العدد (4352) الخميس 17/01/2019 (علي الشوك 1929 - 2019)       علي الشوك، الضَّعفُ حين يتحوّل إلى قوّةِ خلقٍ وإعادة وعي..       علي الشوك... نموذجاً لثلاث حيوات       علي الشوك : الثوري الأرستقراطي الذي هرب إلى الكتابة       هكذا.. ترجل علي الشوك       علي الشوك ومراثي المدينة       ورحل علي الشوك الأرستقراطي اليساري في مغتربه اللندني       علي الشوك.. غياب مرحلة مضيئة       العدد (4351) الاربعاء 16/01/2019 (جون ستيوارت ميل)       جون ستيوارت وحرية الضمير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23761248
عدد الزيارات اليوم : 9346
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


شيخ الأطبـاء الدكتور كمال السامرائـي.. رائـد ومؤسـس قسـم النسـائيـة والتوليـد في العــراق

إعداد/ إيمان البستاني
  كما  هو دأبه.. رحم وادي الرافدين الولود منذ الأزل يخرج منه على مر العصور صناع  حضارات يقودون البلدان الى حيث التقدم والرقي في خدمة البشرية، فينهل  علماء العالم من مواردهم في الطب والرياضيات والكيمياء والفيزياء والتاريخ  والفلك والفلسفة والجغرافية والقانون، وماخطه الجد حمورابي في مسلته تناسله  الأولاد والأحفاد ومازالوا في كل حقبة من الزمن يجددون مابدأه ويحدثونه  ويصدرونه الى إخوانهم في الدين والخلق،


 هو رحم عطاء ما اعتراه العقم يوما على رغم من مروا به من ولاة وطغاة وعتاة، وممن أنجبهم رحم العراق من رواد علم، الدكتور كمال السامرائي الذي قدم للعراق خاصة وللبشرية عامة علما ينتفع به وصدقة جارية وولدا صالحا يدعو له.

  يعد كمال السامرائي أول طبيب عراقي متخصص بالامراض النسائية، وأول من اجرى توليدا بالملقط الولادي وعملية قيصرية في التوليد، واول استاذ عراقي واول من تطوع كطبيب مقيم في المستشفى الملكي عام 1939..
 امتاز ببراعته في التشخيص ومهارته في العمليات الجراحية الصعبة حيث قام باجراء وتطوير العمليات الجراحية المعقدة ولهذا منحته الكلية الملكية لجراحي النسائية في بريطانيا شهادة العضوية والزمالة الفخرية في هذا الاختصاص إضافة الى نشاطاته التدريسية والطبية فقد كان مؤرخا من الطراز الاول للتراث الطبي العربي والاسلامي وقام بتاليف عدد من الكتب القيمة في هذا المجال. تم اختيار كمال السامرائي طبيبا خاصا للعائلة المالكة، فقد اشرف على علاج وتطبيب الملكة عالية، واختها بديعة، والاميرة مقبولة والاميرة جليلة اخت الوصي عبدالاله، وظل السامرائي الى جوار الملكة عالية في ساعات احتضارها الاخيرة حتى وفاتها.

 سيرة حياته 
اسمه كمال توفيق محمد حسن احمد السامرائي، ولد عام 1914 في مدينة سامراء العريقة. هو الاخ الاصغر لخمسة اشقاء وثلاث اخوات وكان والده يعمل في دوائر الشرطة في العهد العثماني ولكنه نفي الى مدينة سمربول في الهند بعد الاحتلال البريطاني عام 1917 حيث اطلق سراحه فيما بعد. عند سن الخامسة دخل الكتاب لحفظ القران الكريم وعند ختمه اقامت  العائلة احتفالية دينية  بالمناسبة. في عام 1920 دخل المدرسة الابتدائية الوحيدة انذاك في سامراء وكان مديرها الاستاذ ابراهيم افندي عمر من اهالي الاعظمية، وبعد دراسة ست سنوات اجتاز الامتحان النهائي الذي اقيم في مدرسة المامونية المجاورة لوزارة الدفاع في منطقة الميدان في بغداد. في عام 1927 واصل دراسته المتوسطة في مدينة الحلة حيث كان اخوه السيد عبد الحميد مأمور البريد فيها، ويذكر الاستاذ السامرائي تلك المرحله في كتابه حديث الثمانين مانصه:
«كانت الحلة مسرح تحولي الفكري والثقافي والاجتماعي في حياتي التالية فقد تعلمت فيها حب الكتاب، كم احببت فيها اثار بابل التي كنت ارى في خرائبها كتابا مفتوحا هو ابلغ لو كانت قائمة اليوم. كذلك امتدت صداقتي الى من عرفتهم في مدرستها سنين طويلة بعد ذلك كان منهم طه باقر، حسين زويني، وسلمان منشي، أما عبد الوهاب مرجان فقد  سبقني الى المدرسة المتوسطة بسنة واحدة الا انني رغم هذا بقيت على اتصال  معه حتى بعد توليه رئاسة الوزراء عام 1957».

 رحلته مع الطب
   دخل الكلية الطبية 1932 وكان عميدها الدكتور سندرسن ووكيله الدكتور (هولمز) حيث أطلق عليه لقب السامرائي، تخرج من الكلية الطبية 1938 الدفعة السادسة وهو أول عراقي يلتحق بقسم النسائية والتوليد برئاسة الدكتور كندي سنة 1939 أول من تطوع للعمل في المستشفى الملكي وبقي فيها ثلاث سنوات. في سنة 1942 أصبح طبيباً لأميرات العائلة المالكة تدرج في المراتب العلمية حتى حصل على لقب الاستاذ سنة 1953 وبذلك يكون أول عراقي يحصل على هذا اللقب من خريجي كلية الطب في بغداد وأول استاذ عراقي ترأس قسم النسائية والتوليد. أول محاضرة القاها على طلاب الكلية الطبية سنة 1950 في سنة 1963 منح شهادة الزمالة (FRCOG) وهو سابع شخص في العالم يمنح هذه الشهادة. منح في مسيرته الطبية أوسمة عدة منها: وسام الاستقلال درجة (3) من قبل الملك عبد الله بن الحسين الاول، ووسام المؤرخ العربي عام 1987، كما كان له حضور عالمي في عدة مؤتمرات دولية وعالمية في كندا وبريطانيا، له مؤلفات تراثية وتاريخية منها: (تاريخ الطب العربي بجزئيه، حديث الثمانين أربعة أجزاء) أحيل على التقاعد عام 1976.

 بناية مستشفى السامرائي
    في ساحة الاندلس اليوم ينتصب بناء شاهق، مصمم على احدث الطرز المعمارية، ومزود بكل الاجهزة والمستلزمات الطبية الخاصة بالامراض النسائية والتوليد والعقم، يعمل فيه كادر طبي متخصص وممرضات ممارسات يحمل اسم الدكتور كمال السامرائي تقديرا لدوره الفاعل وخدماته الجليلة التي قدمها للعراقيات عامة والتي استمرت بعده على يد ولده الدكتور محمد كمال السامرائي الاستشاري في امراض النسائية والتوليد. يعد المستشفى الاول والوحيد المتخصص في هذا المجال في العراق والمرتبط ادارياً وفنياً بدائرة صحة بغداد/ الرصافه وتم تأهيله ليفي بالغرض الذي افتتح من اجله ومنها فتح مختبر وراثه، مختبر المناعه، مختبر العقم، مختبر أطفال الانابيب وهو مرتبط بصالة عمليات خاصه، بالاضافه الى الاقسام والوحدات الاخرى الخاصه بعمل المستشفى. يعمل المركز وفق خطة مرسومة ومنهج عملي مدروس وتنظيم واستقبال حالات العقم (للزوج والزوجه) في العياده الاستشاريه حيث تنظم لكل حاله ملفها الخاص مع رقم تسجيل خاص بها ويضم السجل كافة المعلومات المطلوبه لتأريخ مرضي دقيق وفحص سريري لكلا الزوجين، ثم بعد ذلك تجري الفحوصات المختبريه المتنوعه والفحوصات الشعاعية وفحص السونار وفحص الناظور البطني وحسب مواعيد مقرره لغرض التحري عن مسببات وعوامل العقم بغية المعالجه وهذا يتطلب متابعة دوريه ومستمره.
 مع الملكة عالية في آخر لحظاتها
    في قصر الزهور حيث تسكن العائلة المالكة، كنت ملازما للملكة عالية في مرضها القاتل، وذات يوم بدت الملكة وكأنها صحت من كابوس ودب فيها قدر من النشاط وطلبت رؤية أخيها عبد الإله فجاءها بعجلة وارتمى على قدميها دون أن ينبس بكلمة فسحبت الملكة رجليها وهي تقول: استغفر الله، استغفر الله.. ورأيت عبد الإله يشير إلي بعينيه أن أخرج من الحجرة أو هكذا خيل لي فنهضت لأخرج إلا أن الملكة أسرعت لتقول: لا أنا أريد أن يبقى دكتور كمال شاهداً على ما أقوله لك أمام الله يا أخي عبد الإله، ان ابني فيصل يتيم الأب وعما قريب سيكون يتيم الأم أيضاً فعدني أن تكون له أباً وأماً لأغفر لك كل ما مضى، وأراد عبد الإله أن يقاطعها إلا أنها ردته بحزم عدني أمام الدكتور فهو شاهدي في دار البقاء عدني يا عبد الإله، وكررت ذلك مرتين فتمتم بالوعد وخرج من الحجرة وهي تشيعه بنظرات باردة، ثم سمعت الملكة تسأل نفسها قائلة: هل أطلب فيصل لأراه؟.. لا فقد يكون نائماً، وطلبت مني أن أناولها صورته الموضوعة في إطار فضي عند رأس سريرها فقبلتها بحنان وبسطتها على صدرها وأجهشت تبكي بارتياح أعقب ذلك اضطراب في تناسق أنفاسها وهو أول علامات الاحتضار وبعد نصف ساعة لفظت أنفاسها الأخيرة وكان ذلك في الساعة العاشرة والربع من صباح يوم الخميس المصادف 21 كانون الأول سنة 1950، ولما خرجت من حجرة المتوفاة كان يقف قريباً من بابها كل من نوري السعيد وتحسين قدري والشريف حسين وناظر الخزينة الملكية سعيد حقي ولم يكن معهم عبد الإله، وبان لي أنهم أدركوا ما حدث للملكة من قسمات وجهي الحزينة فلقد آلمني أن تموت هذه المرأة بين يدي فلا أستطيع أن أفعل شيئاً.

وفاته
   توفي كمال السامرائي يوم 8/1/1999 تاركا وراءه إرثا زاخرا من الإنجازات ينهل من فيضه رواد العلم و الطب والمعرفة المتوجة بالخلق العراقي المحافظ على تقاليد المجتمع وأعرافه، فقد مارس الطب واضعا نصب عينيه  القيم النبيلة والمعاني السامية لمهنة الطب، ولم يخذل تلامذته يوما في أيصال المعلومة الدقيقة والفكرة الصحيحة طيلة حياته في مجالي التدريب والتدريس، ولم يدخر جهدا علميا في قاعات المحاضرات والمؤتمرات ولا في مؤلفاته المقروءة ولا في صالات العمليات والعيادات الإستشارات.  فرحم الله الدكتور كمال السامرائي وأسكنه فسيح جناته، وسيبقى أثره الطيب وذكره الجميل في قلوب مرضاه وطلابه وزملائه وجميع العراقيين.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية