العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة       المادية الجدلية أونظرية الثورة الاشتراكيةوحل مشكل النهضة       الطيب تيزيني: القاتل الذي أنتج داعش هو الغرب وتبعه الشرق       طيـب تيزيـنـي فـي مقالـه: مثقفون لا رعايا       ورحل د. الطيب تيزيني .. المفكر والمثقف السوري المشتبك مع التراث والسلطة       شهادات ومذكرات: طيب تيزيني.. واستلهام التراث       كلما مات عالمٌ احترقت مكتبة       العدد(4433) الاثنين 20/05/2019       20 مايس 1932 .. طاغور شاعر الهند يزور بغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :24
من الضيوف : 24
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25410605
عدد الزيارات اليوم : 10512
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نظرة في رحلة صلاح جياد مع اللوحة

عندما يكون النسيان وسيلة ابداع
يوسف الناصر
في  واحدة من لوحاته وضع صلاح جياد مجموعة من اشاراته واشكاله ورموزه ، كل  واحدة في مربع او مستطيل او شكل مختلف على ارضية سوداء ، يفصلها حاجز خطي  رقيق عن التي الى جورها ، وجوه وايد وعيون واصابع ومقاطع من اجساد ، اهلة  واشكال حيوانات . لوحة ( كشف الحساب ) ،  اسميها ، لانها سجل غير مكتمل  للثيمات المبثوثة على امتداد مسعاه الفني ,والتي تتكرر بتطويرات وتحويرات  تمليها طبيعة اللوحة .


وغرضي من هذا المثال هو الاشارة الى تمرين الفنان المتواتر على الايقاع ذاته والذي حافظ على عالمة الخاص الذي حمله معه من العراق ، اذ يبدو صلاح جياد نواة ثمرة عراقية محلية - بالامكان ملاحظة عناصرها في الكثير من الفنانين العراقيين من مجايليه - لم ينتج عن عملية انباتها خارج بيئتها غير ثمارها التي طلعت هي منها ، اذ لم يتغير لون الثمرة الجديدة ولا طعمها . استمر صلاح يحاول اشباع موضوعته التي قطعه عنها انقلاب الاحوال في العراق واضطراره للهجرة هربا من ظلم البعثيين الذين استولوا على الحكم وبطشوا بالناس وهدموا الثقافة . بقي صلاح يرسم تحت هاجس مادته الاولى مكررا اشاراته واشكاله ، ليس في ذلك ما يعيب ، بقي سيزان يرسم تفاحاته زمنا طويلا ، لكنها كانت تزداد علوّا كل مرة حتى تجاوزت شجرتها .
هنا لابد لي من ان انوه الى فكرة اخرى عارضة في معنى احتفاظ صلاح بافكارة الاساسية عن اللوحة ومهمة الرسم بالاشارة الى سبب قد يبدو غريبا ، وهو ان صلاح ما احتاج وجوده في الغرب لكي تتفتح موهبته الكبيرة ، فقد كانت متفتحة ومورقة من قبل . مع انه اضاف الكثير للوحته من وجوده في فرنسا واضطلاعة على الفن الاوروبي . هذا الامر يقودني اليه دائما سؤالي لنفسي وانا اراجع لوحات صلاح  : من اين يغترف صلاح كل هذا الدفق في اللون والخط والشكل وهو القليل الفضول الزاهد عما يجري خارج حدود يومه وحياته الخاصة ؟ ، واضيف ، ان صلاح نوع من الفنانين النادرين الذين لا يحتاجون الى الكثير من التجريب والبحث والرسم لتطوير رؤاهم وادواتهم ، تكفيه حلقاته وركائزه المتباعدة ليوصل بينها جسرا رائعا .  لكني لا اتغافل عن قوة التيار الهادر الذي يجري تحت ذلك الجسر ويلطم دعائمه.  
تقدم لوحات صلاح التي رسمها في السنوات الاخيرة صورة مراوغة للنظرة الاولى ، اذ يتزاحم خليط من الاشكال  ضمن بنائها المتين الواضح الحدود ، خليط من خطوط عنيفة وضربات فرشاة متقاطعة وقوية ، اجزاء من اجساد ووجوه شائهة ، مرسومة بطلاقة وحيوية تجمعها وشائج غامضة ، لكن تلك الاشكال الحرة والبناء المتين لا يسعيان، بالضرورة  ، لهدف واحد ، ( حفل صاخب داخل بناء محكم الجدران ) ، هكذا تبادر الى ذهني وانا اراجع مجموعة اللوحات تلك ، والجدران هنا ، بالطبع ، لا تكبّر صوت موسيقى الحفل بقدر ما تكتمه. فنان ذكي مثل صلاح لابد وان يعرف ذلك . على اني لابد وان اذكر هنا ان ذلك النوع من ( المعترك ) هو ليس كل ما انطوت عليه تلك اللوحات ، فالفنان يعود هنا وهناك الى موضوعات اثيرة الى نفسه ، تبدو مثل فواصل واستراحات ،موضوعات هي خليط من اشكال فولكلورية و ( بغداديات) وحتى ابعد من ذلك زمنيا ، الى تكوينات جذورها في الفن الاسلامي ، تذكر بفنان العراق الواسطي .
كان من السهولة ملاحظة ان لوحات صلاح تتجه بيسر نحو هدف محدد وواضح ايام الدراسة والاندفاع الاول ، - نحن لا نتحدث دائما عن فترة دراسة فنان الا باعتباره تلميذا ، صلاح من القلة الذين كانوا فنانين ايام دراستهم – فالشاب الموهوب لديه ما يكفي من الثقة والقدرة على انجاز لوحة جميلة في سياق التيار العام لفن الستينيين ، لكن عالم البراءة ذاك سرعان ما اهتزت جدرانه امام الاهداف والافكار الجديدة التي بدأت بالنفاذ الى عالم اللوحة من خارجها ، افكارا اتخذت اشكالا سياسية وايديولوجية ووطنية . اتسعت الان مهمة اللوحة وصار المطلوب منها ان تؤدي وظيفة جديدة . اتجهت اعمال العديد من الفنانين في تلك الفترة نحو نوع من وسيلة الايضاح وترجمة الخطاب الادبي ،  لكن ذلك السيل الوافد لم يتخذ شكل عصف جارف عند صلاح ، فقوة الوانه وخطوطه وحريته قدمت مدخلا امنا للاستجابة للفروض الجديدة ، ساعده في ذلك انتشار وشعبية بعض الصياغات الجاهزة التي منحها ابعادا جديدة ، واعلام صديق بدى مزهوا بالمواهب التقدمية الشابة .
هذه الصياغات تطورت لاحقا الى شكل يمكن وصفه بدون تعميم :  مساحة رئيسية يحتلها شكل او مجموعة اشكال قوية التكوين ، تصبح احيانا مثل قوس او قبة او وجه مندفع من احدى جهتي اللوحة ، تنتشر حواليه او داخله اشكال ( تجريدية ) اساسها الخط والحركة وضربات فرشاة حادة فيها ايحاءات لاشكال تراثية او ذات صلة بالبيئة المحلية ،لا ضرورة هنا لوجود صلة سببية بين الشكل ( الاناء ) والاشكال اللاحقة ، وقد يتعارضان احيانا ، نوع من المتعارضات التي اصبحت جزءا مقبولا وعاديا في حياتنا اليومية ، مثل قفص الطيور ومحتواه وطعم النبيذ وقنينته ، وكل ذلك ملون بمهارة يمكن تتبع جذورها الى (انطباعية عراقية) رائدها فائق حسن ، (اسس حافظ الدروبي جماعة الانطباعيين سنة 1953) .
تبدو الوجوه والايدي واجزاء الاجساد وما يذكّر بهيئة الانسان او الحيوان وكانها اضيفت الى بناء اللوحة الجاهز ، بينما تبدو اللوحة من زاوية اخرى وكانها ابتدات بهذه الاشكال ثم انتُزِعت وجُرّدت واختُزلت قليلا قليلا مع نمو اللوحة حتى غابت او كادت .
لم يشأ صلاح للوحته ان تحسب على باب التجريد والبحث الجمالي الخالي من الغرض النفعي المباشر ، كما انه لم يرد لها ان تبقى لصيقة بالبيئة والايديولوجيا والمعاني الجاهزة ، جعل بينها وبين الارض فراغا للتنفس وتمدد الخيال ، حيث تظهر اندفاعات روحه بوضوح ، وميله للجمال المجرد واللعب وحرية الطفولة . افكر احيانا ان صلاح جياد كان يقاوم نفسه ونوازعه ويكبح بشدة رغبته الهائجة بالانطلاق والتحرر ، وذلك من اجل ان يؤدي ما كان يظنّه واجبه الانساني والاخلاقي ، لكنه لم يكن وحيدا في ذلك ، اذ كانت تلك احدى مظاهر ازمة ( وطنية ) لم يساعدعلى تجاوزها بيسر قلة الخبرة والثقافة النظرية وقوة المثال .
لم يكن الاميركي ( جاكسون بولوك ) يريد ان يرسم مشاعره ، كان يقول انه يريد ممارستها على القماشة ،لكن صلاح جياد لم يمنح نفسه ترف خيار كهذا، بقي يصارع نازعي بولوك ، رغبة الذات الحرة التواقة للانطلاق وممارسة واجب تمليه الافكار والتربية ، لوحة حرة تمارس دورها في الحياة باعتبارها لوحة ، واخرى تبحث عن دور مباشر في المعترك الاجتماعي والسياسي ، والنتيجة ان صلاح كان يسمح لنوازعه العميقة ان تتمدد على سطح اللوحة ، ان يمارس مشاعره ، ولأنه معلم يجيد الاقناع فانه ، يعطي ثقافته الفنية ورقيبه اليقظ فرصة ان يضعها في سياق محدد ويضبط ايقاعها . لم يستطع صلاح ان ينسى ما تعلمه عندما يكون النسيان وسيلة ابداع .
ان ضربات فرشاته العنيفة وخطوطه المضطربة هي شغل مخيلته الوثابة ومعاني روحه الغائرة في العمق ، اما اشكاله الطالعة من حرفة فائقة الجودة ، بما فيها تلك التي تطوي خطوطه وضرباته تحت جناحها ، فهي بنات ثقافته ومبادئه . ولكن اليس النفس والحرفة والثقافة هي مادة كل لوحة ناجحة ؟ نعم ، ذلك اذا خرجت من طور (الخليط ) الى طور ( المركّب ) هل نسينا دروس الكيمياء ؟.
كان صلاح بالنسبة لنا ، نحن الجيل اللاحق لجيله قليلا ، عضوا في مجموعة ليست كبيرة من رسامين مختلفين يمثلون الرسم الجديد في العراق ، ويمثلون حيوية وانفلات الحركة التشكيلية الناهضة والواعدة بالكثير ، الحركة المتحررة من مصيدة ( الحرس القديم ) ، اولئك روادنا واساتذتنا الافاضل الذين اسسوا حركتنا وطوروها ، لكنها غادرتهم مع الجيل اللاحق لتدخل متاهة لا تنتهي من اسئلة وبحوث ومنازعات عديمة الفائدة ، تكاد رتابتها ان تصير قدرا لا فكاك منه . كانوا ( صلاح ومجموعته ) يمثلون صورة ما نتطلع اليه ويجسدون احلامنا كفنانين شبانا ينتظرنا الكثير ، مندفعين بقوة باتجاه الحياة والفن .
كانوا أول جيل او مجموعة توفرت لها في العراق فرصة الانتشار غير المسبوق في اعلام البلاد من خلال الوسائل المختلفة كالتلفزيون والراديو والمسرح ، اضافة الى المادة الاساسية واقصد بها المطبوعات الملونة ، تلك التي عملوا فيها او نشرت اعمالهم ، مجلات وكتبا وملصقات وبطاقات ، كان في العراق انذاك نهضة طباعية لم تعرف البلاد مثلها من قبل ، جعلت الصور في متناول الجميع ، بينما كنا قبل ذلك نسمع عن اللوحات الجيدة اكثر مما نراها ، وكثيرا ما طبعت بالاسود والابيض او بالوان رديئة .
على اني لا استطيع منع نفسي الان من التساؤل ان كانت الصورة المليئة بالاعجاب والتقدير العالي التي نتداولها عن صلاح جياد هي صورته في تلك الايام ام هي صورته الان ، معظم معارفي واصدقائي من غير الفنانين ممن سالتهم عن صلاح وانا بصدد كتابة هذه الموضوع وقبل ذلك ، اشادوا بتجربة صلاح وعبروا عن اعتزازهم وحبهم للوحاته ، بل ان بعضهم ذهب ابعد من التعميم الى وصف الالوان والموضوعات وجمال التخطيط بالقلم الرصاص والحبر ، لكنهم اكدوا انهم يتحدثون عن ايام بغداد على الاغلب وانهم لم يروا الا القليل من اعماله بعد ذلك . على ان ابتعاد صلاح عن الاضواء وطبعه الشخصي المكتفي بنفسه والخجول ايضا ، لابد وان ساهم بذلك بقدر ما . 
اضطر صلاح وبضعة اسماء واعدة من تلك المجموعة ثم جيلنا اللاحق الى قطع الحلم الجميل ومغادرة العراق والدخول في امتحان المنفى الصعب ، وهو مثل كثيرين منا اضطررنا ، من اجل توفير متطلبات العيش الاساسية ، لامتهان اعمال شتى ، فجلس في ساحة المونمارت في باريس يرسم العابرين ، واستمر على ذلك لسنوات طويلة تجاوزت العقود الثلاثة . هل كان سهلا على الرسام وضع مسافة بين استعمال الرسم ، موهبته ، لتمرين العيش الممظ هذا وبين انجاز مشروعه الفني الخاص ؟ 
بعد ان انتهيت من الكتابة انتقلت لمشاهدة مقابلة قديمة على اليوتيوب مع صلاح اجرتها محطة تلفزيون عراقي ، كان صلاح يتحدث عن نفسه وعمله بتواضع كبير ، كان حييّا ينظر الى الارض متجنباً عيني المذيعة المبتسمة ، بدا وكانه قد انجز للتو لوحته الاولى . 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية