العدد (4325) الخميس 06/12/2018 (إالهام المدفعي)       المدفعي روحية الموروث الغنائي العراقي بأنغام معاصرة       الهام المدفعي.. نموذجا       عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد       إلهام المدفعي : ظهور الموسيقى الالكترونية طغى على كثير من المواهب       الهـــام المدفعـــي بين شجون الكيتار واستلهام التـــراث       العدد (4324) الاربعاء 05/12/2018 (بيرناردو بيرتولوتشي)       التانغو الأخير في مجلة الثقافة       برتولوتشى.. الشاعر الذى تحول إلى متمرد       برتلوتشي الرائع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23229715
عدد الزيارات اليوم : 3039
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


لنتذكّر فخري الزبيدي

رفعة عبد الرزاق محمد
سمعت   بأسمه منذ وقت مبكر من حياتي، ولعل ذلك قبل أن أدخل المدرسة الابتدائية،  وقد كانت لي دراجة هوائية صغيرة، علمت أن صديقاً لوالدي يعمل موظفاً في  أمانة العاصمة، يُدعى فخري الزبيدي، هو الذي قدمها هدية، وعندما سألت  والدتي بعد سنوات عن فخري هذا، أجابت بسرعة أنه (أبو صندوق السعادة)..


واتضح لي أيضاً أن صلته بوالدي جاءت عن طريق جدي لأمي، وكان موظفاً في ديوان الأمانة وغرفته لا تبعد كثيراً عن غرفة الزبيدي الذي كان معجباً بالأستاذ محمد حديد السياسي والوزير السابق، ولعل صلة والدي بالأستاذ حديد (كان والدي أحد أعضاء الهيئة المؤسسة للحزب الوطني التقدمي الذي ترأسه حديد بعد خلافه مع الأستاذ كامل الجادرجي سنة 1960)، هي التي قربت الزبيدي من والدي. وعندما بدأت اللقاء بالزبيدي في أواخر الثمانينيات، حدثني بما يشبه ذلك، وزادت علاقتي به بعد أن جمعنا عشق بغداد وتاريخها.

بدأت شهرة فخري الزبيد، عندما كان عضواً في فرقة الزبانية المسرحية عام 1948. غير أنه نال شهرة عريضة في أوائل الستينيات، مع برنامجه التلفزيوني الشهير (صندوق السعادة) وهو برنامج ترفيهي للمسابقات بين شرائح اجتماعية مختلفة تتخلله فقرات للمواهب وما الى ذلك، ثم حاول إحياءه في أوائل السبعينيات ببرنامج باسم (شايف خير)، لم ينل شهرة الأول. ثم كان مشروعه الذي رأى النور وهو المتحف البغدادي، وكان له الدور المشهود في وضع خططه واختيار مواده. وبعد تقاعده انصرف الى جمع ما كتب عن الموروث البغدادي في بطون الصحف والمجلات، وأنجز عدة كتب في هذا، منها تاريخ بغداد، وقد نشر بعض فصوله في مجلة (أمانة بغداد) في السبعينيات، وكتابه (بغداد من 1900 حتى سنة 1934، الجامع من المفيد والظريف) الذي صدر جزأه الأول في أكثر من خمسمئة صفحة.

ولد فخري رسول الزبيدي عام 1925 ببغداد في محلة الحيدرخانة، لأسرة نزحت من الكوت الى الحلة فبغداد، تخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1947-1948    فرع المسرح، وبسبب متطلبات الحياة ولكي يحقق لنفسه استقلالاً اقتصادياً، فقد عمل موظفاً في أمانة العاصمة. ثم تدرج في وظيفته، وعندما أرادت الأمانة فتح مركز للإطفاء في مدينة الكاظمية عام 1956، كان الزبيدي أول ضابط اطفاء فيها.  ويذكر المرحوم إبراهيم شندل المشهور بـ»إبراهيم إطفائية»، وهو أول عراقي يتولى ادارة الإطفاء في بغداد يوم كانت هذه الدائرة إحدى دوائر أمانة العاصمة، إنه سعى الى تعيين فخري الزبيدي في هذه الوظيفة، غير أن فخري كثيراً ما كان ينقطع عن العمل، وعندما كان يبحث عنه يجده مع صديق له يدعى ناظم الغزالي، وهو أيضاً أحد موظفي الأمانة، وهما يتدربان على مسرحية أو تمثيلية لفرقة الزبانية.

فرقة الزبانية
تأسست فرقة الزبانية عام 1947 من مجموعة من الفنانين الهواة، أمثال حميد المحل وحامد الطرقجي وناظم الغزالي وفخري الزبيدي ومحمود قطان بإشراف الفنان ناجي الراوي. اشتهرت الفرقة بما قدمته من أعمال مسرحية إذاعية في أواخر الأربعينيات، لاسيما برنامج الجيش العراقي الذي كان يبثّ صبيحة كل يوم جمعة. كما شاركت الفرقة مع الوفد الفني الكبير الذي قدم للجيش العراقي في الأردن عام 1948 العديد من الأعمال الفنية والترفيهية. وقد مثّل الزبيدي في أغلب أدواره الشاب الفكه والمشاكس!. وقد ذكر الزبيدي مراراً أنه هو الذي اكتشف ناظم الغزالي مطرباً، عندما كان الأخير يغني من مقام الركباني في إحدى المسرحيات...
واستمرت الفرقة لعدة سنوات، وعندما أريد احياؤها في السنوات التالية، قدمت للتلفزيون تمثيلية (شلتاغ) التي كتبها عبد الوهاب العزاوي، وأخرجها كمال عاكف ومثّل فيها إضافة الى فرقة الزبانية الفنانون: محمد القيسي وجميل الخاصكي وفوزية عارف وسواهم. لقد بقي الزبيدي عاشقاً للتمثيل منذ بواكير حياته، ولعل مشاركته في أول فيلم عراقي مصري مشترك عام 1946، وهو فلم (القاهرة بغداد) من  الشواهد الأولى لهذا العشق. ثم مثّل بطولة أول فيلم عراقي انتجته مصلحة السينما والمسرح عام 1967 وهو فيلم (شايف خير) من إخراج الفنان محمد شكري جميل، كما أخرج ومثّل أول مسرحية انتجتها المصلحة للفرقة القومية وهي مسرحية (وحيدة) في السنة التالية.
ويجمل ذكره أن جماعة أدبية أطلقت على نفسها جماعة الزبانية في الوقت نفسه التي برزت فيه فرقة الزبانية الفنية، وضمّت تلك الجماعة التي اتخذت من مجلة (الوادي) لساناً لها عدداً من الأدباء والصحافيين أمثال : خالد الدرة وحافظ جميل وعباس بغدادي وسواهم.

في أمانة بغداد
بقي فخري الزبيدي موظفاً في أمانة العاصمة الى تقاعده في أوائل الثمانينيات. وفي أثناء عمله هذا عمل على تأسيس المتحف البغدادي عام  1970 على عهد أمين العاصمة اسماعيل محمد، وتنفيذ مشروع (البانوراما) في منطقة المدائن ويمثل تاريخ الفتح الاسلامي للعراق، والاشراف على تطوير متنزه الزوراء، وتماثيل المشاهير في ساحات بغداد وحدائقها. يقول: لقد فكرت بأنه لابد أن تزيّن ساحات بغداد بلد الشعر والجمال تماثيل تحكي تاريخها وأعلامها، وقررت أن أبدأ بأهمّ رموز الشعر حينذاك، فأعلنا عن مسابقة بأهم رموز الشعر، الرصافي والزهاوي والكاظمي والكرخي، وقد فاز الفنان إسماعيل فتاح الترك بثلاثة نماذج مقدمة، أثار ذلك مشكلة كبيرة، إلا أنه تقرر إنشاء تمثالي الرصافي والكاظمي ولم ينفّذ تمثالا الزهاوي والكرخي إلى اليوم.

الوجه التلفزيوني
بعد ثورة تموز 1958 قررت أمانة العاصمة أن تنشئ دائرة مختصة بالعلاقات والأعمال الصحفية، وعيّن فخري الزبيدي مسؤولاً عنها بدرجة ملاحظ إرشاد. فشارك لأول مرة في التلفزيون ممثلاً عن أمانة العاصمة في برنامج (أسبوع النظافة) الذي تشرف عليه وزارة الصحة، ولم يدرِ الزبيدي أن هذا البرنامج فاتحة لنشاطه التلفزيوني الذي اشتهر بين الناس، إذ اعجب به بعض مسؤولي التلفزيون يومذاك، فطلبوا منه تقديم بعض البرامج المنوعة، فاقترح عليهم تقديم برنامج مسابقات ثقافية وترفيهية باسم (صندوق السعادة)، وهكذا ظهر البرنامج الذي أخرجه فالح الصوفي الى الناس، واشتهر كثيراً بين مختلف طبقات الشعب العراقي ولم ينافسه أي من برامج التلفزيون الأخرى. استمر صندوق السعادة الى احتجابه عام 1963 ويذكر الزبيدي أنه تقاضى أول أجر عن البرنامج وكان خمسة دنانير عن ثلاث ساعات هي فترة عرض البرنامج.
وفي الإذاعة فقد دخلها عن طريق كتابة التمثيليات الإذاعية الساخرة والتوجيهية، ثم البرنامج الترفيهي عن القوات المسلحة الذي كان يقدّم صباح كل يوم جمعة ويتقاضى عنه ديناراً ونصف الدينار!!
وفي عام 1970، اتفقت دائرة الإذاعة والتلفزيون مع فخري الزبيدي على إحياء برنامج (صندوق السعادة)، باسم جديد هو (شايف خير)، فقدّم واستقطب الكثير من المشاهدين لبراعة الزبيدي وسرعة البديهة لديه... لكن البرنامج لم يعمّر طويلاً، وكان آخر العهد بالزبيدي مع التلفزيون ولم يظهر إلا بعد سنوات في لقاء معه.

مشاريع ثقافية وفنية
وبعد إحالته على التقاعد، قرر الزبيدي انجاز ما كان يطمح إليه من مشاريع ثقافية،  ومنها الكتابات التاريخية عن بغداد، وقد بدأ نشر بعض من هذا في مجلة (أمانة العاصمة) في أواخر السبعينيات، وهو مقدمته التاريخية عن الخدمات البلدية في بغداد منذ تأسيس الدوائر البلدية الى تطور أمانة العاصمة. وقد ذكر أنه بذل جهوداً كبيرة في التحري والاستقصاء والبحث عن ماسماه (الضائع والمجهول) من تراث بغداد. وفي عام 1985 اخبرني أن كتابه الكبير عن بغداد هو موسوعة بأخبارها، وأكد لي أنه بدأ يوم 20 كانون الأول 1982 بجمع الوثائق والأخبار عن المراحل التي قطعتها أمانة بغداد منذ تأسيسها في عهد الوالي مدحت باشا حتى يومها هذا. وباشر بتقصي الحقائق والمعلومات عنها من الكتب التاريخية ومن الصحف والمجلات القديمة والحديثة والاضابير والملفات والتقارير الرسمية، علاوة على ماسمعه من أفواه المعمرين من ذكريات.
ومن وحي ذلك أنجز كتابة عدد من المسرحيات التاريخية، منها المسرحية التي أخرجها الفنان مقداد مسلم (صايرة ودايرة في بغداد عام 1885). وصدر له كتاب (هارون الرشيد) والجزء الأول من كتابه (بغداد من سنة  1900 الى سنة 1934، الجامع من المفيد والظريف).
في السنوات الأخيرة من حياته، اصطلحت عليه الأمراض المختلفة، وكان يعاني كثيراً من الآلام الحادة لأمراض المفاصل. وكنت وأنا التقي به عند مكتبة السيد نعيم الشطري في شارع المتنبي، أحرضه على انجاز كتابه الكبير عن بغداد وقال إنه في سبعة أجزاء (أين هي الآن؟)، وأن له كتاباً عن الكلمات الدخيلة في اللهجة البغدادية، وعملاً درامياً واسعاً عن الفنان الكبير ناظم الغزالي.
وفي ربيع عام 1999، اتصل بي أحد الأصدقاء ليعزيني بوفاة فخري الزبيدي. وكانت الفجيعة برحيله جسيمة في تلك الأيام العجاف التي كنا بأمسّ الحاجة الى بسمة وطرافة الزبيدي. فلنتذكر فخري الزبيدي، ونسعى لإحياء ذكره!!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية