العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :44
من الضيوف : 44
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293518
عدد الزيارات اليوم : 10596
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


برتلوتشي الرائع

فيلم برتولوتشي الحائز على تسع جوائز أوسكار لهذا العام
فاطمة المحسن
انشر  مادتي التي كتبتها عن فيلم برتولوتشي العام ١٩٨٨ في مجلة "الحرية"  الفلسطينية عندما حاز على الاوسكار. فالمخرج الذي تابعته وحلمت بلقاء صحافي  احققه معه خابت الايام مسعاي.، ولكن ملحمته "١٩٠٠" عن صعود الفاشية في  ايطاليا وهي تكاد تشبه الوضع العراقي او هكذا رأيناها نحن الهاربين من جحيم  صدام، واحدة من اهم ملاحم السينما الايطالية بل العالمية..


 ربما يوازيها فيلم سيرجي ليوني العظيم عن اسطورة الغرب الاميركي الذي يهشمها في فيلمه "حدث مرة في الغرب" وفيلم كوبولا "العراب"وربما "الطريق الى الهند". اطلت عليكم لدي الكثير عن برتلوتشي، ولكني الان متعبة ومالي مهجة بالعراقي كي اتحدث عن المزيد واخصص موضوعا جديدا عنه. ربما تلخص تغطيتي هذه عن فوزه الاوسكار،سر اعجابي، فاعذروني على الحديث المطول فقد شغلتني وفاته هذا اليوم رغم مشاغلي الكثيرة.

عزلة «الأمبراطور الأخير»
إذ كان ثمة من واجب يدعونا للتنقيب عن مغزى إنتاج فيلم مثل"الامبراطور الأخير."فإن علينا أن نتأمل في أساليب المخرج الإيطالي برناردو برتولتشي، منذ فيلمه 1900 ـ عام 1977 ـ وما قبله «الممتثل» ـ عام 1970 ـ في البحث عن سجايا الشعوب في خصال الشخصيات الإنسانية.«1900"صور فيه جزءاً من التاريخ الإيطالي المعاصر بعيداً عن الأباطيل القومية، وقريباً من الواقع الإنساني.
ولأن الصين هي الصين التي يصعب على الأوروبي معرفتها، فقد دخل في فيلمه «الأمبراطور الأخير"من بوابتها الملكية، ولكنه لم يقدر أن يخرج من بوابة الشعب فنال أوسكار هوليود عن استحقاق وجدارة، وصنع فيلماً يليق ببرتولوتشي، ولكنه يتكيء على أمجاد ملحمته الفيلمية الرئيسية.
برناردو برتولوتشي (مواليد 1940) حصد مجده في وقت مبكر. فعمره السينمائي يعود إلى مطلع الستينيات يوم عمل كمساعد للمخرج المشهور بيير باولو بازوليني في فيلم «أكاتوني». ونفذ أول فيلم له عام 1962 بعنوان «الرفيقة» وحظي ثاني أعماله «بداية الثورة"بأول انتباه عالمي، يوم حصل على جائزة النقاد الشباب في مهرجان كان الدولي عام 1964.
هذا الشاعر الذي هجر الشعر إلى السينما، وبقي يحتفظ منه بعينه السحرية، أخرج أكثر من عشرة أفلام حتى اليوم، كان من بينها «التانغو الأخير في باريس" عام 1972 ـ أكثر أفلام السبعينيات إثارة للضجيج في العالم. فقد أفزع رقابات الأفلام في العالم بمختلف تلاوينها لما يحويه من اباحية، واستهانة بالأعراف الأسرية والاجتماعية، فعمدت الرقابات إلى تقطيع أجزاء كبيرة منه، ولم تجرؤ على منعه. فقد تحصن بشهرته، وبفضول الناس وتشوفهم لرؤيته.
بعد «التانغو الأخير"بقي الناس ينتظرون خطوته التالية في الوصول إلى هوليوود، فقد كانت تناديه بأصوات منتجيها الكبار، ولكنه أدار لها ظهره، وأخراج فيلم القرن العشرين أو «1900"معززاً انتماءه إلى جيل السينما الستيني في إيطاليا الذي سعى إلى خلق سينما تقف على مبعدة من لغة هوليوود السينمائية.
انتهى من فيلم 1900 عام 1977، وهو شريط يستغرق خمس ساعات، واعتبره النقاد ملحمة سينمائية هامة في تاريخ السينما المعاصرة.
الفيلم ينطلق من هوى طبقي في معالجة جزء من التاريخ الإيطالي يبتدئ مطلع هذا القرن. والصراع فيه يعتمد على المجابهات بين شخصيات تمثل في تقاطعها وتوازيها احتدامات الطبقات في صعودها وهبوطها، وعلى تشعب هذه الموضوعة واتساعها، فقد استطاع أن يحكم فنياً سير حركة العلاقات الإنسانية بغناها الداخلي وتنوعها، ومركّباتها المختلفة عبر متابعة تلك الحيوات الدامية لشخوصه. لقد أرانا كم من البشاعة والدم والألم تحملت إيطاليا لكي تعرف الفاشية على حقيقتها. وكم هي مكلفة تلك الخيبات المتكررة لتحالفات الطبقة العاملة.
كانت مقدرته الإخراجية في إدارة الفيلم ترشحه لأفضل الجوائز العالمية لو قُيض له يتقدم إلى مسابقة ما، رغم حساسية موضوعاته، وميلها نحو رؤية سياسية لا تلقى قبولاً لدى بعض نقاد الغرب والمشرفين على مسابقاته.

سيرة الرجال، ومفهوم البطولة
إن أراد مخرج من هذا الطراز أن يتصدى لموضوعة أخرى من الشرق، فهل يتعين عليه أن يعتمد أقوال الرحالة، أو تاريخ الاستشراق الذي غالباً ما يبحث عن ما يتخيله من ابهار وسر خفي في تلك الأصقاع النائية؟ لقد ذهب برتولتشي إلى الصين، وحاول نبش ماضيها القريب، ولكنها بقيت مغلقة بوجهه على ما يبدو، وبقي طموحه في كسر سورها العظيم للنفاذ إلى روح الشعب أمنية صعبة التحقق، فاعتمد على سيرة فردية لبطل لم يحكم يوماً، وعندما حاول فقد عرشه. وكان عليه، حسبما جاء في فيلمه، أن يرى التاريخ سينمائياً بزاوية محددة تبدأ وتنتهي بحياة إنسان، حتى ولو كان هذا الإنسان أمبراطوراً، ومدينة معزولة، هي أقرب إلى الخرافة منها إلى الواقع: «والمدينة المحرمة» التي ترعرع الأمبراطور فيها في عزلة كاملة عن الشعب ومجريات الأحداث العظيمة التي مرت بها الأمة الصينية وقتئذاك، ولكن انشغاله بتلك السيرة لم يكن انشغالاً هوليوودياً مبسطا، فقد أوجد لها امتداداتها وتعميماتها الإنسانية العميقة التي تصنع من مادة الأحلام واقعاً إنسانياً، حتى ولو تصدت له شعرياً. كان برتولتشي يدور حول إنسانية أمبراطوره وعذاباته اليومية للخروج من عزلة فُرضت عليه، عزلة تقف بين تاريخين، تاريخ على وشك الانتهاء، وآخر يصارع ليغليه.
ـ الرجال ليسوا رجالاً هنا.. أنهم فكرة، حلم.
هكذا تخبره داواجا الأمبراطورة العجوز وهي تتوجه أمبراطوراً جديداً على الصين، وهي بهذا تملي عليه مستقبلاً ينتظره خارج المعبد البوذي، ويلاحقه إلى قلب أوروبا في هزيمة روحه وهشاشتها الإنسانية.
أراد برتولوتشي في هذا الفيلم أن يقول إن بطله لم يكن بطلاً إغريقياً ممجداً، يقود جيشاً أو يصنع هزيمة أو انتصاراً، ولكنه ناضل على جبهة روحه لكي يكون إنساناً، وليس فكرة مجردة. وكان عليه أن يتملى في التقاليد والأعراف المملة البطيئة التي تسّوره ليكتشف أيما ثغرة للنفاذ منها. وفي بحثه عن خلاصه الشخصي، وفي أحيان عن خلاص بلاده، لم يجد سوى في شخص أستاذه البريطاني معبراً للوصول إلى العالم الأرضي، بعيداً عن «المدينة المحرمة». وهي موضوعة نظر إليها برتولوتشي من زاوية استشراقية بحتة، فالرجل الأبيض هنا هو الحضارة، والحرية الإنسانية وعادات الحياة الجميلة، متناسياً وجهها الآخر، الاستعماري. ولم يغمز بطله البريطاني سوى بلقطة واحدة كان ترميزها المتكرر في أفلام ومسرحيات عديدة عاملاً عن عوامل اضعافها. فهو يعتلي كرسياً مرتفعاً ليشهد هزيمة الأمبراطور بأعصاب باردة بعد أن أشرف على مبارياته في لعبة التنس الأوروبية.
لم يكن دور الأوروبي هنا دوراً تنويرياً، بل كانت مقاصده، ترقى إلى مستوى كشف مفاسد الطغمة التي تدير المدينة في الخفاء. من خلال هذا الدور، الذي أراده برتولوتشي للرجل الأبيض، حاول أن يعيد ترتيب اعتقاداتنا عن مطامح الاستعمار الغربي التاريخية في هذه البقعة من العالم، والتي أثبتتها وقائع تاريخية كثيرة غير نية الأستاذ الطيبة تلك.

الحب هو الفقدان
نقّب برتولتشي في سيرة هذا الأمبراطور عن التفصيلات الإنسانية الصغيرة، لكي يخلق منها عالماً لا يتوغل في روح الشعب الصيني، ولكنه يتصل به بروابط خفية هي من صلب تراثه وطقوسه المتوارثة من أجيال، والتي تركت بصماتها على تاريخ الصين الحديث بعد الثورة، وتمثلت بين ما تمثلت بفكرة عبادة الفرد التي تولت مهمة تهشيم الثورة العظيمة من الداخل.
إن حياة هذا الأمبراطور المستلبة تبدأ بانتزاعه من أحضان أمه، وتركه للوعة الفقدان الأولى، لكي تتوجه أمبراطوراً، فكرة مطلقة، فوق مشاعر البشر ونوازعهم، وبعيداً عن عيون الرقباء ينسج علاقة أمومية بديلة بمربيته، علاقة فائقة العذوبة يصوغها المخرج في لقطتين شعريتين هامتين في الفيلم، يستعين فيها بالتشكيل والإضاءة والحوار الهامس. الأولى عندما تقص عليه وهي ترضعه، قصة الشجرة التي عندما تهاوت تفرقت عنها القردة، وهي حكاية ذات دلالة. والثانية تتمثل بحركتها وهي تهدهده بعد أن التجأ إلى صدرها ليرضع وهو صبي تجاوز سن الرضاعة بكثير. أن حركة الأصابع الموحية التي يستخدمها المخرج كدليل للتواصل في أكثر من لقطة في الفيلم، ومنها هذه اللقطة، مستمدة من شكل الحركة التشيكلية للرقص الصيني. هذه العلاقات الحبية التي تربطه بمربيته يفقدها بقرار بعد أن اكتشف الحراس إنسانيتها، فيركض وراء العربة التي تقل مربيته إلى المجهول. ثم يتابع ركضة وراء العربة التي تنتزع منه زوجته في زمن لاحق. أمام بوابة مدينته المحرمة تتهاوى أحلامه في الحب واحداً بعد الآخر.
الفيلم يقول لنا أن ليست الأقدار وحدها من صنع عزلة الإنسان، ولا البعد الجغرافي، بل تركيبة الإنسان ذاتها التي هي مزيج من العادات والتقاليد المتوارثة التي تسكن أعماقه دون إرادة منه. لعل طموح الامبراطور للخروج من أكذوبة السلطة المزيفة ينقلب إلى الضد عندما يذهب إلى أوروبا، ويعيش على هواء... «لقد حلمت أن أكون دون جوان!»، ولكنه يعود عند أول فرصة يلّوح له بها اليابانيون. ويظل ساكتاً حتى عندما يجتاحون منشوريا، أرض أجداده، ويقيمون مذابحهم فيها: «أتعرفين معنى أن أكون أمبراطوراً مرة أخرى؟»، يخاطب زوجته التي ترثي هوان سلطته، في ظل حراب اليابانيين، تاركاً إياها لخدر الأفيون الذي يهرب الصينيون بواسطته في واقعهم إلى عالم الأحلام، والموت. ولا يكترث للعلاقة الشاذة التي تنسجها الجاسوسة اليابانية مع زوجته، والمخرج لا يأتي جديداً بإشاراته الفنية حول فقدان الأمبراطور قدراته على ممارسة الحب مع زوجته، واضطرارها الانصياع إلى الجاسوسة اليابانية التي تكرهها تعويضاً، ولكنه يتركنا متأملين في العلاقة بين زوجتيه الأولى والثانية ومصائر كل واحدة منهن على حدة.

دلالة المكان ومهارة الصنعة
اعتمد الفيلم في متابعته مصير بطله التراجيدي على أسلوب الاسترجاع والتداعي، حين عاد المخرج به من المعتقل الذي زج الشيوعيون الأمبراطور فيه إلى ساعة تتويجه الأولى. ومر سراعاً على الشخصيات الكاريكاتيرية للثوار! لقد بدا سجانوه على درجة القسوة والاستبداد، انكمشت مقابلها خطايا الأمبراطور الوطنية. ولم يكن بينهم من يمكن أن ينسج معه جسراً من التواصل الإنساني، عدا الشخصية التي انقذت حياته من الانتحار. والتي ذهبت إلى المقصلة أيام حصاد الثورة الثقافية اللاحقة. كان حوار الأمبراطور مع هذه المرحلة من عمر الصين، مرحلة الثورة، حواراً مقطوعاً، فهو من الماضي، من الأحلام والرؤى، والثورة أرضية بخيرها وشرها.
المكان هنا هو بؤرة التجمع التي لا تبقى دونها أية قيمة للفعل أو الشخصية أو الزمن.. هي أرض الصين التي أراد برتولوتشي أن يفك طلاسم رطانتها العصية على الفهم عبر تملي صورتها البرانية الأخاذة، فكان سيد صنعته في فيلم هادئ، عذب، استخدام في إضاءته الأصفر المبهر في تنويع تشكيلي، مستفيداً من طرز البناء والأثاث الصيني ليشيد ديكوراً أنفق عليه مبالغ ضخمة، ولم يستخدم الحشود الكبيرة على ما يتوقع المرء من هكذا أفلام، بل اعتمد على الصور الوثائقية للحرب.. ولم يظهر لحظات الصدام بين الحاكم والشعب، وانتفاضات الناس وتمرداتهم، فالأمبراطور يتحدث عنها في حواره مع أستاذه كلعبة يرى نفسه شديد الشوق لممارساتها.
حركة الفيلم في الغالب تعتمد على الترتيب والنظام الذي استمده من الهدوء في الطقوس البوذية وموسيقاها الرتيبة، وعلى عكس أفلامه الأخرى، وبالأخص «1900»، لم يصور العنف والمجازر والدماء، بل تابعت كاميرته بشوق وتذوق جمالي، وجوه أبطاله، وأبرزت سجايا الجمال الأصفر، وصبرت على حوارات عميقة هادئة ممتعة تأخذ بها اللقطة مداها دون أن يتدخل المونتاج.
الفيلم لم يتجول في شارع صيني واحد، ولم يدخلنا غابة أو مستنقعاً أو حديقة عامة أو بيتاً لعامة الناس. لقد كانت الظلال الدقيقة لقصر الأمبراطور تحكم حركة حاشيته، وانشداههم في عالم بدا مسحوراً خارج الواقع والتاريخ.
ولكنه الآن، وبعد مسيرات الصين الطويلة في دروب آلامها يعني شيئاً آخر.. انتبه له المخرج في خاتمه فيلمه الأخادة التي تزن وحدها صنعة أستاذ في الإخراج، لا يعادلها ذهب الأوسكار وحده.

أوسكار عام 1988
فاز فيلم «الأمبراطور الأخير»، الذي أخرجه الإيطالي برناردو برتولوتشي ـ ولكنه من إنتاج أميركي (بمساهمة صينية رسمية، حيث صُوّر الفيلم في الصين بمساعدة آلاف الممثلين والكومبارس والفنيين الصينيين)، فاز يتسع جوائز أوسكار لهذا العام، أعلنت عنها الأكاديمية الأميركية للفنون (مع الجوائز الأخرى) في أواسط شهر نيسان الماضي. وبذلك يأتي هذا الفيلم، من حيث حجم الأوسكارات التي حصل عليها في المرتبة الثالثة في تاريخ هذه الجائزة منذ تأسيسها، بعد فيلم «بن هور"الذي حاز عام 1960 على 11 أوسكاراً وفيلم «قصة الحي الغربي" وست سايد ستوري ـ الذي حاز عام 1963 على 10 أوسكارات.
أما جوائز «الأمبراطور الأخير"فكانت:
ـ جائزة أفضل فيلم لهذا العام.
ـ جائزة أفضل مخرج.
ـ جائزة أفضل مونتاج.
ـ جائزة أفضل تصوير.
ـ جائزة أفضل صوت.
ـ جائزة أفضل موسيقى فيلم.
ـ جائزة أفضل أزياء.

عن صفحة الكاتبة فاطمة المحسن
 في موقع فيس بوك



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية