العدد (4472) الخميس 18/07/2019 (عبد الأمير الأعسم)       الأعسم : إعادة تقويم الغزّالي وإزالة الالتباس عن ابن الرّيوندِي       رحيل (الباشا) الفيلسوف       الأعسم وأنا قطوف من الذاكرة لا تمحى       عبد الأمير الأعسم.... الأستاذ و المفكر       المفكر العراقي عبد الأمير الأعسم.. وداعاً       عبد الأمير الأعسم.. المفكر العراقي الذي آوى الفلسفة بعد أن كانت شريدة       العدد (4471) الاربعاء 17/07/2019 (إيلينا فيرانتي)       البحث عن إيلينا فيرانتي       إيلينا فيرانتي بعد الكشف عن هويتها تقرر العودة الى الكتابة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :46
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26253255
عدد الزيارات اليوم : 8962
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


مجاعة الموصل في اواخر الحرب العظمى سنة 1918 ماهي قصة بائع ( لحوم البشر )؟!

د . عروبة جميل محمود
بلغ أمر  المجاعة في نهاية سنوات الحرب العالمية الاولى درجات الموت المحقق لاغلب  اهالي الموصل ، مما دفع بعضهم الى اكل لحوم الكلاب والقطط فضلا عن تجميع  دماء الذبائح لغرض تجميدها وتناولها طعاما ، حتى وصل الحال بأحد شهود  العيان لوصف حالة المجاعة بقوله :"شاهدت بأم عيني مرة في الطرق هرا يهرب  راكضا من دار الى دار أمام المعقبين له حتى قبضوا عليه" .


وسرى الجوع حتى على الحيوانات فمات الآلاف منها على حساب بني البشر وكثيرا ما كان الرجال والنسوة الفقراء يتسابقون الى جمع جثث الحيوانات النافقة ، بعد ان يطردوا عنها الكلاب الجائعة ليقطوا لحومها ويعبئوها في اكياس ويعودوا الى بيوتهم بكل بهجة وسرور ليطبخوا فيسدوا رمقهم تخلصا من الجوع .
ووصف روفائيل بطي وهو شاهد عيان بقوله : "رأيت بأم عيني جماعة من المهاجرين الذين رحلوا الى الموصل ... يتكالبون على تقطيع اشلاء بغل نافق جروه من الشارع" .  
كان وراء تفشي المجاعة في الموصل اسبابٌ عدة منها ، رداءة الموسم الزراعي لعام 1917 مع تضافر موجات الثلوج ترافقت مع البرد الشديد والتي بدورها أدت الى موت اعداد كبيرة من الماشية واتلاف معظم المنتجات الزراعية ، صاحبها التزايد الكبير في احتياجات القوات العثمانية من المواد الغذائية ولا سيما بعد انسحابها جنوب العراق وبغداد وفقدانها للكثير من المؤن مما دعاها الى مصادرتها من الاهالي ، ومما زاد الامر سوءا توافد المهاجرين باعداد كبيرة من شرق تركيا بصورة خاصة وكان معظمهم من الاكراد اثر تزايد المذابح الاهلية خلال سنوات الحرب العالمية الاولى 1914-1915 اذ دخلت اعداد كبيرة منهم شمال العراق ولا سيما الموصل . وكان من النتائج الخطيرة للمجاعة وفاة عشرات الالوف من السكان والقوات العثمانية ، وتفشى امراض الكوليرا والطاعون والتيفوئيد.
وقد أثرت المجاعة تأثيرا خطيرا في اهالي الموصل ، اذ عمد بعضهم الى سرقة اطفال الآخرين والقيام بذبحهم واقترنت تلك الجريمة باسم المجرم المدعو عبود بن علي جاويش بن توفيق بالتعاون من زوجته المدعوة عمشة بواسطة ولدهما بقصد اللعب معهم ومن ثم استدراجهم وقلي لحومهم وتم الكشف عن جريمتهما عندما كانا يقومان ببيع طعام مكون من اللحم ما يعرف لدى اهل الموصل بـ (القلية) ، مما اثار دهشة الناس لوجود اللحم في سنة المجاعة ، فاخبروا السلطات المختصة وبعد التحري اتضح ان المجرم يقوم بذبح الاطفال وقلي لحومهم وبيعها للناس ، وكانت هذه من افظع الجرائم التي حصلت في مدينة الموصل جراء تلك المجاعة .
وقد الحقت هذه المجاعة اذى اقتصاديا كبيرا باهالي الموصل حتى انهم اسموها بسنة (الليرة) ، وذلك لفقدان الثقة بالليرة الذهبية التي لا تستطيع ان توفر لقمة العيش ، لا بل وصل الامر الى حد الاستغاثة والصراخ في الطرقات والازقة بقولهم (خاطر الله جوعان) ، فهذه العبارة تُسمع يوميا في مدينة الموصل في سنة المجاعة وارتفعت اسعار الحبوب ارتفاعاً فاحشاً حتى بلغ سعر وزنة الحنطة ان التي تساوي (13.5) كيلو ثلاث ليرات ذهبية وهذا يعني ان اغلب اهالي الموصل كانوا في مواجهة المرض والموت .
هاجر الى ولاية الموصل اعداد كبيرة من الارمن والاكراد من بلاد الاناضول ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، وتزامنت هجرتهم مع انتشار المجاعة في المناطق الواقعة في شمالي مدينة الموصل ، اذ قدر عدد المهاجرين الارمن ممن دخلوا قصبة الموصل ما يقارب ثمانية آلاف نسمة ، وكانوا يعانون من الجوع وشظف العيش ، وقدموا مدينة الموصل بحثا عن لقمة العيش ، اذ كان الجوع يطاردهم اينما حلوا ناهيك عن هجرة اعداد كبيرة من الاكراد وتوافدهم الى الموصل حيث بلغ عددهم تقريبا (70.000) شخصا ابان سنوات الحرب العالمية الاولى .
وقد وصف احد شهود عيان الصورة المأساوية للمجاعة آنذاك ، بقوله : "كنت اثناء مكوثي في الموصل أطوف في شوارع المدينة وازقتها ، اشاهد فقراءها المهاجرين منتشرين في الطرق والاسواق ، والبعض منهم يتخفون تحت دكاكين البقالين والخبازين يتصيدون المشترين فما ان يشتري شخص لوازمه من الدكان سواءً خبزا او سمنا او غير ذلك ويدفع ثمنها الى البائع حتى يخرجوا من تحت الدكاكين ويهاجمونه ويسلبوه كل ما اشتراه ، وكان بعض هؤلاء الجياع ... يتعاركون فيما بينهم ويغتصب كل واحد منهم اللقمة من فم رفيقه ويدخلها الى فمه بطريقة لم أر مثلها طوال حياتي ... وكنت اشاهد مأموري البلدية ومعهم الحمالين ... يجمعون جثث الميتين جوعا في كل صباح ومساء كأنما يجمعون الحطب والنفايات" .
وفي استعراض لمدى ارتفاع الاسعار والغلاء الذي ساد مدينة الموصل في فترة المجاعة يمكن الاشارة الى ان اسعار المادة الاساسية للعيش المتمثلة بالخبز ارتفعت اثمانها الى ثلاثة اضعاف ، اذ ان الحنطة بلغت من الندرة والشحة بحيث اصبح بيعها حسب الاوزان التي يعتمدها العطارون في بيع موادهم ، وارتفع ثمن رغيف الخبز الواحد الى اكثر من قرش واحد . وفي هذا الصدد ، وفي سنة 1918 ، ارتفعت اسعار المواد التموينية والغذائية بنسب عالية جدا بحيث اصبح سعر (وزنة الحنطة) مرتفعا بنسبة (260%) ، كما ارتفع ثمن وزنة الرز بنسبة (250%) ، والشعير بنسبة (160%) ، وفي ذات الوقت ارتفعت اسعار السكر والشاي الى ثلاثة اضعاف .
وبلغ سعر وزنة الحنطة الموصلية الى (20 مجيدي) ، وبلغ سعر الطن الواحد من الحنطة قبيل انسحاب القوات العثمانية من الموصل قرابة (400 ليرة ذهبية) ، وتجدر الاشارة الى ان التجارة بالحنطة كانت تتسم بالسرية وذلك للخشية من معرفة الجهات العثمانية التي غالبا ما كانت تصادرها . وفضلا عن ذلك ، فان نقل البضائع التجارية من داخل الموصل الى خارجها ، او جلب البضائع من خارج الموصل الى داخلها ، وقد تعرضت الى قطاع الطرق وهذا يوضح مدى الفوضى التي حصلت ابان الحكم العثماني في عدم القدرة على توفير اسباب الحماية للتجارة ، ومنها تجارة الملح ، التي يتعرض تجارها الى رسوم تستحصل بشكل غير رسمي من قبل عشيرة شمر ، اذ كانوا يستوفون رسم مرور مقداره الف وخمسمائة قرش مقابل كل قافلة تحمل الملح تحت مسمى (الخوة) ، التي تعني استخدام القوة في الحصول على رسوم تجارية غير قانونية من قبل بعض العشائر العراقية.

 عن رسالة (الحياة الاجتماعية في الموصل 1834-1918م)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية