العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293849
عدد الزيارات اليوم : 10927
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من احاديث الدفتري لمير بصري..ذكريات الدفتري مع ولاة بغداد في العهد العثماني

ان معرفة الدفتري  بولاة بغداد  واخبارهم لا يدانيه فيه مدان، وقد عرف فريقاً من متأخريهم  معرفة شخصية.ومن  الولاة الذين سمع بهم وعلم احوالهم تقي الدين باشا آل  المدرس الحلبي الذي  ولي امور بغداد مرتين، وقد نشأ – على ما اخبرنا استاذنا  الدفتري – نشأة  دينية واصبح مفتي حلب. كان لبقاً فطناً جريئاً الى حد لا  يتفق وحرمة  الافتاء، فعزله الوالي.


وقرر الشيخ تقي الدين ان يشخص الى الاستانة ليشكو والي حلب الى الصدر الاعظم، لكنه راى الذهاب اولاً الى المدينة المنورة ليتبرك بزيارة قبر الرسول الاعظم ثم يعرج من ثم على دار الخلافة.
ولما وصل اليها بعد مضي وقت طويل، سال عن الصدر الاعظم فقيل له انه نفس الوالي الذي تركه في حلب وقد استدعي خلال ذلك الى العاصمة وقلد منصب الوزارة. ولم يفت ذلك  في عضد الشيخ فطلب مواجهة الصدر الاعظم وقال له : يا سيدي، لقد عزلتني بغير حق. وقد جئت الى الاستانة لأشكو امري الى الصدر الاعظم بعد ان زرت قبر النبي، فالان اشكو اليك والي حلب سائلاً اياك النصفة والعدل.  فابتسم رئيس الوزارة وقال : ايها الشيخ، انك اصلح للادارة منك للقضاء، فهل ترضى ان تخلع العمامة والقفطان فتكون متصرفاً؟. قال : نعم. وعين تقي الدين بك متصرفاً واظهر في منصبه الجديد مقدرة وكفاءة، ولم يمض طويل وقت حتى عين والياً في بغداد، وعمره نحو 35 سنة.
 وبلغ من ذكاء تقي الدين باشا انه كان يزور الاستانة ذات مرة فدعي الى مقابلة السلطان عبد الحميد. فلما مثل بين يديه وانحنى ليلثم اذياله سقط الوسام المعلق على صدره، فما كان من الوالي الا ان قال :"ان الوسام يقبل اقدام مولانا صاحب الجلالة ويساله الترفيع". فامر السلطان بمنحه وساماً اعلى درجة.
 ومن الولاة الذين اعجب بهم الدفتري مصطفى عاصم باشا الذي كان له شأن في ولاية بغداد والشام. ابدى حزماً وصولة وقرر مرة ان يهين النقيب السيد سلمان لخبر بلغه عنه، غير عابئ بمكانة النقيب لدى السلطان عبد الحميد. بيد ان بعض اشراف بغداد قد تمكنوا من تدارك الامر واعلام النقيب بتجنب حضور اجتماع مجلس الولاية حتى انجلى الامر.
 ويروي الدفتري ان عبد الوهاب باشا الالباني الذي تسنم منصب ولاية بغداد بعد ذلك، وكان منسوباً الى مصطفى عاصم باشا، كان يلعب الشطرنج مع اسماعيل الدفتري جد محمود صبحي، فتوقف عن اللعب وساله : هل عرفت الوالي مصطفى عاصم؟. قال اجل، وقد كنت رئيس البلدية في عهده. فقام الوالي عبدالوهاب وعانقه وقبله قائلاً : لقد كان رجلاً عظيماً حقاً. كنت متصرفاً في بعض الالوية التابعة لولاية الشام وعزلتني الدولة لامر بدر مني، لكنه ابرق الى استانبول متحملاً التبعة هو نفسه وطالباً ابقائي في منصبي، فبقيت …
وعرف محمود صبحي رئيس اللجنة الاصلاحية ووكيل الوالي ناظم باشا – وهو غير فريق حسين ناظم باشا الشهير الذي صار والي بغداد بعد ذلك. فقد عين كاتباً بدائرة الولاية في زمانه وعهدت اليه مباشرة الامور السرية. وكان ناظم باشا هذا من رجالات الدولة القديرين، اصبح بعد ذلك وزيراً للعدل في استانبول.  وخلف في ولاية بغداد نجم الدين الملا، وكان معمماً في نحو الاربعين من عمره (1908).ولم يطل امد ولايته اكثر من اربعة اشهر، اذ استدعـي الى  العاصمة التركية وقلد وزارة العدل. واستمر الدفتري يعمل كاتباً سرياً له في الولاية.
  قال الاستاذ الدفتري : استدعاني نجم الدين بك ذات يوم الى غرفته ودفع الي برقية رمزيه واردة من استانبول واخرج مفتاح الرمز من الصندوق الحديد وكلفني ان احل رموزها على مكتب في زاوية الغرفة. ولم اكد اجلس واشرع بالعمل حتى دخل سكرتير وقال للوالي : ان قنصل روسية القيصرية العام يريد مواجهته، فاذن له بالدخول. وقمت انئذ اخرج بصمت، لكن نجم الدين بك اشار الي بالجلوس ومواصلة العمل.
  دخل القنصل، وكان معروفاً بالشدة والشراسة، فكلم الوالي بشأن من الشؤون واذا به يضرب على المنضدة بجمع كفه ويصرخ قائلاً : انني ممثل صاحب الجلالة القيصر ولا ارضى الاباجابة مطلبي!.. لكن تلك الوسيلة لم تخف الوالي، فضرب وهو ايضاً بشدة على المنضدة ورفع صوته يقول : وانا ممثل السلطان الاعظم في هذا البلد ولا اسمح لاحد ان يتكلم على هذا المنوال بحضوري. وكان هذا الجواب كافياً لردع القنصل الذي قال بصوت هادئ الان نستطيع ان نتفاهم …
  وكانت صلة الدفتري بسليمان نظيف الوالي الاديب وثيقة، بدأت في بغداد وتطورت في الاستانة حتى اصبحت صداقة ومودة. جاء هذا الوالي الى بغداد في اثناء الحرب العامة، ولما استقبل الموظفين والمدرسين للتعرف عليهم، استرعى نظره مدرس الادب التركي الشاب فاستبقاه لديه واخذ يباحثه في الشؤون الادبية. وكان الوالي يجلس للناس في صباح الجمعة فيحضر لديه اشراف بغداد وعلماؤها وادباؤها، وفي مقدمتهم جميل صدقي الزهاوي، وقناصل الدول وغيرهم. وفي احد ايام الجمعة، والمجلس غاص بالزائرين، دخل السكرتير واسر في اذن الوالي ان الرجل قد احضر. فقام سليمان نظيف بك الى الغرفة المجاورة وامر بضرب الرجل ضرباً مبرحاً ولما عاد الى مجلسه اتجهت اليه الانظار متسألة فقال : ان السلطة العسكرية قد امرت بالاخبار عن الحبوب والبقول التي لدى الاهلين لتموين الجيش، وهذا الرجل على ما علمت دأبه ترصد الفقراء والارامل وذوي الحاجة ورفع الأخبار عما قد يكون في حوزتهم من قمح وأرز قليل لمعيشتهم، فلم ار بداً من تاديبه على الوجه الذي رأيتم …
 هذا غيض من فيض ذكريات الدفتري ورواياته، ولو شئنا تدوينها جميعاً لملانا مجلدات ضخمة.

 عن كتاب (اعلام التركمان في العراق الحديث)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية