العدد (4295) الخميس 18/10/2018 (شفيق المهدي)       شفيق المهدي في رحيل مباغتْ..       شفيق رسائلي لك.. صعوبة بالتهجي وكتابة الألم       نزهة في مسرح شفيق المهدي..لا يوجد عمل فني بمعزل عن التجربة الوجدانية       مع الدكتور شفيق المهدي في (أزمنة المسرح)       د.شفيق المهدي.. نص سارتر مكان الجحيم       قالوا في رحيل شفيق المهدي       العدد (4294) الاربعاء 17/10/2018 (فيليب روث)       حوارٌ مع الروائي فيليب روث: ما أرغب فيه فعلاً أن أجد فكرة تبقيني مشغولاً حتّى موتي       فيليب روث.. الكفاح بالكتابة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22597554
عدد الزيارات اليوم : 8981
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


مع حقي الشبلي ومسرح ثانوية الكرخ في الخمسينيات

باسم عبد الحميد حمودي
كان   الفنان الكبير أسعد عبد الرزاق – بين 1952-1956 - المساعد الرئيس للفنان  الرائد حقي الشبلي الذي كان مفتشاً في وزارة المعارف (التربية اليوم)  للفنون الجميلة، كان مساعدوه الآخرون هم الفنانون: حميد المحل وصادق  الأطرقجي والحاج ناجي الراوي ومحمد أمين وكامل العبللي (الذي اشتهر بعمل  الماكياج) وبدوره في فيلم (ارحموني) الذي أخرجه المخرج الراحل حيدر العمر.


كان هؤلاء الأساتذة يدورون مطلع كل موسم دراسي على المدارس الثانوية ببغداد، يبحثون عن المواهب الغضة فنياً ليجروا لأصحابها امتحانات فنية ليختاروا منهم من  يستطيع المشاركة في تمثيل مسرحية رئيسة  متكونة من عدة فصول، تقدّم على مسرح رئيس من مسارح بغداد المدرسية مدة تتراوح بين 3-5 أيام، قبل نهاية الموسم الدراسي ضمن موسم وزارة المعارف الثقافي السنوي برعاية الملك فيصل الثاني – ملك البلاد أيامها.
 كان الملك – ولا أدري السبب – يحرص على حضور افتتاح  العروض الأولي لمسرحيات ثانوية الكرخ  والإعدادية المركزية ودار المعلمين الابتدائية، وكانت ثانوية الكرخ بالذات لاتملك مسرحاً في بنايتها ولذلك كانت أهم عروضها السنوية تقدّم على مسرح قاعة الملك فيصل في الباب المعظم (قاعة الشعب اليوم)، والظاهر أن مدارس أخرى لا تملك قاعة أو مسرحاً في وقت بُنيت فيه قاعات مسرح في الإعدادية المركزية وفي دار المعلمين ودار المعلمات والثانوية الشرقية وثانوية الكاظمية للبنين.
 كنت عام 53-54 طالباً في الصف الثالث المتوسط في (الكرخية)- والكرخية اسم ثانوية الكرخ الشعبي – عندما جاء فرّاش المدير (المرحوم ضاحي) بورقة معمّمة الى جميع الطلبة على هيئة إعلان أداره على الصفوف يدعو من يرغب (وله القدرة والكفاءة) من الطلبة لحضور اختبارات اللجنة  الفنية التي ستجري في غرفة المدرسين بعد انتهاء الدوام الرسمي لاختيار المشاركين في فرقة التمثيل الخاصة بالمدرسة.
 كان إرسال العم ضاحي الى الصفوف حدثاً تأريخياً بالنسبة للطلبة، فهذه مهمة الفرّاشين العاديين، وضاحي ليس منهم فهو عند مديرنا المربّي الكبير طه مكي، بمثابة المرافق المؤتمن وهو عند الطلبة مرعب أكثرمن معاون المدير – شديد التعامل- الأستاذ عبد المجيد سعيد، وقد علمت فيما بعد أن مديرنا أرسل ضاحي للتجوال بذلك الاعلان تكريماً لحضور أساتذة  الفن الى غرفته وفي مقدمتهم حقي الشبلي وناجي الراوي – شيخ فرقة الزبانية المعروفة إذاعياً – إضافة الى أسعد عبد الرزاق ومحمد أمين.
 وكان  (سر) اختيار غرفة المدرسين مكاناً أنها أكبر الغرف في المدرسة، وفيها مقاعد كافية، ثم أنها مثار للأبّهة المطلوبة للمدير وللاحترام الذي ينبغي أن يقدم للأستاذ الشبلي وزملائه. (هذا كلام خارج المتن فقد كان طه مكي أبرز مدراء الثانويات في بغداد الملك مع مدير الإعدادية المركزية علاء الدين الريّس، وقد اختير مكي مديراً لمعارف لواء الكوت وعيّن بدله  الشخصية الكردية الأستاذ رفيق حلمي لعدة أشهر، ثم اختير الأستاذ عبد المجيد حسن ولي، لفترة قصيرة أيضاً ثم نقل ولي وقبله حلمي الى التفتيش ثم عيّن الأستاذ شاكر الجودي – وهو مؤلف وشاعر- مديراً للكرخ. بعد هذا حتى عام 1956 حيث عيّن الأستاذ عبد المجيد سعيد مديراً.
  دخلت غرفة المدرسين على استحياء وكل همي لا أن اشترك في الفرقة المسرحية بل أن أرى الشبلي بطل فيلم القاهرة – بغداد (مع مديحة يسري وعفيفة أسكندر) عن قرب وأشاهد الحاج ناجي الراوي بطل فرقة الزبانية الاذاعية الشهيرة أيامها (لم يكن هناك تلفزيون عام 1953، وكانت الزبانية تضم الفنانين حميد المحل وناظم الغزالي وحامد الأطرقجي وغيرهم إضافة للراوي)، وكنت قد سمعت من الطلبة أن المخرج الإذاعي عبد الله العزاوي سيكون مع الآتين. لكنه لم يحضر ولم يكن يعمل إلا في الاذاعة اللاسلكية مخرجاً للتمثيليات الإذاعية القليلة ذات القبول العالي استماعاً.
 أول دخولي دعاني مدرس العربية يحيى الثعالبي المشرف على الفرقة المزمع تشكيلها الى الجلوس وسط مجموعة كبيرة من طلبة الصفوف المتقدمة، جلست بصمت وسط ابتسامات الطلبة الأكبر سناً والأكثر شهرة إذ كنت أيامها في الصف الثاني والذين يجلسون أكثرهم معروف يتقدمهم حمزة مسلم لاعب كرة السلة الأشهر.  (الأبرز منه سلمان فرس النبي الذي لم يحضر واللاعب عباس سعيد) ومحمد عباس الجبوري شاعر المدرسة وأحمد عبد الكريم مطرب حفلات المدرسة وشقيق المطرب محمد كريم أحد أبرزمطربي الأغنية البغدادية الحديثة أيامها.
عندما نودي عليّ كنت جالساً في الخلف فتحركت بصعوبة قاصداً وسط الغرفة، واستفسر الشبلي مني عن عمري وصفي وطلب مني تأدية أي مقطع أو قصيدة، ولست أدري أي شيطان دفعني الى صراخ متصل قلت فيه ما قلت دون تحضير، لم يكن نصاً شعرياً ولا مسرحياً، بل كان مزيجاً غريباً. أنصت له الشبلي وجماعته مستمتعين – على مابدا –  وكان النص – على ما أتذكر – يناشد الشبلي أن أكون برفقته طائراً في الهواء من اجل الفن الذي ادعيت اني أعشقه، وحين انتهيت صفّق لي زملائي بحماس وصافحني الشبلي الكبير ليستعرض أداء زميل آخر.
جلست ساكناً انتظر نتيجة التقويم، وكان النص التمثيلي المقرر للكرخية ذلك العام هو مسرحية (وامعتصماه) للشاعر علي أحمد باكثير وهو شاعر اندونيسي الأصل جاء الى الأزهر (في القاهرة) ضمن ترشيحات مسلمي جزيرة جاوة ليدرس  في مدارسه الدينية، لكن القاهرة استهوته وتمكن بمواهبه اللغوية والشعرية أن يجد له مكاناً في التدريس والصحافة والأدب، فلم يعد الى جاوة ومكث  في القاهرة وتزوج فيها وأنجب وكتب الكثير من الأعمال الشعرية المسرحية حتى وفاته في ستينات القرن الماضي، ولابد من القول بريادة باكثير للون من الشعرالذي اطلق عليه فيما بعد بالشعر المهموس أو الشعر المرسل، وليس هذا موضوعنا، ولكنه الاستطراد. بعد أن انتهى الجميع اختار الشبلي من اختار للعمل في المسرحية  وحين نودي عليّ ابتسم قائلاً : ((انت ابن عبد الحميد؟ كيف حاله؟)) ولما اجبت شاكراً فرحاً بهذه العلاقة  قال لي: صوتك مرتفع الطبقة رفيع  النبرة وأنت غير متدرب سابقا، لن اعطيك دوراً وعليك أن تكون مع البروفات لساعات لتكتسب خبرة كافية.
ابتسمت محسوراً وانتهى اللقاء بعد أن وزع الشبلي الأدوار على عدد من الطلبة المعروفين لديه بمساعدة حامد الأطرقجي وأسعد عبد الرزاق.
 لم اعد أسأل عن مواعيد التدريب فقد كنت- من على بعد – أرقب زهو ممثلي المدرسة بأدوارهم وحديث بعضهم المتبجح امام زملائهم.
 كان دوام مدارس تلك الأيام الخالية على شكل وجبتين، اربعة دروس صباحاً تنتهي عند الثانية عشرة ظهراً تعقبها فترة استراحة تمتد حتى الثانية بعد الظهر، حيث نتلقى دروس درسين، ويكون يوما الإثنين والخميس على وجبة واحدة هي الوجبة الصباحية... سقت هذا لأقول إنه خلال الدرس السادس ليوم ثلاثاء (ما) جاء السيد  (ضاحي) كبير الفرّاشين الى صفنا وناول ورقة لأستاذ العربية المرحوم شاكر الحبّوبي، فناداني أستاذي باسمي وهو يقول (اخذ كتبك واسرع الأستاذ الشبلي يريدك).
 اسرعت مرتبكاً الى غرفة المدرسين التي اعتاد الشبلي حجزها أيام التدريب (البروفات) حيث ينتشر مدرسو الكرخية في غرف المدير والمعاونين  والمختبرات، وقد يصعد البعض منهم الى غرفة المرسم الذي كان تحت اشراف الفنان الكبير (فيما بعد) خالد الرحال"رحمه الله"، ولا أحد منا نحن الطلبة كان يعلم شيئاً عن مكانة هذا الفنان الذي كنا نشاكسه حتى رحل الى فرنسا في بعثة دراسية، ولم نكن نعلم أن الرحال هو الابن الوحيد للكاتب والمفكّر العراقي حسين الرحال، الذي كشفت الدراسات عن توجيهه وتأثيره على ابن عمته محمود أحمد السيد المدرس، ومن أراد المزيد في معرفة خارطة العلاقات الشخصية البغدادية الثقافية فليعد الى مذكرات د.سانحة أمين زكي وكتاب د. الطاهر عن (السيد).
 المهم اني وصلت الى غرفة البروفات وسلمت مستحياً ولم يجبني أحد سوى الشبلي الذي اعطاني ورقة كتبت عليها عبارة ((أنا رسول الشام إليكم يامولاي وقد جئتكم بهذه الهدايا))، وكانت تلك العبارة خاضعة لتدريبات متواصلة.
كان ذلك فاتحة لتلمذة على يد الفنان الكبير حقي الشبلي امتدت لسنوات قمت خلالها بالمشاركة مع طلبة الكرخ في تمثيل (شمعدانات الأسقف)  لفكتور هوغولاعبا دور المفتش  ولعبت دور (لافليش) في (البخيل) لمولير ودور (الحارث) في (شعلة من الصحراء) للبناني فريد مدوّر، وكانت كل هذه الأعمال تتم بإشراف كامل للأستاذ الشبلي وبمساعدة الفنانين، ناجي الراوي وأسعد عبد الرزاق وكامل العبللي.

من كتاب الذكريات المعد للنشر



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية