العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22884588
عدد الزيارات اليوم : 4542
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من ذكريات زكي مبارك في بغداد

صمم سعادة وكيل وزارة المعارف  العراقية أن يزورني في منزلي ليؤدي واجب التحية لرجل هجر وطنه وأهله ليتشرف  بخدمة الأدب العربي في العراق؛ وكانت زيارته في الليل، فراعه أن يرى  الظلام يغمر السلالم والدهاليز، فاستشاط غضباً وقال: كيف يجوز لصاحب هذا  المنزل وهو عضو بمجلس النواب أن يهمل الإضاءة الواجبة، وهو يعلم أن من سكان  منزله صاحب النثر الفني؟ سأعرف كيف أحاسب ذلك النائب وكيف أقهره على تعميم  النور في دهاليز ذلك البيت؟


فقلت وأنا أتخوف العواقب: أنا مطمئن إلى هذا الظلام يا سعادة الأستاذ!
فقال: وأنا أخشى أن تشكونا إلى مجلة الرسالة أو جريدة البلاغ ولم يمض يومان حتى نفذ النائب المحترم ما أراد سعادة الوكيل؛ ولكن ظمياء استرابت بهذه الأنوار ورفضت دخول البيت!
- ماذا تخافين يا ظمياء؟
- أخاف الأقاويل والأراجيف
- من المفهوم أنك وصيفة ليلى، وأني طبيب ليلى
- هذا كلام لا يصدقه غير المطلعين على ما جرى في هذا الشأن من المخابرات بين الحكومة العراقية والحكومة المصرية
- والجمهور؟
- أترى الجمهور يصدق حقيقة أنك جئت لمداواة ليلى المريضة في العراق؟
- خبر أسود!
- خبر أسود، خبر أبيض، خبر بنفسجي، خبر عنابي، خبر برتقالي، خبر بني، خبر خمري، أنا لا أدخل هذا البيت في هذه الأنوار وكل سكانه يعرفون أنك رجل وحيد
- نعم، أنا رجل وحيد
- وحيد، أعني تعيش وحدك
- مفهوم، يا ألأم النساء في بغداد
- إيش لون؟
- لا شيء، أقول إنه لا موجب لهذا التخوف، فأنا طبيب ليلى وأنت وصيفة ليلى
- اسمع يا دكتور، أنا أثق بأمانتك، وليلى لم تنهني عن التودد إليك، ولكني لا أقبل أن أكون مضغة الألسنة في هذا الخان
- ومن الذي سيعرف مثلاً أنك ظمياء؟
- يجب أن تفهم أنك في بغداد!
- باسم الله الحفيظ!
- أسمع يا دكتور! يظهر أنك رجل طيب أكثر مما يجب. إن التعرض لأقوال الناس كالتعرض لأقوال الجرائد؛ وربما كان كلام الجرائد أسلم عاقبة من كلام الناس، لأنك تستطيع أن تكذب ما تنشر الجرائد من الباطل فتدفع ما تؤذيك به من بهتان؛ أما كلام الناس فلا سبيل إلى دفعه لأنه ينتقل من أذن إلى أذن ومن لسان إلى لسان، ثم لا تمضي غير أيام حتى يأكل لحمك المفترون، ويأثم بسببك الأبرياء
- وماذا أصنع يا ظمياء؟
- ارحل عن هذا البيت
- وكيف بعد أن تكلف صاحبه ما تكلف في تبديد الظلمات؟
- اختلق سبباً من الأسباب
- أختلق؟!
- الاختلاق مما يجوز في بعض الأحيان
وعندئذ تذكرت أن الأستاذ بهجة الأثري كان اقترح على صاحب البيت أن ينظم الحمام ولم يفعل؛ فطمأنْتُ ظمياء. ومضيت فقضيت معها السهرة في بيت أمها، وهو منزل صغير في درب ضيق لم أسأل عن أسمه، وهو درب يشبه ما يسمونه في مصر: شق الثعبان وفي صباح اليوم التالي قابلت حضرة النائب المحترم وذكرته باقتراح حضرة الأستاذ بهجة الأثري، فأراد أن يتحلل من الوعد فتكلفت الغضب وقلت في سخرية مصطنعة: كذلك تكون وعود النواب!!
ولم تمض غير ساعات حتى انتقلت إلى منزل آخر في شارع السموءل
ولكن كيف انتقلت بهذه السرعة في يوم واحد؟
ذلك أمر كان يعجز عنه السنهوري والزيات وعزام
والواقع أني رجل خطر جداً، فقد أمسيت أعرف بغداد كما أعرف باريس؛ ومعرفتي بهاتين المدينتين تساوي جهلي بمدينة القاهرة التي لا أعرف منها غير ثلاثة أحياء. أما الإسكندرية فلا أعرف منها غير الشاطئ الذي تعطره أنفاس الملاح في الصيف
ولكن لماذا اخترت شارع السموءل؟
لأنه شارع البنك وجميع سكانه من أهل المال، وأهل المال في الأغلب لا يعتدون على الأعراض، وإنما يعتدون على الجيوب. فالشرطة في مثل هذا الشارع لا تفكر في الفجرة وإنما تفكر في اللصوص، وكذلك تعودني ظمياء بلا تهيب، لأن المآثم في هذه الجادة قليلة الخطورة بالبال، وذلك كل ما أتمناه للسلامة من أهل الفضول
وقد عز عليّ أن يتطاول بنو إسرائيل على اسم السموءل فيسموا به شارع البنك؛ وكان السموءل على يهوديته عربياً سخي اليدين، فما كان ضرهم لو نطقوا أسمه على طريقتهم فقالوا (صمويل). ثم تذكرت أن السموءل كان أقدم من عبر عن ضمائر البنوك حين قال:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم... ولا ينكرون القول حين نقول
فالبنك هو الذي ينكر ما تقول، ولا تستطيع أن تنكر ما يقول، فهو الفيصل في التصحيح والتزييف
ولعل انتقالي إلى شارع السموءل يدخل على طباعي بعض التعديل. ولعلني أكتسب شيئاً من أخلاق بني إسرائيل، فان الحب يبدد ما اجمع من المال. أليس من السفه أن أراني مسئولاً عن طوائف من البيوت تُسدل ستائرها على طوائف من الوجوه الصِّباح؟ وهل رأى الناس حالاً أغرب من حالي وأنا أنفق على بيت في النمسا منذ سبع سنين لأن فيه فتاة جميلة كانت ترافقني في السوربون؟ أمري إلى الهوى!
تركت أول منزل سكنته في بغداد. ويا حسرة القلب على فراق ذلك المنزل الجميل! فقد كان صورة صحيحة للمنزل الذي كنت أسكن فيه حين كنت طالباً بالأزهر الشريف. كان صورة لربع يعقوب بالغورية، على أيامها السلام! وكانت جاراتي في ذلك الربع من الغيد الحسان، وكان فيهن اسرائيلية تأتمنني على كل شيء وتقول: الشيخ زكي مسلم ولكنه ابن حلال
وكنت حقاً ابن حلال. كنت مستقيماً أؤدي الفرائض وأقرأ الأوراد، وما تغير حالي إلا منذ استطعت أن أقول: بونجور مدموازيل! بونسوار مدام!
لم أفارق منزلي في شارع الرشيد بدون حسرة لاذعة، فقد أقمت فيه ثلاثة أشهر أنشأت فيها تسعمائة صفحة، واستقبلت فيه ظمياء تسع مرات، وهو يذكرني بمأواي القديم في ربع يعقوب الذي ألفت فيه كتاب الأخلاق عند الغزالي، واستقبلت فيه الشيخ الزنكلوني والشيخ عبد المطلب؛ ويذكرني بأول منزل سكنته في مصر الجديدة وهو الذي ألفت فيه كتاب التصوف الإسلامي، واستقبلت فيه الدكتور طه حسين والمسيو لالاند والمسيو ماسينيون؛ ويذكرني بغرفتي بشارع أراس في باريس، وهي الغرفة التي ألفت فيها كتاب النثر الفني، وسمعت فيها أنغام اللغة الفرنسية كما ينطقها بناتها، وكما يلحن بها الإنجليزيات والأسبانيات والنمسويات والألمانيات، ولا سيما الشقراء التي ما كانت تتكلم بغير الغناء:
هل الله عافٍ عن ذوب تسلَّفتْ... أم الله إن لم يَعْفُ عنها يعيدها؟
أمري إلى الهوى!!
لقد انزعج صاحب المنزل حين رأى الحمالين من الأكراد ينقلون أثقالي، وبالغ في التلطف ليردني إلى المنزل. ولكن هيهات، فأنا طبيب أفسده الأدب والطبيب الفاسد لا يطاق
أنا أعرف أني خاصمت نائباً، ولكن يعزيني أن نواب العراق لا يلتفتون إلى المسائل الشخصية، فلن ينالني شر من هذا النائب على الإطلاق. وسأرجو الأستاذ معروف الرصافي أن يصلح ما بيني وبينه إن رأيت ما يوجب ذلك... وهل من الكثير أن أخرج على أصول الأدب والذوق في سبيل ظمياء؟ إن هذه الوصيفة تعرف جميع أسرار ليلى، وهي أيضاً ستحدثني عن درية. ويا لوعة القلب من طيف درية! فهل يتلطف الحظ فيمتعني بهوى امرأة تحمل هذا الاسم الجميل؟!
عن كتاب (ليلى المريضة في العراق)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية