العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23292943
عدد الزيارات اليوم : 10021
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


المنسي.. يوسف عبد المسيح ثروت

علي حسين
ما زلت أتذكر المرة  الأولى التي شاهدته فيها وأتمثل الآن تفاصيل هذا اللقاء الذي تم في  مكتبه"دار الكتب القديمة"الكائنة آنذاك في شقة وسط شارع الرشيد يملكها رجل  شديد الشّبه بيوسف عبد المسيح اسمه"يوسف عمانؤيل عبد الاحد"يكنّى بأبي  يعقوب، كان هذا الرجل مسيحيا آخر ترك الوظيفة العسكرية ورتبها الفخمة  ليتفرغ لمعشوقاته الكتب حين  قرر ان يفتح مكتبة أشبه ما تكون  بملتقى  للمثقفين وطالبي المعرفة،


 كتب بأثمان رخيصة تصل أحياناً الى حد المجان والرجل فرح بما صنعت يداه، لم يكن يعرف لأي مذهب ينتمي طلاب هذه المعرفة، هناك كان صاحبنا عبد المسيح يفترش الارض وحوله عدد من الكتب يتصفح بها يدقق في العناوين وينظر في المحتويات ثم يضع الكتاب جانباً حتى تحول المكان حوله الى أكداس صغيرة من الكتب.

اقتربت منه، لم ينتبه لوجودي ولكن حالما مددت يدي الى احد الكتب حتى رفع وجهاً يذكرك بهدوء بغداد، بطيبتها واستقرارها بانبساطها وامتلائها وعينين كعيني العارف لا تخطئان مرامي محدثها أبداً..كنت في ذلك الوقت،نهاية السبعينات، مغرماً بقراءة كتاباته التي قدم فيها شرحاً وافياً عن مفهوم الحداثة، وكانت مقالته الي نشرها عن شكسبير  في مجلة الاداب  منطبعة في ذاكرتي، فهذه المقالة الرائدة في التعريف بالدراسات الحديثة عن المسرحي الشهير  فتحت الطريق امامي لمعرفة معالم واتجاهات مسرح شكسبير.. كان ذهني مشغولاً بأسئلة كثيرة كنت اريد ان أطرحها على هذا الرجل الجالس أمامي، لكنه ما ان تحدث حتى تبخر كل شيء فاكتشفت انني مأخوذ بسحر الحديث أمام رجل يحسن اختيار مفرداته، هادئ، ودود، فيلسوف متمرد، يتحدث في كل موضوع فيجيد الحديث.. يناقش فلا يمل النقاش.. واحد من المتعطشين للمعرفة وكائن أتعبه البحث عن الكتاب وذبلت عيناه وهو يتسامر مع سحر الكلمات مسكوناً بالمعرفة وشغوفاً بكل جديد.. يؤمن بأن الثقافة حياة للشعوب. في تلك السنوات من عمر العراق كان يوسف عبد المسيح ثروت أثراً شاخصاً  من آثار بغداد مثل شارع المتنبي،  ومقهى البرلمان، ومكتبات شارع السعدون التي يحفظ كتبها واحداً واحداً، كان أشبه بسقّاء من سقاة بغداد، يملأ جراره بماء الثقافة ليدور بين الناس، ساعيا إلى ان يزرع الارض بكل ما هو خير وجديد.جاء عبد المسيح من ديالى الى بغداد بناء على دعوة من جبرا ابراهيم جبرا الذي توسم في كتاباته وترجماته أثراً طيباً، كانت ديالى التي غادرها  اشبه بعالم صغير جميل، مختلط وملون، كان والده  أشهر فرّان في بعقوبة، الحاج عبد المسيح، وسوف يكسب ابو يوسف  كسباً حقاً، يمكنه من تعليم ابنه حتى يتخرج في  الجامعة، وان يشتري للعائلة جهاز راديو يأخذه يوسف كل مساء الى سطح البيت ليستمع الى محطة البي بي سي والتي تبث برنامجا عن تعلم الانكليزية، ومنها يتعرف للمرة الاولى على كاتب اسمه شكسبير يتغنى ممثله المحبوب أرسون ويلز بأبيات من مسرحياته الشهيرة، ليقرر فيما بعد ان يقرا شكسبير بلغته الاصلية وان يتتبع سيرة هذا الساحر الانكليزي وان يترجم اول مقال للعربية  بعنوان"شكسبير عبثيا».
يوسف عبد المسيح للاسف من الرواد  الذي لفهم داء النسيان الذي انتشر في ثقافتنا العراقية ، مع ان  انجازهم الثقافي  يؤكد  انهم أسهموا في الارتقاء بالحياة الثقافية، وعملوا على الإسهام في كل مجال، ونجد لهؤلاء الرواد اكثر من انجاز في مجالات متعدة سواء في دائرة الابداع او دائرة النقد الادبي والفني  او في الترجمة، وعادة ما يكون لهؤلاء الرواد المنسيين نوع من الشهرة والمكانة في زمانهم والكثير من القراء والمتابعين  ، ولكن ما ان يفارقوا الحياة حتى يفارقوا بؤرة المشهد الثقافي شيئا فشيئاً، وتمر ذكراهم دون أن يذكرهم احد، او حتى تنتبه الى ضرورة الإحتفاء بهم هذه المؤسسة او تلك من المؤسسات الثقاقية التي يمكن ان يكونوا اسهموا في تاسيسها او المساهمة بتطويرها.
ويوسف عبد المسيح ثروت (1921-1994) واحد من هؤلاء الرواد المنسيين في حياتنا الثقافية، ولد قبل ست سنوات من ولادة نهاد التكرلي  (1922)، وقبل خمس سنوات من ولادة نجيب المانع (1926)، وقبل ستة عشر عاما من ولادة أنيس زكي حسن (1937)  الذي قدم للعربية كتاب"اللامنتمي"للكاتب الانكليزي كولن ولسون ، ويعود ليوسف عبد المسيح ثروت الفضل في تقديم  كولن ولسون الى العربية قبل ان يُترجم كتابه اللامنتمي، حيث نشر في شهر كانون الاول من عام 1956  مقالاً عن كتاب كولن ويلسون  في مجلة الاديب اللبنانية، بعنوان"غريب كولن ولسون"، حيث كان كتاب كولن ويلسون بنسخته الانكليزية بعنوان  الغريب"outsider “، وقد نحت انيس زكي حسن تعبير (اللامنتمي) بعد ان وجد انه أنسب وأفضل تسمية عربية، وولد يوسف عبد المسيح ثروت بعد عام من ولادة  صديقه الاثير جبرا ابراهيم جبرا (1921)، والذي كان له الفضل ان ينتقل يوسف عبد المسيح ثروت من مدرس في احدى مدارس بعقوبة الى واحدا من افضل رموز الحركة الثقافية في بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي.. ولهذا اجد نفسي في كل مرة اتذكر يوسف عبد المسيح ثروت ان اطرح السؤال عن اسباب غباب تاثير اسماء كبيرة مثل نهاد التكرلي ونجيب المانع ويوسف عبد المسيح ثروت في ثقافتنا العراقية المعاصرة. ربما يرجع البعض الامر الى ضعف الذاكرة الثقافية او الى غياب التقاليد الثقافية التي تحتفي برموز عصر النهضة الفكرية والثقافية في العراق
تكشف الكتب التي كتبها يوسف عبد المسيح ثروتاو التي ترجمها، اولا عن تفرد المشروع الثقافي الذي تنطوي عليه، وتدل هذه الكتب ثانيا على حيوية يوسف عبد المسيح ثروت  المستمرة التي تحولت الى نموذج استثنائي للفعل الثقافي المتميز، وتجسد هذه الكتب ثالثا، خصوصا في علاقتها بغيرها من الدراسات والمقالات التي لم تنشر في كتب، التجاوب بين الناقد المتذوق، والمترجم الحريص على اختيار كل ما هو جديد لتقديمه للقراء.. ومن منظور مواز تدل كتب يوسف عبد المسيح ثروت مع مقالاته ودراساته على علامات دالة  تلفت الإنتباه إلى طبيعة المثقف الذي يقدمها، فهو مثقف يبحث عن الجديد، مخلصا لذائقته الادبية والفنية، ويبدو اكثر ما يكون حماسة وتوقدا في دفاعه عن النظريات الجديدة في الثقافة، ولهذا نجده في العام 1956 يقدم دراسة مفصلة عن ادب"إدغار ألن بو" قبل ان يتعرف القارئ العربي على قصص ألن بو والتي ترجمتها في نهاية الخمسينيات “خالدة سعيد"ونشرتها مجلة شعر بمجموعة بعنوان"القط الاسود"، وكان كتابه دراسات في مسرح اللامعقول وقضايا اخرى  بداية التعرف على المتغيرات  الجديدة في الادب والفن الاوربي  والذي تتمثل بحيوية التجديد التي سرعان ما ظهرت مع افكار الحداثة  واطروحات بيكت ويونيسكو وناتالي ساروت ومارتن اسلن، وقد خص عبد المسيح المسرح الملحمي وبرتولد بريشت بهوى خاص وعناية فائقة،  لانه كان يريد ان يقدم هذا الكاتب الثوري الى القارئ العربي، وهو ما دفعه الى ترجمة رواية بريشت الوحيدة"البنسات الثلاث"، واقناع المترجم الكبير جميل نصيف بترجمة  كتاب بريشت الشهير"نظرية المسرح الملحمي"حيث راجع عبد المسيح بنفسه الترجمة، وقبلها كان عبد المسيح قد قدم لنا اكثر من دراسة عن المسرح الملحمي  وخصوصا  عندما ترجم كتاب اريك بنتلي"نظرية المسرح الحديث" يكتب يوسف عبد المسيح ثروت في مقال بعنوان"دراسة في المذاهب الادبية والفنية"نشره عام 1970في مجلة الاقلام ان المترجم والكاتب مطالب بان"يقوم بتعرية تامة وصريحة لكل المفاهيم الفكرية والفنية المتداخلة، سعيا وراء التمييز الدقيق بينها، لكي ياخذ كل منها مجراه الطبيعي، دون ان يختلط بالمجاري الاخرى، وهذه التعرية لاتحقق اهدافها، الا اذا تمت باسلوب رصين هاديء، يعتمد الدراية الواسعة، والدراسة المتكاملة  والتخطيط الفني المتسق المتطور".
ونجد يوسف عبد المسيح ثروت يحاول في كل ما ترجمه يوسف عبد المسيح عن نظريات الادب والفن الحديثة  ان يحقق الامر عمليا فيما كتب من نقد ادبي ومسرحي، وربما كان الأدق ان اقلب التعبير واقول ان ما تعلمه يوسف عبد المسيح ثروت من قراءاته المتنوعة والكبيرة للادب والفن العالمي، هو ما سعى الى تاصيله نظريا قي الكتابة النقدية المسرحية التي برع بها وكان واحدا من ابرز فرسانها.هذه الكتابة التي  سوف تظل علامة مضيئة على طريق التأصيل النقدي الذي جمع في مرحلة نضجه  بين دراسته عن"المسرح المعاصر"الذي كان مقالات متنوعة  قبل ان ينشر في كتاب عام 1969 وكتابه"الطريق والحدود"الذي نشر عام 1977،  وكلها كتب تدل على غيرها من الكتب التيترجمها وتجاوزت الثلاثين كتابا والتي تجسد المشروع الثقافي  المتكامل ليوسف عبد المسيح ثروت  الذي لم يكف عن تاكيد معنى الحداثة  التي اصبحت سمة وعلامة دالة على انجازه المعرفي، الذي لم ننصفه بالكتابة التي تضعه في موضعه اللائق ضمن المشروعات الثقافية المهمة في تاريخ الثقافة العراقية  ، ولعل في استذكار مجلة المامون له ما يدعونا الى قراءته والكشف عن ثرائه ومدى اضافته النوعية في الإنجاز العام لابناء جيله، حيث سيظل يوسف عبد المسيح في الموقع المتقدم بينهم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية