العدد (4325) الخميس 06/12/2018 (إالهام المدفعي)       المدفعي روحية الموروث الغنائي العراقي بأنغام معاصرة       الهام المدفعي.. نموذجا       عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد       إلهام المدفعي : ظهور الموسيقى الالكترونية طغى على كثير من المواهب       الهـــام المدفعـــي بين شجون الكيتار واستلهام التـــراث       العدد (4324) الاربعاء 05/12/2018 (بيرناردو بيرتولوتشي)       التانغو الأخير في مجلة الثقافة       برتولوتشى.. الشاعر الذى تحول إلى متمرد       برتلوتشي الرائع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23229504
عدد الزيارات اليوم : 2828
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


سوق السراي (الوراقين) في ثلاثينيات القرن الماضي

صلتي بسوق السراي تعود إلى سنة  1930-1931 يوم تركت المدرسة واتصلت به وكان عمري اثنتي عشرة سنة عندما  اشتغلت عاملاً صغيراً بالمكتبة العربية لصاحبها نعمان الأعظمي وكنت يوم ذاك  في الصف السادس من المدرسة الابتدائية، وكان مرتبي الشهري 600 فلس، ولم  أكن قد رأيت بغداد كثيراً لأنني كنت من سكنة الاعظمية فكنت أراها في السنة  مرة أو مرتين،


 وفي أيام الأعياد فقط، فلما اتصلت بالمكتبة وبالسوق كنت اعجب لما تحويه من كتب إذ لم أكن قد رأيت مكتبة من قبل، وكان سوق السراي آنذاك زاخراً بالمكاتب الصغيرة منها والكبيرة أمثال المكتبة الوطنية لعبد الحميد زاهد والمكتبة الأهلية لعبد الأمير الحيدري والمكتبة العصرية لمحمود حلمي ومكتبة الشرق لعبد الكريم خضر. وهناك مكتبات صغيرة منتشرة من أول السوق إلى آخره ومنهم من يعرض بضاعته على الرصيف، وذلك أمثال حسين الفلفلي وأحمد كاظمية والحاج محمد وسامح إسماعيل ومن المكاتب الصغيرة التي ما زالت صغيرة حتى اليوم مكتبة التجدد لحقي بكر صدقي ومكتبة الشبيبة لرشيد عبد الجليل والمكتبة الحديثة للحاج محمد ومكتبة الزوراء لحسين الفلفلي، إذ لم تتقدم هذه المكتبات بالرغم من وجود طاقات من الذكاء عند البعض منهم ومن حسن المعاملة عند الآخرين.

وكانت المكتبة العربية كبرى تلك المكاتب في السوق والعراق كافة وصاحبها نعمان الأعظمي، كان عارفاً بالكتب ذواقاً باختيار ما ينشره ويطبعه من الكتب القديمة وعالماً بالكتب الخطية بل كان الوحيد الذي يفهم هذا الفن ويعتني بتسويق الكتاب المخطوط وعرضه، على إن الرجل لم يكن يحب المطالعة ولكن الممارسة الطويلة ورحلاته الكثيرة إلى إيران ومصر والتقائه بأكبر خبير في الكتب الخطية وهو السيد محمد أمين الخانجي الذي يعتبر الوراق الوحيد في العالم العربي في تلك الأيام، وكان سوق الكتب ضعيفاً والمطبوعات قليلة والأمية متفشية كما إن الكتب الخطية لا تتحرك فلا سوق لها، فإذا أحرز نعمان الاعظمي بعضها حزمها وسافر من أجلها إلى مصر ليبيعها أو يبدلها بالكتب المطبوعة وكان الهاوي الوحيد لشراء المخطوطات في بغداد المحامي عباس العزاوي مع إن نعمان الاعظمي كان لا يعرض عليه إلا ما يحصل عليه من التوافه وما يبقى من الجيد يرسله إلى مصر (تعتبر مكتبة مخطوطات عباس العزاوي اليوم من أكبر وأشهر المكتبات في العراق، فتأمل عزيزي القارئ أية نوادر وجواهر كان يبيعها نعمان الأعظمي في مصر)، وكانت الكتب رخيصة سواء المطبوع منها أو المخطوط، فهي تباع بأسعار زهيدة جداً، إذ ليست هناك جهة رسمية أو علمية تهتم بشراء الكتب ولا مراسلات أو تجارة منظمة بين بغداد والخارج.
وكان يتردد إلى الأسواق كثير من العلماء والأدباء والشعراء أمثال جميل صدقي الزهاوي الذي كان يكتري الروايات باستمرار من نعمان وغيره فيدفع له أجرة عن قراءة كل مجموعة منها ربية واحدة أي ما يساوي اليوم (75) فلساً، وطه الراوي الذي كان أكبر مشجع ومرغب للكتاب في جميع مجالسه الرسمية والبيتية، ونوري السعيد ويوسف العطا وبهاء الدين الشيخ سعيد النقشبندي وإسماعيل الواعظ ومحمد السماوي ومصطفى علي وغيرهم، وكان اكبر زبون للسوق وللكتاب هو عباس العزاوي المحامي، فكان يتردد أربع مرات أو أكثر في كل يوم فلا يفوته كتاب مطبوع أو مخطوط وبصحبته أخيه علي غالب العزاوي المحامي، وكان رجلاً ذكياً مهذباً، فكان عباس العزاوي يستشيره عند كل صفقة يقع عليها اختياره، وإذا ما وقع كتاب خطي ولن يشتريه العزاوي فإنه يبقى سنوات دون أن يباع إذ لم يكن هناك يومذاك من يتسوق الكتاب، وهناك كثرة من أصحاب الأقلام لم أرهم قد دخلوا السوق أو اشتروا كتاباً وهذا أمر عجيب؟.
وكانت تصل إلى بغداد المخطوطات من كربلاء والنجف الأشرف وهي أجود ما يعرض من المخطوطات وأندرها، وكان يتسوقها الكتبي الشيخ مهدي رئيس وغيره ويعرضها على نعمان الأعظمي أو انستاس الكرملي فإن لم يوفق في بيعها لهما عرضها على عباس العزاوي الذي سرعان ما يشتريها، ومن كركوك كان يتسوق المخطوطات الملا صابر حافظ وهو رجل حسن المعاملة، وأذكر أن نعمان الأعظمي سافر، ذات مرة إلى إيران فاشترى بعض المخطوطات ولما عاد بها احتجزت منه في الحدود ولم يتمكن من إخراجها واعادتها، ولكنه عند رجوعه أخبر احمد حامد الصراف المحامي بما وقع له ليتوسط له لدى السلطات الإيرانية بما لديه من علاقات ودية مع كثير من ساستها وعلمائها وأدبائها، فاشترط على نعمان انه إذا وفّق في إعادة هذه المخطوطات إليه فإنه يأخذ إحداها يختارها هو مما يعجبه منها، فوافق نعمان على ذلك، وقام الأستاذ الصراف بمساعيه فحصل عليها كاملة واختار منها ديوان (حافظ الشيرازي) محلى بالذهب ومزوقاً، إلا إنه بعد أن أشبع رغبته منه عاد فباعه اليه ثانيةً بمبلغ لا بأس به.
وكان نعمان الأعظمي يحسن اختيار الكتب التي يتولى طبعها ونشرها ولا أعتقد إن أي كتبي آخر في العراق كان يضارعه في ذلك، وكان إلى جانب ما نشره من الكتب القيمة التي اشبع بها رغبته قد نشر كثيراً من القصص المنتزعة من ألف ليلة وليلة أو من كتب أخرى عثر عليها لم أجد لها أصلاً وقتذاك، مثل قصة المياسة والمقداد وقصة مناجاة موسى وتليها قصة الجمجمة وهي مملوءة بالخرافات والروايات الاسرائيلية ما لا يمكن أن يكون لهذه القصة أي صبغة إسلامية، إذ فيها تشكيك بالعقائد وغير ذلك، وكان ينشر أدعية كثيرة مختلفة أوسعها انتشاراً هو دعاء عرف بـ(عهود السليمانية) وفيه أحجية سبع منجيات، ويحتوي على آية الكرسي ودعاء الاستغاثة لتفريج الكروب وفوائد للقبول والعطف، وهو يحمل تميمة لكل طالب حاجة لكي يدخل بها الحكام ويتجنب المصائب ولدغات الأفاعي والعقارب، ويسهل ببركته الولادة من العسر وعمل المحيا وفك المربوط، وفيه اسماء الله الحسنى، وسيف ذو الفقار.

الدعاء الجوال
ولهذا الدعاء موزعون في كل القرى العراقية من المشايخ وفتاحي الفال وبعض المصريين الذين كانوا يترددون على العراق مع صندوق الدنيا (الولايات) يجوبون به الشوارع والأزقة، وهناك في المكتبة قسم كبير للكتب الروحانية التي ينطبق عليها قول القائل (اقرأ تفرح، جرب تحزن) وكان لهذه الكتب زبائن وطلاب من مختلف الناس، وقد اشتهر من تلك الكتب ولا يزال مشهوراً شمس المعارف الكبرى والكباريت في تسخير العفاريت وعمل المنديل ومنبع أصول الحكمة للبوني وغير ذلك، وكانت هذه ترسل الى الكاظمية والنجف الأشرف فيشتري منها أحد الكتبية من الذين اشتهروا بحسن معاملتهم وتساهلهم في البيع والشراء، هو الشيخ تقي الكتبي في سوق الاستربادي، وقرّاء هذه الكتب مغفلون فاشلون في الحياة فراحوا يتشبثون بالأوهام والخيالات ويستغيثون بالأكاذيب والترهات، كان سوق المكتبات محطاً لكثير من العلماء والأدباء والساسة، فكان بعضهم يختص بمكتبة يجلس فيها دون غيرها في الغالب، فعلى مكتبة نعمان الأعظمي كان يتردد محمد سعيد الجركجي (محمد سعيد الحاج خلف) يرتدي الجزية أو اليشماغ أحياناً مع الصاية والعباءة، وهو مداوم لا ينقطع، يطالع كتب الحديث والفقه وتراجم الرجال في الجرح والتعديل في مصطلح الحديث وكتب الخلاف والجدل وغير ذلك، وبالرغم من كثرة ما يطالعه وما يقتنيه من كتب لا أظنه قد جنى شيئاً من مطالعته بل كان لا يحسن قراءة سطر واحد على الوجه الصحيح وكان مع كل هذا يعتبر مستشاراً لنعمان فهو الذي يشتري له العقار وهو الذي يشرف على نوع البناء وغير ذلك، فقد كان أميناً وطيباً.

عن كتاب (مذكّراتي في سوق السراي)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية