم من شعوب بلاد الرافدين و الشرق القديم . ما يدفع للتساؤل باستغراب هل مصدر هذه الأساطير السماء (الله) أم الأرض (السوماريين) ؟

  نعود لنصرح بأنه يمكن كذلك أن نجد في الأساطير المصرية ترداداً لنفس الفكرة ، و كذلك الأمر في الأساطير الإغريقية التي تعزو "لبروميثيوس" خلق الانسان ، فقد قام هذا خير بخلق الإنسان من تراب و ماء ، وعندما استوى الإنسان بالوسائل التي تعينه على البقاء و الإستمرار سرق له النار الآلهية من السماء ، ضد رغبة زيوس كبير الآلهة ، وأفشى له سرها وكيفية توليدها و استخدامها ، فنال بذلك غضب زيوس فعقابه” (8) .

  بعد ذلك يواصل السواح اقتفاء أثر الأسطورة في موضوعات أهمها التكوين و الخلق ، ذلك في ثقافة حفدة السومريين و هم الأكاديون و البابليون ورثة الثقافة الميثولوجية ، إذ يعزي السواح لهم دورا رائدا في إغناء و نشر الفكر الأسطوري (9) ، ذلك إذ شكلت ملحمة "الأنوما إيليش" أقدم أشكال التعبير عن التكوين بأسلوب ساحر أخاذ لم يتوانى السواح في التعبير عن الإعجاب به ، عموما فإذا أردنا تلخيص هذه الملحمة الخالدة التي كتبت قبل "الإليادة و الأديسة" بألف و خمسمئة سنة (أي أكبر من عمر الإسلام) ، فسنقول أن كلمة الأنوما إيليش تعني "في الأعالي" حيث لم يكن لا أرض و لا سماء ، بل كان هناك فقط ثلاثة آلهة ، "إبسو" و هو الماء الحلو ، و زوجته "تعامة" و هي ماء مالح ، ثم و "ممو" و هو أمواج نشأت عن إبسو ، هكذا بدأت هذه الآلهة الثلاث تتناسل فولدت "لخمو" و "لاخو" و غيرهم ، فاعتلى كل إله ظاهرة طبيعية ، أحدهم أصبح إله للسماء و آخر للشمس و آخر للمطر و غيره للعواصف ، هكذا خلق الكون حسب ملحمة "الأنوما إيليش" الذي سيتسنم الإله مردوخ بعد ذلك درجة إله الآلهة فيأمر باتخاذ بابل مدينة للآلهة و بناء فيها معبد تنطح ذروته السماء (10) .

  يتفرغ بعد ذلك السواح لمناقشة أفكار أسفار الثوراة و أديان شعوب الشرق الأدنى القديمة ، ذلك عبر منهج مقارن مع أساطير السومريين و البابليين و الكنعانيين ، متطرقا لأسطورة التنانين و كذا أسطورة الجحيم و الجنة و قابيل و هابيل ، مناقشا كذلك أسطورة الإله و الرجل المخلص ذلك عبر تمثيل بالمسيح كآخر رجل و ابن إله مخلص . هكذا وضّح لنا السواح من خلال كتابه "مغامرة العقل الأولى" أهمية الأسطورة كمحاولة للفهم و الوصول للحقائق التي تؤطر الوجود ، فهي أداة الإنسان القديم في التفسير و التحليل ، هي حكاية مقدسة يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة ، أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة ، إنها سجل افعال الآلهة ، تلك الأفعال التي أخرجت الكون من لجة العماء ، و وطدت نظام كل شيء قائم ، و وضعت صيغة أولى لكل الأمور الجارية في عالم البشر .
عن موقع الحوار المتمدن



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية