العدد (4547) الثلاثاء 2019/ 14/11 (انتفاضة تشرين 2019)       معتصمو التحرير يدعون لمليونية جديدة فـي "جمعة الصمود"       اختناق عشرات الأطفال في مستشفى الناصرية بالغاز المسيل للدموع       "غرباء يلتقطون صوراً لخيم الاعتصام ويختفون" واشنطن بوست: المحتجون يخشون الذهاب إلى المستشفيات       في ساحة التحرير.. المحتجون يحكمون أنفسهم ويرفضون الحكومة       احتجاجات تشرين " تذيب النزاعات العشائرية في العراق       سلمية الاحتجاجات تنتصر على العنف والاستبداد       نساء ساحة التحرير يكسرن حاجز الخوف و"ينتفضن" على القيود       "غرد مثل خلف" يرد على تصريحات المتحدث باسم عبد المهدي حول "المطعم التركي"       شذرات من ساحة التحرير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :59
من الضيوف : 59
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28576485
عدد الزيارات اليوم : 9745
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


"نيوتن" العربي ولغة العلم

محمد عارف
بعد يومين من نشر  مقالتي عنه هنا قبل أسبوعين غادر الحياة «مايكل عطية، أحد أهم علماء  الرياضيات في القرن العشرين»، حسب تأبين «نيويورك تايمز». رحل العالِم  العربي ولم ترحل من الأذهان ضحكته المشرقة دائماً، والتي سجّلتُها في أول  صورة ألتقطها له عام 1989 في «معهد الرياضيات» بجامعة أكسفورد، وخلفه سبورة  مكتظة بالمعادلات الرياضية.


 ضحكة مشرقة، كأنه على وشك أن يلقي أو ينصت لنكتة، تكررت حتى في آخر صوره المعروضة بمناسبة تأبينه. ونكتة «عطية» الكبرى «خطاب الوداع» عام 1995 في ختام فترة خمس سنوات من رئاسته «الجمعية الملكية»، وهي أكاديمية العلوم في بريطانيا. فالتقاليد تقضي بتكريس ذلك الخطاب للحديث عن السياسات العلمية، إلاّ أنه استهلها بالحديث عن شعوره بـ«حكة» العودة إلى العلم الحقيقي. وطَمأنَ نخبة علماء بريطانيا الحاضرين ألا يقلقوا، إذا كانت معلوماتهم الرياضية قد صدئت لأنه غير عازم على الحديث عن تقنيات الرياضيات، أو تدويخهم بصيغها المعقدة، بل يحاول فحسب تحليل دورها في العلوم. وقال إن أبرز العلماء القدماء، مثل «فرانسيس بيكون»، كانوا يشككون في أن تكون الرياضيات علماً، إلا أنهم كانوا يُسلّمون بأنها لغة العلم، وهي كذلك برأيه.
وفي ما يلي مقتطفات مما سجلته آنذاك: «يُمكن اعتبار 1، و2، و3، وغيرها من الأعداد الصحيحة بمثابة أبجدية العلوم، والنظريات العلمية آدابها. وقد لا تكون الرياضيات لغة واحدة، بل لغات عدة. فالهندسة لغة المكان، والمثلثات لغة علم الفلك الكلاسيكي، والجبر اللغة الملائمة لوصف القوانين بواسطة المعادلات، والحساب لغة تحليل الحركة. وكما تمكننا اللغة المعتادة من صياغة الأفكار وتبادلها على مستويات متزايدة الإتقان، فالرياضيات تمكننا من صياغة نتائج التجارب والتحكّم بها. وعلى غرار العلاقة الدقيقة بين الفكر واللغة كذلك علاقة الرياضيات والعلم، وكما تتطور مفردات اللغة المعتادة تبعاً للحاجات المتطورة، تطوّرت الرياضيات وفق حاجات العلم. فالأفكار في اللغة تقود إلى كلمات، وتساعدنا الكلمات بعد ذلك في التعبير عن أفكار أكثر تعقيداً. وكما يحدث للكلمات، التي قد تعني أشياء مختلفة في مواقف مختلفة، تبعاً للمحتوى، يحدث أيضاً في العلاقة بين الرياضيات والعلم، اللذين يغذيان أحدهما الآخر. ويمكن لنفس القطعة من الرياضيات أن تخص فروعاً علمية مختلفة، وتحصل على تأويلات مختلفة».
ويخلص «عطية» إلى الاستنتاج العلمي الطريف: «إذا كانت اللغة الصفة المميزة للجنس البشري، فالرياضيات هي الصفة المميزة لجنس العلماء»!
وعلماء الرياضيات كالعاشقين، حسب المفكر الفرنسي «فونتينيه» الذي يقول: «هَبْ رياضياً أصغر قاعدة، وسيستخرج منها نتيجة، عليك أن تهبها له أيضاً، وسيستخرج منها أخرى». وكذلك «عطيه» كان يستخرج الاستنتاجات الواحدة من الأخرى، وأول استنتاج قال عنه «أقل فلسفية»، ومفاده: «الرياضيات هي التكنولوجيا الذهنية للعلم، وتقدم الأدوات الذهنية للعالِم، وتماثلُ في ذلك الأدوات المستخدمة على نطاق واسع في العلوم، كالمجهر (المايكروسكوب) الذي لا يمكن الاستغناء عنه في علوم المادة والكيمياء والبيولوجيا. وفي ذلك يبدو (حساب التفاضل) كالمجهر أداةً متعددة الأغراض، ويمكن بواسطته تحليل العمليات الحركية في أي قطاعٍ علمي». ويُعلقُ «عطية» ضاحكاً على وضع علماء الرياضيات: «من حسن حظ العلماء وسوء حظ علماء الرياضيات أن نظرياتهم لا تملك براءة اختراع»!
ويقارَنُ «عطية» غالباً بأحد أبرز العلماء في التاريخ، «إسحق نيوتن»، الذي جمع أيضاً بين الرياضيات والفيزياء، وطوّر عن ذلك علوماً مختلفة. ويتميز كلاهما بالتواضع الشديد في النظر إلى إنجازاته، وقد عبّر نيوتن عن ذلك بقوله المشهور: «لا أعرف ما أعنيه بالنسبة للعالَم، لكنني لا أبدو لنفسي إلاّ كطفل على شاطئ البحر، يلهو بالعثور على حصاة أنعم من المعتاد، أو محارة أجمل، بينما يمتدُّ خلفي محيط الحقيقة العظيم المجهول».



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية