العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23292709
عدد الزيارات اليوم : 9787
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الدفتري وحفلة المصالحة بين الرصافي والزهاوي

مير بصري
لا يكون الكلام في  سيرة محمود صبحي الدفتري كاملاً دون الاشارة الى"صالون الجمعة"ذلك المجلس  الذي ورثه عن ابائه واجداده واستمر يعقده في داره صباح كل جمعة اكثر من  اربعين سنة، فتحضره الاجيال المتعاقبة من رجال الوجاهة والفضل والعلم  والادب والسياسة والكياسة. ان هذا المجلس ليمثل خير ما كان ماثوراً عن  بغداد القديمة وبيوتها الكريمة ورجالها اولي الرزانة والوقار.


ومجالـس الجمعة كثيرة،  لكن مجلـس  الجمعة اذا ذكــر مجرداً عن النعت او القرينة في بغداد لم يخطئ السامع انه مجلس الدفتري، ذلك المجلس العامر الذي يكثر قصاده ويختلف رواده : منهم المبكر والمضحّي، والمكثر والمقل، يؤلفون في جوانبه وابهائه الحلقات، ويتجاذبون اطراف الحديث في شتى المواضيع، من تاريخ واجتماع وعلم وادب وشعر وفكاهة، بينما يطوف عليهم الخدم بالقهوة والشاي والمرطبات حسب المواسم.

اما رب الدار فمثال اللطف والحنكة والبشاشة، يفيئ على مجلسه ظلاً من روحه وارفاً، ويغمر ضيوفه برقته وفضله. يتنقل بين صفوفهم، فيخاطب هذا ويداعب ذاك، وياخذ بمجامع البابهم حين يروي لهم طرفة من ذكرياته او يتلو عليهم تحفة ادبية رائعة من مختارات ذوقه السليم. وإذا كان"الاستقبال"فناً لا يحذقه الا من كان فيه طبع لا تطبع، فان مضيافنا الكريم قد حازه سليقةً واتقنه خليقة وابدع فيه ما شاء له الابداع.
وللوطنية في هذا المجلس دولة، وللادب فيه صولة وجولة، فاحاديثهما تغلب على سائر الاحاديث ومواضيعهما.
تمتاز بالطرافة الطلاوة. ولكم اتيح لهذه الندوة ان تستمع الى احاديث، منها ما يفور حماسة وما يتدفق بلاغة، ومنها ما يلذع سخرية وتهمكاً وما يتروق حكمة ووقاراً!. ولقد تقرقر"النارجيلة"في طرف من اطراف البهو الكبير، فيؤلف  صوتها ايقاعاً راتباً على وتيرته حديث المتكلمين.
لقد انفرد هذا المجلس البهيّ بميزة اختص بها: فقد ابيحت حرمه لقطط اصيلة، فسرحت في"مدينة الضيوف"ومرحت مثلما فعلت اخوات لها في»مدينة الكتب»التي حدثنا عنها اناتول فرانس في قصة بطله الخالد"سلفستر بونار". واية قطط هذه القطط العزيزة؟

قطط لاحت (امر عجب!)
ولهـا راس ولهـا ذنب
ولهــا فهم ولهـا ادب
ولها حسـب ولهـا نسب
تغدو وتروح على المهل
ليـس تدري  ماذا الارب
وتداعب ضيفاً فـي غنج
فيحــار اجـد ام لعب؟
فوقـار جاء بلا كلــف
ودلال بـان و لاســب
واذا ملـت مرحا وعنـا
طلبت مثوى فيـه رحـب
ومضت تغفو لا يوقضها  صـوت او يقلقهـا طرب
اترى كسـل قد ابعدهـا
حقـا ام اعياهـا التعب؟
علمت عن حدس او فطن
ان واتاهــا حظ عجـب
فغدت بالقسمة راضيـة،
لاتنغص عيشتها الكرب.

المصالحة الادبية
شجرت نفرة بين الشاعرين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي فدعاهما محمود صبحي الدفتري الى حفلة عشاء في داره ودعا معهما نخبة من رجال البلد وادبائه، وذلك في 8 كانون الاول 1928. وكان ذلك حدثاً ادبياً من احداث بغداد القى فيه الزهاوي قصيدة قال فيها :
جمـع الاديـب الـحر صبحـي شملنـا
فـي داره، اكـرم بـها من دار!
لـو لــم تكـن لـي لحيـة وسـدارة
لحسبتنـي طيـراً مـن اللاطيار
اما الرصافي فألقى قصيدة عنوانها"غادة الانتداب"، وهي قصيدة سياسية جريئة وجم لها الحاضرون الذين جاؤوا للاستمتاع بمحفل ادبي وليس لمناقشة السياسة في تلك الظروف العصبية. قال الرصافي :
دع مـزعـج اللـوم وخـل العتـاب
واســمـع الى الامر العجيب العجــاب
وعرض بدار الاعتماد في جانب الكرخ ونعتها بالنعوت الشنيعة وشبه الحكومة بفتاة موقرة بالحلى، مبرقعة بالنقاب، مخضوبة الكفين، تمشي مشية الدل والخيلاء وتخلب الناس بوضعها المنكر…
قـال جليسـي يـوم مـرت بنا :
مـن هـذه الغـادة ذات الحجـاب؟
قلـت لــه: تلـك لاوطـاننـا
حكـومـة جـاد بهـا الانتــداب
   اخبرني مصطفى علي انه كان مع نفر من اصدقاء الرصافي ومريديه ينتظرونه في داره.
فلما عاد من حفلة الدفتري وقص عليهم ما جرى، سالوه ان يقرأ لهم قصيدته، فقراها، وساد الجمع الوجوم، فلم ينطقوا ببنت شفة.
***

كان مجلس الجمعة يعج برجال السياسة والادارة  والادب، وكان صاحبه محمود صبحي الدفتري لا يحب ان تحتدم فيه المجادلات السياسية لان زواره ينتمون الى الاحزاب والفئات المختلفة، فلا يريد ان يكون"صالونه"محل مناقشة وعراك. فاذا جرى البحث في المواضيع العامة وتطرق الحاضرون الى الشؤون السياسية، اسرع فشرع يقص قصة ممتعة من ذكريات استانبول، او قرأ شعراً تركياً قديماً يفسره ويحلله، او شغل المجلس بقططه واخبارها الطريفة. وفي ذات مرة رأى لجاجاً من احدهم في المناقشة، فلم يكن منه الا ان صاح: أين فرج؟ابحثوا عن فرج!… واستدعى خدمه وصرخ بهم، والحاضرون يتسألون من هو فرج وما شأنه؟. ولم تمض لحظات حتى دخل عوني يتقدمه هرّ كبير يسير متمهلاً، وكانه قائد منصور يلقي على الجمع نظرات متعالية.
وضحك الحاضرون ونسوا المناقشة السياسية. وقال احد شيوخ العشائر بلهجته البدوية : أهذا فرج؟. ظننت انه مدير ناحية…
وقد رأينا ابراهيم صالح شكر يلازم مجلس الدفتري ويتصدر حلقة الادب في احد جوانبه، مطرق الراس، قليل الكلام. اما احمد حامد الصراف فكان يصول ويجول، يرتل الشعر ويروي النوادر واللطائف ويمزج العربية بالتركية والفارسية ويرطن بالانكليزية والفرنسية. وقد حضر صاحب المجلس حلقتنا في احد الايام واخذ يحدثنا حديثاً طويلاً والصراف لا يستطيع السكوت فيقاطع كلامه مرة بعد اخرى.
   قال الدفتري : يا احمد، اعرني سمعــك دقـائق معدودات ولا تقاطعني ثم تكلم كما تشاء. وسكت الصراف وتدفق الدفتري كالسيل الجارف، حتى اذا ما فرغ من حديثه قام منصرفاً الى حلقة اخرى وقال : تكلم الان، يا احمد، كما تريد.
ودعا الدفتري صديقه الدكتور رضا توفيق الاديب الوزير التركي الى زيارة بغداد سنة 1940، فلبث قي ضيافة الحكومة العراقية اشهراً. وكان رضا توفيق، كالدفتري والصراف، مولعاً بكثرة الكلام لا ينقطع سيل حديثه حتى ضاق به جلساؤه ذرعاً وطووا عنه كشحاً، الا نفر مثلنا من الشباب ظلوا يزورونه ويصغون اليه باعجاب واحترام، وهو يتحدث بلغات شتى وعن مواضيع مختلفة من الادب والموسيقى والتاريخ الى الطب والسياسة والاثار …



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية