العدد(4394) الاثنين 18/03/2019       أدب الرسائل بين مؤرخ العراق الحسني واعلام عصره       في ذكرى رحيله في 16 آذار 1945 الرصافي .. مواقف وذكريات       صفحات غير معروفة عن اذاعة قصر الزهور       عندما أصبح حسين جميل مديرا للدعاية والنشر سنة 1936 كيف عين .. وكيف استقال ؟       في ذكرى عزله في 17 آذار 1911 الوالي ناظم باشا .. هكذا نصب وهكذا عزل       دار المعلمين العالية.. تأسيسها وأيامها الاولى في العشرينيات       ذكريات مسرحية: بين "الفرقة الشعبية للتمثيل" وجماعة "جبر الخواطر"       العدد (4392) الخميس 14/03/2019 (فاطمة المحسن)       فاطمة المحسن وتمثّلات الحداثة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 24511748
عدد الزيارات اليوم : 2737
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


دون ديليلو ..حين تحدد الصدفة مصائرنا

علــي حســين
قال انه اصبح  كاتبا لأنه شاهد وسمع وأحس بكل الأحداث الكبيرة والخطيرة التي تجمعها  باستمرار مدينته نيويورك . دون ديليلو المولود في العشرين من تشرين الاول  عام 1936 لاسرة من اصول ايطالية ، عاش وسط عائلة  تتكون من ثلاثة عشر فردا  في منزل صغير ، عملت والدته خياطة ، وكان والده ، الذي وصفه بأنه "رجل من  ذوي الياقات الزرقاء " موظفا بسيطا في شركة للتامين ..


 في مراهقته تمنى ان يصبح لاعب سلة ، ثم استهوته موسيقى الجاز  ، في عمر الثامنة عشر من عمره عثر على أرنست همنغواي ، كان يعمل  حارسا في موقف للسيارات  واراد  يقضي الوقت بالقراءة :

 " لم أكن أرتدي الزي التقليدي الذي كان من المفترض أن يرتديه الذين يعملون في مواقف السيارات  ، كنت مثل انسان متنكر اجلس  وابدأ في القراءة ، البداية كانت مع صورة الفنان في شبابه لجيميس جويس ثم سحرني هنري جيميس ، الا ان همنغواي كان وراء قرار ان اصبح كاتبا "
بالإضافة إلى تأثير الرواية ، يشير ديليلو أ إلى تأثير موسيقى الجاز ،  وسينما بعد الحرب: "أنطونيوني وغودار وتروفو ، ثم في السبعينيات، جاء كوبريك و كوبولا ، وسكورسيزي ، لا أعرف كيف أثروا على الطريقة التي أكتب بها ، لكنهم ساعدوني في تنمية حواسي البصرية "  ، السينما جعلته يدرس فنون الاتصال ليحصل على شهادته الجامعية عام 1958
يقول لكاتب سيرته : "اردت أن أرى اذا كانت حياتي غريبة نظراً إلى الأشياء التي حدثت لي طوال حياتي ، والتي كانت تشير جميعا انني لست وحدي " ، فُتِن بالرواية الحديثة ووجد في همنغواي وجمله القصيرة ضالته  ، حفل ادبه بالمواقف المثيرة  ، قيل له انه يصر في رواياته على ان يقدم الحياة الاميركية من دون تزويق :" الكثير يعتقدون ان اميركا هي فقط التي يشاهدونها في افلام الويسترن ، لكن هناك اميركا آخرى ، يعيش الملايين من ابنائها على الهامش "  رفض سياسة جورج بوش ووصف ما حدث بالعراق بالحماقة والكارثة :" اننا قساة القلب، بالطريقة التي نحاول فيها ان نستعبد دولا  اخرى  ".
لم يكن غريبا على حياة المهمشين ، فالكاتب المولود في حي فقير ، شب ليجد حرب فيتنام في وجهه. انضم مع اصدقاء له الى مجموعة تناهض الحرب  ، في أدبه تأثير واضح بصناع الرواية الاميركية وليام فوكنر وسالينجر وارنست همنغواي وتوماس وولف :" انهم يكتبون روايات ملحمية رومانسية. بعدها  اكتشفت  كامو الذي اصبح فوق كل شيء" .
، يسلط الضوء على فوضى الحياة الاميركية  ، ويصبغها باللامعقول الذي يسود العالم :" نعيش عصر غير مفهوم حيث اصبحت الحرية كلمة يتغنى بها من يريد ان يفرض سلطته على الآخر "  يقول انه روائي يكتب الانكليزية ، لكنه لم يجيدها حتى بلغ الخمسين من عمره  . عمل في مهن عديدة ليعيش اعواماً طويلة يحيطه الفقر والحرمان ، يصفه النقاد بالمتمرد والناقم على مجتمع يريد ان يتحول الانسان فيه الى ألعوبة، : "يجب على الكتاب أن يعارضوا الأنظمة. من المهم الكتابة ضد السلطة ، والشركات ، والدولة ، ونظام الاستهلاك بأكمله. ، عتقد أن الكتاب ، بطبيعتهم ، يجب أن يعارضون الأشياء ، ويعارضون كل ما تحاول السلطة فرضه علينا
كان عمره 28 عامًا عندما ترك  عمله في إحدى الوكالات الإعلانية لأنه قرر ان يكتب رواية  ، قال لزملائه في العمل لن اعود الى هذه المهنة ، عانى من البطالة ستة اعوام ، كان يريد ان يعيش حياة الروائي :" التي  تألف من ثلاثة أشياء ...القهوة والسجائر .. ، وإلقاء نظرة على العالم ، فقد كنت مسحورا بهذه الاجواء " . يعتقد ان الكتابة هي التي استدعته ، فهو لم يتصور نفسه سيصبح في يوم من الايام روائيا مشهورا ، :" لا أعلم دائمًا متى أو أين تبرز الفكرة لأول مرة ، ولكني أتذكر  ظروف كتابة روايتي الاولى  كنت مع صديقين في ميناء صغير. وكنت جالساً على رابطة السكك الحديدية في انتظار الاستحمام ، وكان لديّ لمحة عن شارع ربما على بعد خمسين ياردة وشعوراً بالمنازل القديمة الجميلة وصفوف من الأشجار   والسكون والغموض ، ويبدو أن الشارع كان يحمل الشوق المدمج الخاص بها. وشعرت بشيء ، وقفة ، وشيئًا مفتوحًا أمامي.  كان هذا قبل  أن أبدأ كتابة  الرواية بسنتين أو ثلاث سنوات قبل وصولي بلقب "أمريكانا" ، لكن في الواقع كان كل ذلك ضمنيًا في تلك اللحظة - لحظة لم يحدث فيها شيء ، ولم يتغير شيء ظاهريًا لحظة لم أرى فيها شيئًا لم أره من قبل. ولكن كان هناك وقفة في الوقت المناسب ، وكنت أعرف أنني يجب أن أكتب عن رجل يأتي إلى شارع مثل هذا أو يعيش في شارع مثل هذا. وبغض النظر عن الطرق التي تتبعها الرواية في النهاية ، أعتقد أني حافظت على فكرة ذلك الشارع الهادئ ، إن لم يكن ذلك إلا كنقطة مقابلة ، مثل البراءة المفقودة"
 روايته الاولى  أميريكانا التي بدأ الكتابة فيها عام 1966 ونشرها عام 1971 ، فيها يطرح السؤال الأساسي الذي يتردد على لسان معظم المهاجرين  : كيف سأكون أميركي؟ يحاول  بطل الرواية ديفيد بيل ، الذي يحاصره ماضٍ عتيق ان يجد الاجابة على هذا السؤال. ولعل الهدف من هذا السؤال كما يقول  دون ديليلو هو الاعتراف بقيمة  الحرية الفردية التي تجد نفسها محاصرة بخطايا الماضي ، يقول بطل الرواية إذا وُلدنا مواطنين أمريكيين ، فإننا نرث هذه البقعة من الارض ،  ولكن إذا بدأنا حياتنا في مكان آخر ثم اخترنا جنسيتنا الأمريكية ، يجب علينا استيعاب البقعة كعبء ضروري. يجب أن نثبت خلال الاختيار والعمل  إلى  اي مدى ، نحن مناسبون تمامًا لهويتنا الوطنية.
ديفيد بيل مذيع تلفزيوني شاب ووسيم يعيش ويعمل في نيويورك خلال الستينيات من القرن الماضي  ، يمارس غواية النساء اللواتي يلتقي بهن لانه يريد الاستمتاع بـ "لحظات الأنا". لديه زوجة سابقة كان يحبها ، لكنه قرر الانفصال عنها  . يعمل في محطة تلفزيونية ، يعاني من جنون. إن دافيد بيل هو  نموذج لاميركا التي تعتقد ان لا احد يستطيع الوقوف في طريقها  : "كان لي تقريباً نفس العلاقة مع مرآتي. عندما بدأت أتساءل عمن كنت ، أخذت خطوة بسيطة من ترطيب وجهي وحلاقته . أصبح كل شيء واضح جدا ، رائع جدا. كنت العين الزرقاء ديفيد بيل. من الواضح أن حياتي تعتمد على هذه الصورة " ، يريد  دون ديليلو ان يقول لنا ان الصورة تتفوق في اميركا على كل شيء. كانت حرب فيتنام ، التي احتدمت خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ، قد تغلغلت في البيوت الأمريكية بتغطيتها الإخبارية التلفزيونية المستمرة.. نشرت الرواية بعد مقتل الرئيس الاميركي جون كنيدي بثمانية اعوام ، لم يفكر في حادث الاغتيال ، لكننا نرى بطل الرواية يقود السيارة على طول الطريق الذي اتعته سيارة كنيدي يوم مقتله :" وجدت نفسي أصف ذلك ، لا أعرف السبب " . حظيت الرواية باشادة النقاد ، لكنها لم تبع سوى نسخ قليلة :" لا أعتقد أن أحد  النقاد  قد قرأ 50 صفحة من الرواية لكن اثنين من النقاد الشباب رأوا فيها شيئًا جديرًا بالمتابعة " . وفي تعليقه على رواياته الأولى  يقول : "لم أكن أتعلم التباطؤ وفحص ما كنت أقوم به عن كثب. ليس لديّ ندم على هذا العمل ، لكنني أفعل أعتقد أنه لو كنت أقل تسرعًا في البدء في كل كتاب جديد ، ربما كنت أنتج عملاً أفضل في السبعينيات ، وكانت روايتي الأولى تستغرق وقتًا طويلاً ، وكان هذا الجهد مجرد تحرير ، بمعنى من المعاني وانتقلت مباشرة خلال العقد ، والتوقف ، في فصيل عبد الواحد
مع نشر روايته ضوضاء بيضاء  في عام 1985 ، بدأ نجم ديليلو  الروائي بالصعود ، حيث اعتبره النقاد واحدا من اهم الروائيين المعاصرين ، مما اهله ليحصل على الجائزة الوطنية  ، "
يقدم   في ضوضاء بيضاء  كوميديا سوداء  ،عن الموت الذي يتلاقى مع الخيال العلمي في تحليل دقيق لوقائع الحياة اليومية الاميركية ، حيث يحاول   تحليل الوسائل التي تعمل من خلالها الثقافة الأمريكية  المعاصرة علي تغريب البشر عن تجاربهم الحياتية الشخصية . فنحن امام  قصة أستاذ جامعي وعائلته تم إخلاء بلدتهم الصغيرة  بعد  حادث عن تسرب اشعاعات سامة ، يقول دون ديليلو في وصف روايته هذه :"   "ليس لدي فكرة من أين جاءت هذه الفكرة ، لكنها بدت كوميدية  بالفطرة ، وكل شيء ينبثق منها. لم أشعر أبداً أنني كنت أكتب رواية كوميدية قبل "الضوضاء البيضاء". ربما تجعلني حقيقة أن الموت يتخلل حياتنا ان أعود إلى الكوميديا. '' على الرغم من ظلال هتلر والمسألة الموضوعية للتسريبات الكارثية السامة ، ويضيف  إن روايته تدور حول أحداث مخيفة - القلق والألغاز التي تغذي الحياة اليومية. لم أعد أبداً لكتابة رواية مروعة. إنها عن الموت على المستوى الفردي. فالجميع اليوم  يسألون أسئلة مهمة عميقة عن الموت ، والآخرة ، والله ، وهو شكل آخر من أشكال الضوضاء البيضاء".
يعتقد ان الرواية تسمح للكاتب  بأكبر فرصة لاستكشاف التجربة البشرية  :" ولهذا السبب ، فإن قراءة رواية تعتبر عملاً هامًا. لأن هناك العديد من أنواع الخبرة البشرية ، والعديد من أنواع التفاعل بين البشر ، والعديد من الطرق لإنشاء أنماط في الرواية التي لا يمكن إنشاؤها في قصة قصيرة ، أو مسرحية ، أو قصيدة ، أو فيلم. تقدم الرواية ، ببساطة ، المزيد من الفرص للقارئ لفهم العالم بشكل أفضل ، بما في ذلك عالم الإبداع الفني. يبدو هذا رائعًا جدًا ، لكنني أعتقد أنه حقيقي "
لايزال دون ديليلو وهو في الثالثة والثمانين من عمره يواصل الكتابة على  الآلة الكاتبة   اليدوية ، منتقياً رؤيته المذهلة لأمريكا الحديثة.فهو عكس   صديقه فليب روث الذي توقف قبل وفاته بخمسة اعوام يعمل كل يوم  ، اربع ساعات في الصباح  ثم يذهب الى نزهته اليومية يم يعمل بعد الظهر  ، وهو يتخذ  إجراءات صارمة   لضمان عزلته ، ينظر كل صباح إلى صورة بورخيس :" وجه بورخيس مع خلفية مظلمة - بورخيس شرس  ، أعمى ، أنفه محطمة ، بشرته مشدودة ، فمه مثير للدهشة بشكل مذهل ؛ فمه يبدو مطليا،  انه مثل الشامان الذي رسم للرؤى ، والوجه كله لديه نوع من الاختطاف الصاخب. لقد قرأت بورخيس  لكني لا أعرف أي شيء عن الطريقة التي عمل بها - لكن الصورة توضح لنا كاتبًا لم يضيع الوقت على النافذة أو في أي مكان آخر. لذا حاولت أن أجعله دليلي من الخمول والانجراف ، إلى العالم الآخر من السحر والفن والعرافة "
يؤمن ان الكتابة الكتابة هي شكل من التفكير المركز.:"   لا أعرف ما أفكر فيه حول مواضيع معينة ، حتى اليوم ، حتى أجلس ومحاولة الكتابة عنها. ربما كنت أرغب في العثور على طرق أكثر صرامة في التفكير.
في روايته  كوزموبوليس التي ترجمت مؤخرا الى العربية  يشير دون ديللو الى الحيرة التي تلف الناس ، سواء في الولايات المتحدة او في اي بقعة من العالم  أن كوزموبوليس بموضوعاتها عن القوة ، التكنولوجيا ، العنف ، الإرهاب ، الحشود ، الحركات المضادة -  تشكل نوعا من  الضجيج الذي يزيد من صداع البشرية .
وصفها النقاد بانها رواية وجودية وان ابطالها اناس عبثيون   يرد ديليلو "أنا لا آخذ الأمر بجدية ، لكني أطلق عليه اسم" مواطن سيء " ، هذا بالضبط ما يجب أن نفعله ، يجب أن نكون مواطنين سيئين ، يجب علينا ، بمعنى أننا نكتب ضد ما تمثله السلطة ، وغالباً ما تمثل الحكومة في هذا المعنى ، إذا كنا مواطنين سيئين ، فإننا نقوم بعملنا .. نشعر احياناً أننا أسياد مصائرنا وأحياناً أخرى اننا ألعوبة، والصدفة السعيدة او السيئة هي التي تحدد ما نحن "



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية