العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 43
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293440
عدد الزيارات اليوم : 10518
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد

د.احمد خيرى العمرى
إهداء إلى هالة العمري، تعويضا عن رثاء لم أقوَ على كتابته
كنت في الخامسة من عمري عندما سمعت باسم إلهام المدفعي لأول مرة.
كانت المناسبة هي أنه سيتزوج من الفتاة التي كنت قد قررت أن أتزوجها!
كانت  "هالة العمري" من أقاربي، تكبرني بعشربن عاما، عروسا مثالية في بغداد  آنذاك، بنت حسب ونسب، جامعية، حسناء وأنيقة يتقاطر عليها الخطّاب  بمواصفاتهم الجاهزة.


كنت أحبها بكل ما في طفولتي من رغبة في الاستحواذ. كان الأمر لعبة ونكتة عند أهلي، لكني كنت جادا جدية لعب طفل في الخامسة، بل كنت  قد جهزت (النيشان) من ألعابي الأثيرة عندي.
كنت جالسا في حجرها عندما صارحتني : أحمد، خلص! رح أتزوج إلهام.
تقول الأسطورة: أن رد فعلي التلقائي كان صفعة فورية على خدها،غالبا مقتبسة من الأفلام المصرية…
وبعدها قلت حكمة أصبحت  نكتة في البيت: كل واحد وذوقه!
خطف إلهام حبيبة الطفولة إذن،  وها أنا بعد أكثر من أربعين عاما، وبعد ثلاث سنوات من وفاة هالة العمري- إثر مرض عضال- أكتشف أن أثر إلهام المدفعي في جيلي والجيل الذي يكبرني والذي يصغرني، أكبر بكثير مما بدا لي في طفولتي.

بدأ اسم إلهام المدفعي بالانتشار في بغداد في مطلع السبعينيات. عرف أولا بأنه يقدم (التراث البغدادي) بطريقة غربية عبر إدخال الآلات الغربية، خصوصا الغيتار، إلى الأغاني والمقامات العراقية، وكان ذلك آنذاك أمرا مثيرا للجدل، وأيضا مثيرا للاهتمام كما أي جديد، كان قد بدأ بذلك قبل ذلك بفترة طويلة، تحديدا عندما كان لا يزال في المدرسة الثانوية في 1958 عندما تعلم العزف على الغيتار من عازف إسباني في بغداد، وجرب عزف"فوق النخل"على الغيتار. كان هو الرائد في ذلك على ما يبدو وفيما نعرف، لاحقا تداخل تأثير التراث العراقي مع الرحابنة وسيد درويش وبول مكارتني وبوب ديلان والموسيقى اللاتينية، ليكون هذا المزيج  المختلف، نسيجا متماسكا متناسقا لا يكون كذلك إلا مع المدفعي.
لكن إلهام لم يكن مجرد شاب يؤدي التراث البغدادي بتأثيرات غربية وهو يعزف على الغيتار.
كان هناك ما هو أكثر بكثير من ذلك فيه، وهو ما يفسر برأيي لم استطاع إلهام أن يكون أيقونة لما قدمه، بينما جاء كثيرون بعده، ولكن أغلبهم لم يتمكن من الصمود، ليس لتزايد صعوبة المنافسة، وليس لأنه كان الرائد في الأمر فحسب، ولكن لأمور أكثر تعقيدا تجعل مما قدمه ظاهرة اجتماعية وليس مجرد أغان تراثية بأسلوب حديث.
إلهام المدفعي ليس فقط المطرب الذي يعزف التراث البغدادي على الغيتار، هو أيضا ابن"نصف"بغداد، وهو أمر له معناه بالنسبة لأهل بغداد خصوصا في الفترة التي ظهر فيها إلهام وما بعدها.
هذا الفتى هو ابن"شارع طه" الشارع الذي سكنت فيه أرقى البيوتات البغدادية في الثلاثينيات والأربعينيات.. أي أن هذا الفتى ليس دخيلا على ما يقدمه..وصحيح أنه ليس من  أسرة آل المدفعي   نفسها التي ينتمي لها جميل المدفعي رئيس الوزراء العراقي المعروف، إلا أن الانطباع العام عن أسرته كان يغض النظر عن كون الأمر مجرد تشابه أسماء! خصوصا مع كون والد إلهام موظف كبير ولديه شقيقان أكبر منه، كانا مهندسين معروفين.
ليس هذا فقط، لكنه أيضا ذهب ليدرس الهندسة في بريطانيا، صحيح أنه لم يتمها، وتلهى هناك بالعزف على الغيتار (حرامات، تقول البرجوازية البغدادية بأسف شديد) لكن مجرد (تمكنه) من الحصول على القبول في الهندسة يعني أنه قد اجتاز جزءا من متطلبات الرضى في المجتمع البغدادي، ثم أن العيش في بريطانيا لفترة يمنحه أيضا نقاطا إضافية، ليس فقط لأنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ولكن لأن العراقيين عموما، والبغداديين خصوصا، كانوا يعشقون لندن(حتى لا أقول يقدسونها)، كانت لندن هي الوجهة الأولى والأخيرة بالنسبة لهم كلما تمكنوا من السفر، للدراسة أو للاصطياف أو للعلاج. لندن أولا وثانيا وثالثا، وكنا نبدو غريبي الأطوار ومتفذلكين لو فضلنا السفر إلى وجهة أخرى حتى لو كانت أوروبية. وكانت عمتي تبدو (قديمة) لأنها تفضل الذهاب إلى إسطنبول كل عام بدلا من لندن.
طريقة إلهام في الأداء، في الوقوف على المسرح، في التعامل مع الناس عموما، كانت أيضا مختلفة عن السائد في ذلك الزمن..كان يتصرف برقي وتهذيب شديدين، كما يليق بابن شارع طه أن يفعل وطبع هذا كل شيء فيما يقدمه…ولتقريب الصورة فالأمر أقرب إلى أن يكون من المعادي في القاهرة، ومن المالكي أو أبو رمانة في دمشق!
لكن ماذا عن صوت إلهام؟ أليس هذا أهم له كمطرب، من سجله العائلي ومن كونه(ابن ناس) وبورجوزاي ووالده كان متصرفا إداريا(محافظا) وأن زوجته حفيدة باشا من كبار باشوات العثمانيين؟
في الحقيقة إلهام لم يعامل على أنه مطرب بالتعريف التقليدي للكلمة. حتى من قبل أشد المعجبين به. إلهام كان ظاهرة ثقافية واجتماعية أكثر منه مجرد مغن. الغناء كان جزءا أساسيا من هذه الظاهرة، لكن الغناء غير الطرب، لا تتوقع أبدا من إلهام أن يطربك، أي أن تتحرك لتصيح: آآآآآآه في نهاية الوصلة  وهي الـ آآآه التي كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يقول عنها: الخاتمة السعيدة!
صوت إلهام ليس عاليا مثل صوت ناظم الغزالي، والآه التي يقولها كاظم أعمق وأقوى بلا شك، وصوته لا يقدر على موال كالذي يأتي من صلاح عبد الغفور..
لكن ثمة ما يميز صوته عن كل هؤلاء، ويجعله مناسبا أكثر لما يقدمه ويمثله تحديداً.
ثمة بحة حزينة مختنقة في صوت إلهام المدفعي. بالضبط مثل صوت من خنقته العبرة وهو يتحدث، أو وهو يغني.
ثمة حنان مختلف تماما عن كل أصوات المطربين الآخرين..
لماذا هذا بالذات مهم فيما قدمه ومثله؟
سنرى الآن.

******

نحن في بغداد في السبعينيات. الفترة التي شهدت بروز وقبول اسم إلهام المدفعي خصوصا في أوساط الطبقة الوسطى البورجوازية في بغداد.
مالذي كان يحدث في تلك الفترة، أوائل السبعينيات؟ حزب البعث يحكم قبضته على السلطة منذ أواخر الستينيات، يتخلص من خصومه ومن كل متعاطف معهم بوحشية تؤمن له البقاء في السلطة..حتى حين.
وبغداد تتغير.
بغداد تتغير منذ زمن، وكل المدن تتغير، بل كل شيء يتغير ولا شيء يبقى كما كان أو كما نريده أن يبقى، حتى نحن. حتى لو أنكرنا. فلا داعي لنصب المآتم والمناحات على ذلك.
العواصم تكون عرضة للتغيير أكثر من بقية المدن بحكم وظيفتها. من الطبيعي أن تجتذب العاصمة كل الطامحين، دراسيا وظيفيا واجتماعيا. هذا طبيعي وهو جزء من قدر الأشياء. الهجرة من الريف إلى المدينة أمر طبيعي أيضا، والتفاعل بين قيم المدينة وقيم الريف الوافدة أمر طبيعي، وغالبا ما تنتهي بمساومة وحل وسط، لا تعود المدينة كما كانت، لكنها لا تتريف بالضرورة، بل تتغير فحسب.
لكن ما حدث في بغداد لم يكن هذا. ولو حدث هذا لكان طبيعيا تماما. الذي حدث في بغداد ومنذ انقلاب 1958 على الحكم الملكي أن الريف لم يأت المدينة مهاجرا متفاعلا ومغيرا لها متغيرا معها وبها، الريف جاء المدينة فاتحا، جاء على دبابة منتصرا عليها، ولماذا يكون هناك حل وسط إذن؟ المنتصر يأخذ كل شيء. وهذه المرة أخذ المدينة وقيمها.
لا أتحدث عن تغيير ديموغرافي تدريجي، أو عن تهجير أدى إلى تغيير ديموغرافي كالذي حدث بعد 2003، بل أتحدث عن ثقافة سلطة منتصرة كان لا بد أن تفرض قيمها.
في السبعيينات، كان كل شيء بغدادي قد بدأ بالاندثار والاختفاء. حتى أسماء العوائل، صدر قرار رسمي بمنع ذكرها في الكتب والمراسلات والوثائق الرسمية. الكل صار لديهم أسماء ثلاثية فقط (الشخص وأبوه وجده) بلا ألقاب تنتمي لعوائل أو بيوتات أو حتى عشائر أو ألقاب تنتمي لمدن. ظاهر الأمر كان شعارات المساواة والتقدمية ومحاربة الرجعية،  وحقيقته  كانت إخفاء أن لقبا واحدا  بدأ باحتلال كل المناصب الحساسة والمهمة في مفاصل الدولة… (تقول النكتة الرائجة – التي ربما تكون حقيقة- أن القرار صدر بعد أن زار مسؤول بريطاني السفارة العراقية في لندن، التقى أولا بالمسؤول الذي اسمه المستر تكريتي، ثم التقى بمسؤول آخر هو المستر تكريتي أيضا، وعندما قابل الشخص الثالث بادره الضيف البريطاني فورا: مستر تكريتي أيضا؟).
وكان من الطبيعي تماما أن يعبر الفن عن هذا التغير، وهكذا شهدت السبعينيات ظاهرة انتشار الغناء الريفي وسيطرته على مطربي الإذاعة والتلفزيون (وهما آنذاك الوسيلتان الوحيدتان لأي انتشار جماهيري)..لا أريد أن أدخل في مساجلة ضد الغناء الريفي فليس هذا مقصدي إطلاقا – وشخصيا أتذوق ياس خضر وحميد منصور واعتبرهما قمتين من قمم الغناء العراقي- لكني أتحدث هنا عن ظاهرة اجتماعية شهدت تحييد الموروث البغدادي بكل ما فيه. مطربو الغناء الريفي ليسوا متهمين بشيء ولا حتى الغناء الريفي، وقد كان الغناء الريفي موجودا قبل الظاهرة وله جمهوره المديني على نحو طبيعي.
في فترة انحسار المدينة هذه، ظهر إلهام المدفعي للبغداديين. ابن عائلة ومنهم وفيهم..درس في بريطانيا، يتحدث مثلهم ويأكل مثلهم ويلبس كما يرتدي أبناؤهم ويقدم (ماضيهم) على نحو حديث…. وبالغيتار.
لا يمكن الفصل بين كل تلك المتغيرات الاجتماعية القسرية، وبين ظهور ونجاح إلهام المدفعي في تلك الفترة تحديدا: كان ثمة شعور عام لدى البغداديين بأن بغداد القديمة لم يعد لها وجود، وأن النسخة القادمة من بغداد تضيق عليهم وربما لن يجدوا لهم مكانا فيها بالتدريج، وكان ثمة حنين إلى الماضي البغدادي وتمسك به في الوقت نفسه، ليس على طريقة المقام البغدادي الذي لم يقبل"حراسه"أي تجديد في آلاته وأدواته، بل بطريقة حديثة ومقبولة من الشباب: كما لو أن بغداد"القديمة"كانت تقول عبر حنجرة إلهام المدفعي: أنا هنا، لا أزال حية، لم أمت بعد، وقادرة على أن أتجدد…فقط لو أتحتم لي الفرصة.
مع رسالة كهذه كان لا بد لصوت إلهام أن يكون حزينا مختنفا كما لو كان يتحشرج من بكائه.
 في هذا السياق لا معنى لنهاية طربية سعيدة يصيح فيها الجمهور : آآآآآه. لا داعي لقدرات التطريب وتقنياته. نحن هنا أمام شيء مختلف جدا..أمام مشاعر النوستالجيا – الحنين إلى الماضي- لا تجدي مساحات الأوكتاف الصوتية التي تملكها حنجرة المطرب، بل قدرته على التعبير…لذلك فعندما يقول إلهام بين كلمات أغانيه، وبطريقة عفوية جدا:"آمان آمان آمان"فإن ثمة قشعريرة تسري في أجساد البغداديين على نحو لا يمكن فهمه بالنسبة للآخرين..طريقة قوله للكلمة توقظ في البغداديين ذكريات لجدة متوفية أو خالة لأم أو لأب كانت (تدردم) طوال الوقت مع نفسها…بعبارة أخرى: توقظ فيهم ذكريات لبغداد أخرى كانــــت كلمة (آمان) فيها أكثر شيوعا..بكل ما يعني ذلك..
كان لهذا الحنان الغامض في صوت إلهام أثره المتناسق مع كل هذه المعاني: هنا الماضي يربت على كتفيك بحنان ويواسيك. يقول لك لا تحزن، كل شيء سيمضي..
لا أعرف كيف لا يزال الأمر فاعلا بالنسبة لأجيال جديدة ليس في ذاكرتها جدة كهذه، لكنه لا يزال يؤثر فيهم على نحو غريب، لا تزال أغاني المدفعي تحرك شيئا غامضا فيهم، حتى أولئك الذين كبروا في الغربة بل ولدوا فيها..ليس الأمر في الجينات بالتأكيد..لكن ربما يتعلق بذاكرة جمعية تجعل من إلهام وما يقدمه صورة ذهبية لبلد الأجداد والجذور..
علي أن أذكر هنا أن إلهام المدفعي مثّل للكثيرين، وأنا منهم، حلقة وصل مع التراث العراقي البغدادي خاصة، ولولاه لكان هذا التراث ضاع تماما بالنسبة للأجيال…الأجيال الشابة في الستينيات والسبعينيات وما تلاها، تذوقت  سيناترا وإلفيس بريسلي والبيتلز وديميس روسوس وفرق البي جيز وآبا..في العربي ممكن أن تكون فيروز وما قدمه الرحابنة عموما، وأيضا عبد الحليم، وبدرجة أقل ما قدمته أم كلثوم مع ألحان عبد الوهاب…هذه كانت ذائقة الشباب في الستينيات والسبعينيات..تذوق مطربي المقام العراقي مثل يوسف عمر ومحمد القبنجي (مع كل الاحترام) كان أمرا مستحيلا.. تقريبا لا يزال كذلك، ما فعله إلهام – ضمن أشياء أخرى- هو أنه قدم جسرا وصل بين الخصوصية المحلية والذائقة التي بدأت تتشكل على نحو متأثر بالذوق الغربي والعربي/ الشامي المصري الحديث. وهذا أمر يذكر.
كما أن للمدفعي خاصية أخرى هي أنه يقوم ببغددة كل ما يؤديه بحيث يبدو النتاج بغداديا صرفا، هكذا قدم لنا نماذج مهمة الغناء الريفي العراقي لكن بطريقة تجعلها بغدادية تماماَ، كذلك كان الأمر مع كل ما قدمه سواء كان من الرحابنة أو من سيد درويش، شخصيا كنت أعتقد أن"بنت الشلبية"و"زوروني كل سنة مرة"و"يا عذولي لا تلمني"من التراث البغدادي لأن إلهام قدمها على نحو يجعلها كذلك.

*********

ليس سرا أن إلهام المدفعي حورب من قبل القائمين الرسميين على الفن في تلك الفترة، سواء كانوا من النقاد أو من قبل المتنفذين في الإذاعة والتلفزيون، بل ومن قبل مطرب معين ناصبه العداء(يبدو ذلك طبيعيا جدا الآن، المطرب نفسه لا يزال يحارب كاظم الساهر حتى اليوم!)..  لا أتحدث عن مؤامرة هنا، بعضهم كان ضد التحديث وضد الغيتار…فلنقل إنهم كانوا يرغبون في الحفاظ على تقاليد الغناء العراقي والمقام العراقي، بدا المدفعي بالنسبة لهم (دخيلا) على ما يقدسونه من تقاليد فنية…
هل كان الأمر كذلك فقط؟ أم أن شعارات المرحلة الاشتراكية المناهضة للغرب والرجعية قد وضعت الغيتار رمزا إمبرياليا والمدفعي نموذجا للطبقات البورجوازية؟ ربما كان الأمر مجرد رغبة في الحفاظ على التقاليد لا أكثر، لكن النتيجة كانت إقصاء كاملا من أهم منفذين للانتشار آنذاك: الإذاعة والتلفزيون. لم يعتمد إلهام كمطرب في الإذاعة (بل لم يتقدم للحصول على الاعتماد أصلا!)..لا أغنية لإلهام تبث في “فترة المنوعات"أو"طلبات الأغاني". كل ما حققه إلهام من انتشار آنذاك كان عبر أشرطة كاسيت مسجلة لحفلات في نواد اجتماعية تداولها الناس وتحدثوا عنها بإعجاب فيما بينهم فتحقق لها الانتشار في عصر لم يكن فيه مواقع للتواصل الاجتماعي كما اليوم.
في النهاية أتى هذا الإقصاء أُكله، وفي سنة أراها رمزية جدا غادر إلهام المدفعي بغداد، كان ذلك عام 1979، ورغم أن مغادرته لم يكن لها أي سبب سياسي على الإطلاق، إلا أن هذه السنة شهدت كما هو معلوم تنازل أحمد حسن البكر عن الرئاسة لصدام حسين، تمهيدا لحرب إيران. كان العراق يستعد لدخول النفق المظلم الذي سيؤدي به لاحقا إلى ما أدى من تتابع متسلسل كسقوط قطع الدومينو…ـأحداث متتالية همشت البغداديين أكثر فأكثر حتى صاروا يشعرون بالغربة في بلادهم التي كانت بدأت بالاغتراب عن نفسها….
وعندما عاد إلهام إلى بغداد عام 1990 وجد جمهورا أكبر بكثير في انتظاره، كان كل ما يحدث في العراق قد جعل الحنين إلى الماضي يصبح منطقيا أكثر، كان الماضي أكثر أمنا واستقرارا ورفاهية..، بينما بدا الواقع غامضا منذرا بعواقب وخيمة..
في التسعينيات لم يعد المدفعي ذلك الفنان المتمرد الذي حاول الموسيقيون التقليديون تجاهله في السبعينيات، بل أصبح مدرسة تخرج منها شباب كثيرون كانوا صغارا يوم بدأ وكان"إلهام"إلهاما لهم بحق،..بل إن سنوات الغربة خارج العراق ونجاحاته في الخارج كانت قد كبرته في عيون العراقيين (وهي عادة عراقية مؤسفة: عليك أن تنجح في الخارج أولا، كي نعترف بك ونأخذك على محمل الجد..والعادة الأسوأ منها هي: لا نأخذك على محمل الجد إلا في حفلك التأبيني… بعد عمر طويل من التجاهل إن شاء الله)..
حرص المدفعي في هذه المرحلة على أرشفة ما قدم من أغان وتسجيلها في استديو، وتحولت أمسياته في مسرح قاعة الرشيد والمسرح الوطني إلى حدث ثقافي جماهيري، قدم فيها إلهام ليس فقط التراث العراقي ممهورا ببصمته وطابعه، ولكن قدم أيضا جديده الخاص به، خاصة القصائد التي كان لها وقع مختلف ومميز، نجاح إلهام في هذه المرحلة أدى لاحقا إلى موجة من الاهتمام بالتراث عند المطربين الشباب، حتى يقال إن عدي صدام حسين قد أمرهم بذلك أمرا..لا يمكن التأكد من ذلك الآن، لكن كل المطربين الشباب في فترة التسعينيات سجلوا وصورا أغاني تراثية ونجح بعضهم بها.. الفرق أنهم كانوا يقدمون تراثا بآلات حديثة، بينما كان إلهام يقدم كل شيء ببصمته وتوقيعه وروحه بحيث يبدو كل ما يقدمه"أصيلا وتراثيا"حتى لو كانت أغنية معاصرة تماما، كما فعل مع"اشـكر بشامة"التي غناها فاضل عواد أواخر السبعينيات، لكنها مع المدفعي تبدو كما لو كانت تراثا ينفخ فيه المدفعي الروح.
لم يدم بقاء إلهام في بغداد طويلا، حصار التسعينات  سبب هجرة الكثيرين من العراقيين خاصة من الطبقة الوسطى، وكان إلهام مثلهم أيضا…خرج بحثا عن وضع أكثر استقرارا..عن جنسية أخرى…عن وطن آخر…كما فعل الملايين منهم عبر التسعينات وما تلاها.

**********

يستطيع إلهام أن يعزف على الغيتار بمهارة يشهد له فيها الخبراء ولست منهم ولا أملك اي خبرة في ذلك..
لكني أشهد له بمهارة عزف أخرى، عزف على أوتار النفس، على أوتارك الشخصية جدا، يدخل بأصابعه وحنجرته إلى داخلك، فتجد الكلمات المسكونة بالشجن تكون على لسانك أنت..
في أوائل سنوات غربتي كنت أشعر أن بغداد هي التي تخاطبني على لسان إلهام: هذا مو إنصاف منك ولا منك أصول…غيبتك هلكد تطول…الناس لو تسألني عنك…شردأجاوبهم؟ شـكول؟
كنت أشعر أنها تلومني على الغياب…كانت تنمي مشاعري بالذنب، مثل أم تعرف كيف تستثمر عقد أولادها ومشاكلهم، لصالح استمرار سيطرتها عليهم.
مع الوقت…تغير الأمر…تمردت على الأم التي تستثمر مشاعري تجاهها على هذا النحو…صرت أقول لها: ماذا عنك أنت؟ لقد غبت قبل أن نغيب..تركتنا قبل أن نترك…أحببناك نحن فهل أحببتنا أنتِ؟.
صرت أنا من أسأل بغداد على لسان إلهام: الناس لو تسألني عنك…شرد أجاوبهم؟ شكول؟
ربما هي طريقة لعقلنة مشاعر مؤذية،..هذا أوفر بالكلينكس على الأقل..
أما إلهام فهو يرد مخاطبا بغداد مباشرة، بكلمات نزار قباني:
 بغداد جئتك كالسفينة
متعبا…
أخفي جراحاتي
 وراء ثيابي…
مدي بساطي..
واملأي أكوابي…
وانسي العتابَ…
فقد نسيت عتابي!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية