العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :44
من الضيوف : 44
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293205
عدد الزيارات اليوم : 10283
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الهـــام المدفعـــي بين شجون الكيتار واستلهام التـــراث

عباس الحسيني
ان اول صورة  تتناولها ذاكرة المستمع او المشاهد لهذه الشخصية التي ظلمتها الإقلام  الناقدة، هو روح  التراث والأصالة، ولأن الشاعر حكمت الحاج تحدث عن الحفل  الموسيقي الذي احياه الفنان الهام المدفعي على الفضائية التونسية – فان  مقالته الطيبة وان ذهب الى بعض من التاريخ فيها جاءت وصفية وسريعة، وهو ما  جعلني اكتب هذه السطور التي كانت في ذاكرتي لولا السبق الجميل الذي حققه  الشاعرحكمت الحاج..


والحق ان الفنان الهام المدفعي رمز ارتبط اسمه بآلة الكيتار الغربية، عزفا وأداء صوتيا، غير ان ملامح الأداء التي سار الفنان الهام المدفعي عليها وطورها  خلال  سني مسيرته الفنية، انما  تمثل عملا خلاقا ورائعا  تجسد في السعي الدؤوب الذي قام به الفنان في نقل وتوزيع معالم ومفردات موسيقى التخت الشرقي  الى آلات  ( الباند الغربي)، ولأنني ممن امتهن  شخصيا  العزف على آلة الكيتار، فإن بعض الإيقاعات التي تؤدى في النمط الغربي كانت من ابداعات الفنان ذاته، ويتناولها الموسيقييون بـإسم الهام المدفعي، ومنها الإيقاع الذي يؤدي الفنان عليه الاغنية المقام العراقي التراثية (يا زارع البزرنكــوش – إزرع لنــا حنـّة) حيث يطلق على إيقاعها (إلهامي)،وهو ما أغضب الفنان والملحن العراقي عباس جميل، حين أدى معنا في جمعية الفنانين في المنصور أغنية  (يازارع البزرنكوش)، حيث قال ما الذي تعنونه بـ (إيقاع الإلهامي)  وحين استمع الملحن الكبير اليه، وجد فيه بعض الإختلاف في الدوران الذي تؤديه الطبول الغربية مع جزئي الصنوج المصاحبة، فأثنى عليه.
 وللأمانة التأريخية فقد أدى الهام المدفعي هذه الأغنية  وأغان تراثية أخرى مثل (ون يا كلـب) وأغنية (النوم محرم على الأجفان – لما حبيبي جافاني) وأغنية (واعله جبـين الترف ) و (ما رابض) و(جل جل عليه الرمان) و (آنه إمنين وإنته إمنين- حادك حادك زماني)  وكلها من الوان المقام العراقي الرائع، وقد اضاف اليها جملة من الفنانين أغان أخرى مثل اضافة الفريق البغدادي (ديفلز) لأغنية (تانيـني صحت عمي يجمـال) من التراث الريفي المتأخر، وهي من كلمات والحان وغناء الفنان عبد الجبار الدراجي وأغنية (يا ناس ولفي شماله) للمطرب الكبير (ناصر حكيم) وأغنية (علليالي ليالي ليالي) للمطرب الريفي المشهور _ (داخل حسن).
 اما في تحليل إيقاع الجورجينا العراقي الخالص ، فهو إيقاع  تنفرد بتأديته الموسيقى العراقية لوحدها،  وكما أدت ذلك المطربة العراقية الرائدة (عفيفة اسكندر) اغنية – (شدعيلك يللي إحركت كلبي) و(يم عيون حراكة) لزهور حسين وأغنية (للناصرية) و (الليلة اسافر للهند واشوف حبيبي) (نوحي على العافوج يا روحي نوحي) من المقام العراقي الأصيل، حيث أدى الفنان الهام المدفعي أغنية (يحمام  يحمام) للمطرب رضا الخياط على ذات الإيقاع، علما بان إيقاع الجورجينا الثقيل،  إذا ما سُـــرّع الزمن فيه (التامــبو)  فإنه سيقترب من إيقاع (الهيـوه) الخليجي – الأفريقي الجذر، و حين سمع موسيقار الأجيال الملحن العربي محمد عبد الوهاب  إيقاع الجورجينا العراقي، فقد قال  قولته الشهيرة :"ان مجمل الموسيقى العربية تدور في فلك واحد، بإستثناء  الموسيقى العراقية، فانها تدور في فلك خاص بها" .
    لقد كانت اسهامات العام المدفعي في مجال توزيع الجمل اللحنية إبداعا آخرا، يضاف الى ابداعاته في العمل في مجال التراث الموسيقى العراقي الأصيل، حيث أصبحت آلة (الباص كيتار)، بديلة لآلة (الكونترباص) في التخت الشرقي، ولكن بأسلوب (الجمل المكررة – الدبــلات) ومن الذين أبدعوا في ذلك الفنان العراقي عازف الباص كيتار الرائد (آرميــن)، وهو نهج جعل الأغنية تتماهى مع النغم المهيأ والجديد من مزاوجات الحروف الموسيقية داخل ذات الإستقرار اللحني، وهو جمال متموسق لم تألفه الأذن الشرقية من قبل، لكنه وبمصاحبة الخلفية الموسيقية لآلة الكيبورد (الأورغ) للفنان (سعد هرمز)، والأداء الشاعري لآلة وصوت الفنان الهام المدفعي مع الترديد الهاروموني لفرقته المؤديه والمغنية معا، تكون النتيجة فنا أصيلا و مبدعا، لا يتضارب وشرائط الأداء اللحني العربي، وان احتج البعض من النقاد والموسيقيين ومنهم الملحن العراقي فاروق هلال، على ان هذا الأداء انما  يمثل تغريبا وابتعادا عن الجذر الموسيقي الشرقي، في تقليد الآلة الغربية لحرف وروح الآلة الشرقية، وهو رأي يحمل الكثير من الصحة عند التذوق العالي لما يطلق عليه الملحن العراقي المعروف طالب القره غولي (روح الأداء في الآلة والصوت المؤدي – المطرب -).
ان الهام المدفعي في توزيعاته التي اختلفت ما بين المقام العراقي كما في الأغان التي اشرنا اليهن، أو اغاني المعاصرين له، والمطربين العرب، انما يمثل حالة من حالات تمثيل الأغنية الشرقية لكي يثبت انها حية، ويمكن تؤدى على مختلف الثقافات الموسيقية، ففي الوطن العربي ما من مستمع نهم إلا ويتغنى بـ (مالي شغل بالسوك مريت اشوفك) و (فوك النخل) و(خطار عنده الفرح نعلك صواني شموع).
والشيء الأهم الذي فات الشاعر حكت الحاج ان الهام المدفعي وان كان من الرواد  في مجال تأدية الأغنية غربيا، الا انه لا يعتبر عازف الكيتار الأول في العراق وهناك عدة اسماء سبقته في هذا المجال ومنهم الفنان المعروف (فؤاد مسعود) والفنان (رهــرانت) الذي وزع للمطربة العراقية المعروفة  سيتا هاكوبيان أغنيات مثل (شـــوكي ) و (عَـلــشواطي عيوني تِـربي) و غيرها، ومن الجيل الثمانيني الجديد الفنان (هيثم كنار) والفنان (رعد بركات) والعازف العراقي المعجزة (توني) الذي يرأس معهدا في الأردن لتدريس آلة الكيتار، وهناك العازف والمؤدي ( ديلورعيسى) باغنيته التي اشتهرت في حينها (خاله شيسوي وياج؟) وتعد من التراث القديم، وهناك من الأسماء التي جاءت بعد الهام بفترة وجيزة، ومنها الباند الغربي (الأجراس) و(شيراك)، و غيرهم،  غير ان المميز في عمل الهام المدفعي هو الثقافة العالية في التذوق والأداء والإبتعاد عن الخطوط التجارية والأنماط  المستهاكة، وعمله الدؤوب في احياء معالم التراث الغنائي، وهناك اللمسـة الشاعرية في صوته الحنين الذي يشعرك برومانسية حقيقية كما في يا (عذولي لا تلمني، فالهوى غدار ) و (عسنك هله ويبه يا شط عسنك – محضي من شوف الماي) من المقام العراقي والتي اداها مطلع السبعينيات واغنية ( يضربني طول أنا بالخيزرانه... ) و(آنا يـسوادي) على إيقاع الهجع الراقص – وهي من التراث الريفي و(طلعت يا محله نوره...) للموسيقار العربي سيد درويش (تحت الرمانه) وغنيتها المطربة العربية المبدعة (فيروز)، حيث اعجبت المطربة الإيرانية الكبيرة كوكوش بأداء تحت الرمانه، فأدتها في بغداد.
ان خط الموسيقى الغربية يحمل جذورا عميقة في العراق، وذلك ان العراق، وهو بلد متعدد الأعراق والإنتماءات، يحمل الكثير من اناشيد وطقوس الأقوام التي كانت وما زالت تعيش على أرضه، حيث أثرت تراتيل الكنائس واناشيدها في القداسات وبما جعل شريحة كبيرة من المسيح - الآثوريين والأرمن والسريان في العراق – يؤدون مقاطع في أغنيات الأعراس والتوليفات الشخصية ذات طابع كنائسي ابرالي رائع، والأروع من ذلك ان النغم المؤدى يحمل طابعا شرقيا اخاذا كما في صوت المطرب (جنان ساوى) و (سركون هرمز) و(خبات) و (ديلورعيسى) وغيرهم.
لقد عمل الفنان الهام المدفعي، على مزج التراث بآلة الشجن الحديثة – الكيتار- وهو أمر يعد تطويرا وابداعا، حيث الشمولية (بسبب من سعة انتشار هذه الآلة وبساطتها وشاعريتها) في الاستماع الى الأغاني التي يعاد احياءها وبروح جديدة محدثة، لا تقترب إلا من روح ونسق الإبداع عند الإثنين (هم المستمع)  و(وله المؤدي)، كما قام الفنان العراقي الموصلي (سيف شاهين) - بتقديم أغان عراقية على نمط (البلــوز الغربي) في أغنية (حتى انتِ اللــي أحبه) ومن قبل اغنية (ما ريدك ما ريدك).
تحية خالصة الى الفنان المبدع الهام المدفعي،  والى مزيد من الإبداع والأستلهام الشعري للشاعر التونسي الرائع  ابو القاسم الشابي، وهو عمل اداه الفنان الهام المدفعي في مطلع السبعينيات، ثم اعاد تسجيله بأسلوب حديث، ولألهام المدفعي اغنية اخرى من قصائد الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي، وقصائد أخر تضمنتها حفلاته الخاصة.
تحية من القلب الى واحد من اعمدة الهم الموسيقي العراقي والعربي، شاخت الآلة يديه، وهو ملتزم ومبدع لا يشيخ،
حيث عمل على اللحن والعزف والتوزيع والأداء معا، مع الوفاء الرائع لأحياء جذور التراث من المقام والأغنية الريفية والمتداولة، تحية الى الهام المدفعي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية