العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293212
عدد الزيارات اليوم : 10290
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ذكرى عمي الفنان الرائد محمد صالح زكي

هشام المدفعي
لابد من القول  في البدء أن الجيل الأول من الرسامين العراقيين ومعلمي الرسم قد درسوا في  الأكاديمية العسكرية في أسطنبول، وكان من ضمن منهاج الدراسة الخط العربي  ورسم المنمنمات ومن هؤلاء الفنانين البارزين الفنان عبد القادر الرسام  والحاج محمد سليم الموصلي والد الفنان جواد سليم والفنان حسن سامي والد  الفنان عطا صبري والفنان محمد صالح زكي وعاصم حافظ وناصر عوني وشوكت الخفاف  وفتحي صفوت وغيرهم من مشاهير الرسامين آنذاك،


 وكل هؤلاء أصبحوا مدرسين لمادة الرسم في المدارس العراقية عند تأسيس الدولة والمملكة العراقية، ووصلنا منهم العديد من اللوحات التي أثرت تأريخ الفن العراقي منذ ذلك التأريخ والى وقتنا الحاضر وبتلك اللوحات العبقرية شارك الفنانين بالعديد من المعارض أولهم معرض جماعي شارك به هؤلاء الفنانين الكبار الرواد مع طلابهم الشباب آنذاك هو (المعرض الصناعي الزراعي) عام 1931  وكان لهم جناح خاص لأعمال الرسم والنحت والتخطيط والخط العربي ومن الفنانين الشباب اللذين شاركوا في المعرض هو جواد سليم وسعاد سليم وحافظ الدروبي وعطا صبري وعيسى حنا.

الرسام التشكيلي محمد صالح زكي
أكتب بإختصار شديد ما أذكر عن عمي الرسام الفنان محمد صالح زكي (أبو زيد)، هو من الفنانين العراقيين الأوائل الرواد الذين نشأوا كفنانين في شبابهم في بغداد، وصقلوا موهبتهم الفنية عندما التحقوا بالأكاديمية العسكرية وخلال خدمتهم  كضباط  في اسطنبول.

عمل الفنان محمد صالح زكي بموجب مهنته العسكرية كضابط في الجيش العراقي مع الملك فيصل الأول عند تأسيس الحكم الوطني في العراق وتدرج في رتبه العسكرية الى ان أصبح آمر الحرس الملكي في حينه، إلا أنه مارس في نفس الوقت هوايته في الرسم التشكيلي وابدع فيها. تدرج في خدمته العسكرية كضابط في مختلف أنحاء العراق ودرس بتمعن الطبيعة العراقية ورسمها مع تفاصيلها ومكوناتها بشكل و نظرة رسام وفنان سواء كانت في الريف او في الأهوار أو جبال العراق.

كزملائه الرسامين الرواد، عبد القادر رسام والحاج  سليم....،  أبدع كل منهم بطريقته الخاصة في رسم الطبيعة العراقية وتميزوا في رسم الوانها ومكوناتها ومياهها ونخيلها وتربتها.
تفرغ الرسام محمد صالح زكي الى هوايته في الرسم بعد تقاعده ورسم الكثير من اللوحات الزينية بمختلف الأحجام. لم نكن نعرف الكثير عن الفن والفنانين عندما كنا أطفال وطلاب في الصفوف الاولى من الدراسة.
طلب والدي مني وأخي قحطان ان نذهب وفق منهج في بعض أيام العطلة الصيفية الى عمي أبو زيد في بيته لدراسة اصول الرسم وللتدريب على مبادئه.  وما اذكر من الدروس التي تعلمناها، هو رسم الطبيعة. علمنا عمي أبو زيد ان نرسم الحروف الأبجدية كأشجار. اي رسم حرف ال (آ) كشجرة وكذلك حرف ال (ب) كشجرة مائلة... الخ.  من المبادئ المهمة في حينه، تعلمنا الرسم بدون لون أي أسود وابيض.

انطباعاتي عن عمي أبو زيد وما سمعته ورأيته،أنه رسم الكثير على جدران بيت عمي أمين في محلة الفضل في بغداد. كنا كشباب في عمر الكليات والثانوية نلتقي في بيت عمي لنتناول الغذاء (سانحة ولمعان وخلوق وزيد وقحطان وأنا  معهم وبالطبع اضافة الى الكبار عمي وزوجته ام سانحة)، نلتقي في بيت عمي ظهر يوم الجمعة لنتناول الغذاء بعد الأحاديث والتعليقات والنكات... أذكر أن جدران غرفة الأكل مرسوم عليها صور بالألوان الزيتية مرسومة على بياض الجص كمناظر طبيعية، مأخوذة على الأكثر من بوستكارد. بعدئذ عرفت انها كانت لتزيين البيت بمناسبة حفلة زواج لأحد أفراد العائلة.
أذكر كذلك (ولا أزال أحتفظ بالبعض منها) وجود بعض الصور الزيتية التي تزين جدران بيتنا في الكرادة وهي من رسومات عمي أبو زيدوأذكر كذلك ان معظم أفراد الجيل الثاني من أخوتي وابناء عمي يحتفظون بلوحات زيتية من رسم عمي أبو زيد

بسبب نشاطات عمي أبوزيد الذي خلفه بعده ابنه الفنان زيد، نشأنا غير بعيدين عن الرسم التشكيلي ونحن في مختلف الأعمار ومع مفاهيم فن الرسم كموضوع تتحدث به العائلة أحيانا، علما ان والدي كان كذلك من هواة الرسم و أذكر عندما كان والدي متصرف في لواء الرمادي، يشترك في الرسم أحيانا في لوحات زيتية عندما كان يزورنا عمي العقيد المتقاعد الرسام محمد صالح زكي وهو الأخ الأكبر لوالدي.
إعتاد عمي ان يتمتع بالإجازة الصيفية السنوية ويقضي شهر كامل في إحد فنادق المصايف شمال العراق (خانزاد في مصيف شقلاوة) الجميلة في لواء اربيل و أحيانا في سنوات أخرى يصطاف في (سر عمادية) التي تقع اسفل الجبل قبل الصعود الى مدينة العمادية في محافظة الموصل، متمتعا بشلالاتها الطبيعية ووديانها ومناظر الجبال المحيطةبها ومنها جبل عماديةالذي تقع مدينة (العمادية) في أعلاه.أعتاد ان يرسمعلى  ورق الرسم سكيجات للمناظر التي يختارها،مسجلا عليها ملاحظاته وما يرغب تذكره عن الألوانكيما يحقق لوحات زيتيه مستقبلا.
من عاداته واسلوب عمله أنه معجب بالنكات والتعليقات الجميلة
كان عمي أبو زيد الرسام محمد صالح زكي شغوف بالنكتة والكثير من أحاديثة ترفق بتعليقات ومزاح جميل، كما كانت من عاداته ان يرسم وهو جالس على الأرض أي يفترش الأرض بشكل مريح لابسا العرقجين على راسه وأمامة اللوحة الزيتية وبجانبه مجموعة الالوان والباليت. كان يتمعن باللوحة الزيتية كثيرا عندما يرسم، مما يستغرق فترة طويلة لأكمال اللوحة الزيتية.وكثيرا ما كان يعزف على آلة العود في هذه الاستراحة متمتعا بالموسيقى وهو ينظر الى لوحاته الزيتية.

قصة اللوحة الزيتية هدية ياسين باشا
دخل عمي أبو زيد وهو الأخ الأكبر لوالدي، الى بيت أخيه حسن (والدي) وسئل والدتي عن اللوحة الزيتية الجميلة التي تحتفظ بها كهدية منه،موضوع اللوحة"ورود شقائق النعمان"وهي لوحة جميلة جداتعتز والدتي بها كهدية زواج... قال عمي ابو زيد مخاطبا والدتي بشكل مستعجل... وجيهه... سآخذ هذه اللوحة منك واعوضك عنها.
وفي اليوم التالي لاحظ عمي بكاء والدتي بسبب فقدانها اللوحة التي كانت تعتز بها كثيرا... تألم كثيرا ووعد والدتي بأن يرسم لها لوحتين عوض عنها... اكمل اللوحتين، بأبعاد 60 سم و 40 سم عرض لكل منهما،  راسما الورود الجميلة لتلك الفترة من الزمن في بغداد، كانت هدية ثانية لوالدتي التي كانت تحترمه الى درجه كبيرة.
وبعد سنوات من الزمن، أهدتني والدتي احدى اللوحتين وهي لوحة زيتيه 60x40لباقة من ورود شقائق النعمان الرقيقة بألوانها الحمراء الجذابه، اللوحة مؤرخة 1934، والثانية احتفظت بها هدية منها الى أخي الأصغر الهام حيث كان مع فرقته الموسيقية في لندن.

وقصه فقدان والدتي الى لوحتها تتلخص بما يلي :
كان الرسام عمي ابو زيد وهو آمر الحرس الملكي في بغداد، وهو معروف ايضا  باهتماماته كرسام، قد لبى طلب صديقه رئيس الوزراء السابق ياسين باشا الهاشمي مع الممنونية بأن يهديه لوحة زيتية. الطرفان مشغولان بأعمالهما، وعندما يتذكر الباشا موضوع اللوحة الزيتية، يسأل أبو زيد متى يكمل رسم اللوحة.... يجيبه ابو زيد... نعم باشا... بعد كم يوم انشاء الله... ويمر الزمن ويعود الباشا ويسأل ابو زيد مرة اخرى... هل أكملتم اللوحة؟؟ كلا بعد كم ضربة فرشه. وهكذا.
وفي أحد الأيام قرر الباشا وخابر هاتفيا أبو زيد... انا متوجه اليك... واصطحابك بسيارتي الى بيتك... قائلا، كم ضربة فرشة ماكو حاجة إلها...(معلقا على أعذاره أحيانا)... وصلت السيارة الى بيت أبو زيد، نزل من السيارة أبو زيد ودخل بيتة... خرج من البيت وفي يده إطارللوحة زيتية... سائلا الباشا، هل تريد اللوحة بهذا الحجم؟؟
وفي اليوم التالي سلم أبو زيد اللوحة الزيتية (لوحة الورود العائدة الى والدتي) هدية كاملة الى صديقة ياسين باشا.

عرض اللوحات الزيتية
اللوحات الزيتيه ورسوم الفنان محمد صالح زكي عرضت في كالري زينب مهدي في معرض نبيل محمد صالح الذيعرض فيه معظم الاعمال الفنية لرسومات والده ابو زيد وكذلك عرض بعض اللوحات الزيتية لعمي كجزء من المعرض الموسع لأخي قحطان في كلري زينب – الواقع على شارع ابو نواس في بغداد، الذي عقد لأول مرة على مدى ثلاثة أيام، اليوم الأول قحطان كمهندس معماري واليوم الثاني قحطان كشاعر واليوم الثالث قحطان المدفعي كفنان تشكيلي حيث عرض عدد كبير من لوحات الرسم التشكيلي التي رسمها قحطان في بغداد واثنا.
لا نذكر شيئ عن معارض الحركة الفنية للفنون التشكيلية في فترات قبل خمسينات القرن العشرين بسبب الحرب العالمية الثانية وقبل عودة طلاب الفن التشكيلي الأوائل من دراساتهم في فرنسا وايطاليا.
من اول المعارض الفنية,في اوائل الخمسينات,التي اذكرها هو المعرض الذي عرض فيه أخي سهام المدفعي لوحة رسم تشكيلية جميلة... علق عليها في اليوم التالي، ناقدا الفنان عطا صبري في الصحافة قائلا (أما لوحة الفنانة سهام....)، كان وصف عطا صبري لسهام كفنان أمر نتندر حولة، ياما تندرنا بهذا الوصف في حينه كأخوة لسهام. ومن المعارض الاولى التي اذكرها في بغداد هو المعرض الأول للرواد الذي عقد في قاعة العرض في مدرسة الصناعة التي كانت تقع امام سينما الخيام في الباب الشرقي  موقع المؤسسة العامة للصناعة حاليا واشتريت لوحة مرسومة من قبل الفنان فائق حسن على ورق رسم حجم A4 بالالوان المائية لغابة الملك التي كلنت تقع في موقع الجامعة الستنصرية حاليا في بغداد.
هشام المدفعي 9 تشرين ثاني 2018



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية