العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22884650
عدد الزيارات اليوم : 4604
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


طرائف وحقائق..محمد مهدي البصير في باريس

علي كاظم الكريعي
أصبحت فرصة  إبعاد محمد مهدي البصير، عن الساحة السياسية العراقية، سانحة لوزارة نوري  السعيد سنة 1930، وقد كان البصير، يشكل العنصر الصلب والجريء في الحركة  الوطنية العراقية، ولعل الحكومة قد أرادت أن تفتت الحركة الوطنية، من خلال  إبعاد البصيرعن العراق، مستغلة حبهُ للعلم والمعرفة، ليتسنى لها التخلص من  المعارضة تدريجياً، فقررت إيفاده الى مصر.


أوفد محمد مهدي البصير، بناءاً على القرار الصادر من مجلس الوزراء بتاريخ 30 حزيران سنة 1930م الى مصر. ضمن أفراد البعثة العلمية لمديرية أوقاف العراق. لأجل القيام بما أسموه((بتتبعات علمية وأدبية وأجتماعية ودينية)). وروى البصير موضوع سفره قائلاً:ـ
((كنت متفقا مع المسؤولين أولاً بالذهاب الى أوربا..ولكنهم قالوا لي،قبل أن تذهب الى أوربا عليك ان تمضي سنة دراسية واحدة في مصر،تدرس فيها اللغة الفرنسية،وتطلع على الحركة الأدبية فيها،فوافقت على ذلك المقترح)).
     غادر البصير، بغداد في الأول من تموز سنة 1930م إلى سوريا، ومن هناك إلى مصر، حيث أمضى فيها سنة دراسية واحده، درس فيها مبادئ اللغة الفرنسيةعلى يد أستاذ خاص، فأتقنها بطلاقة مذهلة ـ ومن الجدير بالذكر إن البصير، اتقن اللغة الأنكليزية فضلاً عن اللغة الفرنسية ـ وحضر محاضرات الأساتذة في جامعة القاهرة، وكان البصير، على اتصال دائم بكبار الشخصيات الأدبية في مصر، مثل هيكل، العقاد، طه حسين، محمد علي علوبة، حافظ إبراهيم، أحمد شوقي، منصور فهمي،علي عبد الرازق وعبد الرحمن الشهبندر الرئيس السوري المعروف، حيث أقام لهُ حفلة تكريم، دعى إليها كبار الأدباء، وكانت الحفلات تتوالى والبصير ضيفها الدائم، وكانت أكثر لقاءاته في مصر مع طه حسن ومنصور فهمي شخصيات أدبية أُخرى كانوا يتفضلون بزيارته في محل إقامته. كرس محمدمهدي البصير جهده في مصر، على دراسة اللغة الفرنسية، وأقام في موضع إكرام وتكريم، يتصل ويناقش ويتلقى مبادئ اللغة الفرنسية.
     أبحر بعد ذلك البصير، بعد مضي سنة دراسية في مصر، على ظهر سفينة أقلتهُ من الإسكندرية إلى مرسيليا في فرنسا في أوائل حزيران سنة 1931م، بزي أوربي، بعد أن تخلى عن ((العمامة)) حاملاً معه مادة وفكر عن”بعث الشعر الجاهلي”وبحوزته كتاب ((الأدب العربي قبل الإسلام)) وهو مجموع المحاضرات التي ألقاها على طلابه في دار المعلمين العالية ببغداد بين عامي 1925-1930م. على أمل أن يحوله إلى إطروحة حول الموضوع نفسه، يبين فيه حقيقة وجود الأدب العربي في تلك الحقبة، تلك الحقيقة التي أراد طه حسين إنكارها.
     أمضى محمد مهدي البصير، في فرنسا سبع سنوات مفارقاً وطنه، منكباً على دراسة الأدب الفرنسي في جامعة ((مونبليه)) أدت إلى إحرازه على دبلوم الدراسات الفرنسية العليا في شباط سنة 1933م.
     وشاءت الأقدار أن يلتقي البصير، بالآنسة الفرنسية ((إيفون أُوجين أديمون)) التي جاءت الى جامعة مونبليه، لغرض إكمال دراستها العليا، وقد جمع بينهُ وبينها حبهما للأدب، فتزوجها بتأريخ الأول من كانون الثاني سنة 1934 م. فكان لهذه السيدة أثر واضح في نجاحه في دراسته، حيث كانت تساعده كثيراً من خلال اختيار الكتب وقراءتها لهُ، وقد أشاد البصير فيها قائلاً :ـ((لولاها لما استطعت أن أعمل شيئاً، أو أن أوفق في دراستي في فرنسا، فكانت تساعدني كثيراً)). 
وقد كان للبصير سكرتيرٌ خاصٌ يعمل عندهُ، وهو أحد طلاب كلية الطب في جامعة مونبليه، يعمل على مساعدته في دراسته، وكان هذا قبل زواجه من السيدة إيفون، وهو مصري الجنسية مقابل مبلغ معين يدفعه له البصير كل شهر، ولكن لم يتسنى لنا معرفة اسم هذا السكرتير0
     أخذ البصير يوجه طموحه، الى نيل شهادة الدكتوراه في السوربون، فقام بإخبار سكرتارية عمادة كلية الآداب في جامعة باريس، بكتاب شرح فيه نيته حول إعداد الأطروحة المذكورة آنفاً، فوافقت الجامعة على مقترحه، فبرم البصيرالعزم على ذلك، وسافر الى العاصمة باريس، وبدأ محاولات عدة اتصل بالمستشرق الفرنسي ((ماسنيون)). حيث أفصح له البصير عن نيته، بانهُ قادم لوضع إطروحة يرد فيها على طه حسين، يبين فيها إثبات الشعر الجاهلي وبأحسن صورة، في الوقت الذي ينكر طه حسين هذا النوع من الشعر بقوله”إن الشعر الجاهلي منحول كله أو معظمه". فرد عليه ماسنيون بقوله :”أننا لا نسمح بهذا، لا تقول إن الأدب العربي كان موجوداً قبل الإسلام"0  وهكذا رفض ماسنيون موضوعه هذا بشدة، بعد أن وضع العراقيل في طريقه،  وذلك لأن هذا الموضوع يخالف رأي المستشرقين في الشعر الجاهلي0
     طوى محمد مهدي البصير، الفكرة بسبب المعارضة القوية للموضوع، وأخذ يبحث عن موضوع فرنسي، فوجدهُ فيما لا يخطر على بال، بما في ذلك بال القارىء الفرنسي، أو الباحث الفرنسي نفسه. عاد البصير، مرة أُخرى الى جامعة مونبليه، وإتصل بأستاذه المشرف على إعداد الإطروحه المسيو ((جوردا)) وعرض عليه البصير، موضوعاً فرنسياً صرفاً وهو((شعر كورني الغنائي)).
     لقد كان كورني، الشاعر الفرنسي الكبير، الذي إختار البصير شعرهُ الغنائي ماده لإطروحته وغايتها الفلسفيه من الأدب، ومكانته من الحركه الفكريه الفرنسيه، موضع أسئله لاتحصى. أما أن يتقدم طالب ليدرس غنائية كورني فتلك إلتفاته يتحمل مسؤليتها.شرع البصير، بكتابة إطروحته، وكان يقضي معظم وقته في المكتبات، منكباً على الدراسه والبحث، حتى انتهى من كتابتها، وتم مناقشتهُ يوم 17 كانون الأول سنه 1937م. وإنتهت المناقشه بمنحه شهاده((الدكتوراه)) في الأدب الفرنسي. وبدرجه مُشرف جداً. وهي أعلى درجه تمنحها الجامعه لأي دارس دكتوراه.
     وبعد نجاح البصير في إطروحته، طبعت جامعه مونبليه، الإطروحه على شكل كتاب سنه 1937م باللغة الفرنسية، فظل كذلك ويبدوا إنهُ سيبقى هكذا، فلم يكن في رأي البصير، أن يترجم الى العربية، لأن القاعدة التي قام عليها، هي أشعار كورني، وهي لا تعرف تمام المعرفه إلا بلغتها الفرنسيه، ووزعت الإطروحه هذه على جامعات العالم كافه0 
   وأكد البصير ذلك قائلاً :ـ
((لقد استغرقت مني جهداً كبيراً، الحصول على الدكتوراة، بدرجة مشرف جداً، وقيام جامعه مونبليه بتوزيع تسعين نسخه من الاطروحة، على جميع جامعات العالم المهتمه بدراسة الأدب الفرنسي)).
ولابد من الإشاره هنا، الى أن محمد مهدي البصير، قد تخلى عن((لحيته)) في فرنسا، بعد أن نزع عنه العمامه في مصر، قائلاً :ـ ((لقد غادرت بغداد الى مصر بزي أوربي، ففي مصر نزعت عني العمامة، وفي باريس حلقت”لحيتي”وهي آخر ما تبقى من علائم رجل الدين العراقي)). أما عن الحياه في فرنسا فقال : ((لقد توافقت مع الحياة الفرنسيه بكل سرور)).
     غادر محمد مهدي البصير فرنسا، بتأريخ 24 كانون الثاني سنة 1938م، بعد أن أنهى رحلته العلمية الشاقة، عائداً الى وطنه العراق، بعد فراق دام ثماني سنوات، وكان دافع الشوق الملح بين جنبيه يحفزه الى لقاء الأهل والأصحاب، ولاستنشاق هواء الوطن العزيز،والاستظلال بظله، خير حافز وأقوى مؤثر في عودته الى بلده الحافل بأمجاد الماضي، وبما أفاض على العالم ردحاً من الزمن من نور العلم وآيات الأدب،حاملاًمعه شهادة الدكتوراه بالأدب الفرنسي من جامعة مونبليه على ظهر الباخره وبرفقة زوجته الفرنسيه أيفون.
     وصل البصير، بغداد يوم الثلاثاء الموافق 8 شباط سنة 1938م. فأستُقْبل إستقبالاً حماسياً رائعاً شعبياً وحكومياً، إشترك فيه مديرالدعاية والنشر، نائباً عن رئيس الوزراء ووزير المعارف. وكان من بين مستقبليه محمد الصدر والعديد من أخوانه، وأصدقائه وطلابه والمعجبين بروحه الوطنية الوثابة، ومن زملائه في الجهاد الوطني والنهضة العراقية المباركة، المقدرين نبوغه الممتاز.
عن رسالة (محمد مهدي البصير ودوره السياسي)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية