العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :25
من الضيوف : 25
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22884413
عدد الزيارات اليوم : 4367
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عادل الهاشمي الذي هالهُ اغتراب الموسيقى عن بيئتها

علي عبد الأمير
درس  الناقد العراقي عادل الهاشمي الفن الموسيقي في القاهرة، وعاد إلى بغداد  أوائل سبعينات القرن العشرين، ليقدم بحوثه ودراساته التي قوبلت بفتور في  البداية، لرصانتها وابتعادها عن المداهنة إضافة إلى جِدّتها، غير أن  إصراراً على هذه المعرفة وخطابها حفظ للهاشمي حضوره في تدعيم الذائقة  والنقد وتقويم للعاملين في حقل الموسيقى والغناء.


عاد الهاشمي إلى القاهرة مشاركاً في مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في دار الأوبرا المصرية، لكنه توفي قبيل افتتاح المهرجان وخلال إقامته والوفود في»فندق أم كلثوم»، بعد جولة قام بها فور وصوله إلى القاهرة، الأماكن العزيزة على نفسه: شقة محمد عبد الوهاب وبناية فريد الأطرش، وصلّى في مسجد جمال عبد الناصر وزار مرقده.
إنه رسول الموسيقى العربية والشرقية في عصرها"الذهبي»، أي ستينات القرن الماضي، وتجربته غنية بملامح مختلفة نوعاً ما عن سواه من النقّاد: الموسيقى والغناء في العراق، بروح نقدية تعتمد التبصر والمعرفة من دون الانغلاق على جمهرة الموسيقيين والمحترفين المتخصصين، بل الانفتاح على جمهرة المتلقين ومدّهم ما أمكن بثقافة التمييز بين غثّ الغناء وسمينه.
الهاشمي مواليد 1942 تحدث باكراً عن مؤشر هو في حقيقته يمثل وعياً اجتماعياً لقيمة الموسيقى وتأثيرها، فهو لاحظ منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، علامات الانحطاط الفني في النتاج الموسيقي والغنائي العراقي والعربي على حد سواء، معتبراً تلك العلامات مؤشراً لتحولات اجتماعية تمضي إلى تراجع القيم المدنية المعاصرة لمصلحة عصبيات متخلفة من كل نوع.
ولا تخلو تبصّرات الناقد الهاشمي من حدّة، لكنها مقامة على آلية منهجية، إذ انهمك بالمراجعة الدؤوبة والمعرفة العميقة، ليس بأساسيات الموسيقى فحسب، بل باتصال الأنغام ببيئاتها ومناخاتها الاجتماعية والثقافية. من هنا، هو أحد أعمدة النقد الموسيقي والغنائي في العالم العربي الذين لا يوقفون بحثهم وتدقيقهم في الجوهر المقامي واللحني، ويشير أيضاً إلى كل ما يصاحب العمل الموسيقي من عناصر ومرجعيات.
وإضافة إلى مقالاته التي واظب على نشرها في جريدة"الجمهورية"البغدادية، منذ أواخر السبعينيات، حتى أيام قبل انهيار الصحيفة مع انهيار النظام العراقي السابق، هو صاحب العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي عنت بتقويم الأذواق والأسماع وإشاعة المعرفة حول عناصر العمل الموسيقي والغنائي.
كان الهاشمي محارباً لا يهدأ أمام الرداءة النغمية، وكان يرى أن"ذائقة متدنية تسود الغناء العربي الراهن"وأنه»من الجائز جداً أن يتعاطف الجمهور مع أي أغنية قد تنطلق من رحاب الإنتاج اليومي، لكن هذا التعاطف يصطدم بقضايا كثيرة، منها على وجه الخصوص، أن الأغنية لم تعد تشكل التعبير الأمثل من الهمّ الأساسي، إنما أصبحت أكثر إثارة للغرائز، وفقدت سماتها الأساسية، خصوصاً في مجال السلامة الفنية، وأعني بها غياب النطق السليم والإلقاء الراقي والبلاغة الأدائية والإحاطة المعرفية بالمقام الموسيقي الذي تنطلق من عالمه الأغنية ولحنها. كما يمكننا الإشارة إلى غياب التكوين التربوي للأسماع، فهي لا يهمها من الأغنية اليوم إلا إشباع الحاجة الاستهلاكية لها، أما ما ترمز إليه الأغنية وما تعبّر عنه ومدى ملامستها لواقع الإنسان العربي، الغوص في حاجات الإنسان للحرية والحب والخبز، فهذا ليس جديراً بالاقتراب منه، ولذلك فإنني أعزو التسطيح القائم في التلقي السمعي العربي، إلى الانكسار النفسي والهزيمة الذاتية التي يعيشها الإنسان العربي».
كان الراحل يشدد في مقاربة نقدية خاصة على أن"الأغنية الجميلة هي نغم وتعبير راقيان عن البيئة»، موضحاً:"ماذا يعني أن تكون الأغنية ابنة بيئتها؟ ببساطة أن تعلن بصراحة أنها مع أحلام الإنسان البسيطة، ومع موروث المجتمع الذي تولد فيه، ومع ذلك الحشد من العوامل المحلية ذات الطابع الفني الخاص في ما يتعلق بالنسيج اللحني وبالأنغام المستخدمة والإيقاعات التي تحتوي عليها الأغنية وباللون الذي يطغى فيه الإحساس بالذاتية الثقافية الوطنية».
للهاشمي كتب عدة، منها»مسيرة اللحنية العراقية»،»العود العربي بين التقليد والتقنية»، وكتابه المهم الصادر حديثاً في الإمارات:"الموسيقى العربية في مئة عام».
وفضلاً عن عمله الكتابي المؤثر، فإنه درّس التذوق الموسيقي في معهدي "الدراسات النغمية" و"الفنون الجميلة" و"كلية الفنون الجميلة"في بغداد.
وأدناه حوار كنت قد أجريته مع الراحل ونشر قبل سنوات

لاتخلو تبصرات الناقد الموسيقي العراقي عادل الهاشمي من حدّة، ولكنها مقامة على آلية منهجية، فانهمك الهاشمي بالمراجعة الدؤوبة والمعرفة العميقة لا بأساسيات الفن الموسيقي فحسب، بل باتصال الأنغام ببيئاتها ومناخاتها الاجتماعية والثقافية، ومن هنا فهو أحد أعمدة النقد الموسيقي والغنائي في الوطن العربي الذين لايوقفون بحثهم عن التدقيق في الجوهر المقامي واللحني فحسب، بل يشيرون الى كل ما يصاحب العمل الموسيقي من عناصر ومرجعيات.
درس الهاشمي الفن الموسيقي في القاهرة وعاد الى بغداد في السبعينيات ليقدّم بحوثه ودراساته التي وجدت صعوبة أول الأمر لرصانتها وابتعادها عن المداهنة وجدّتها أيضاً، غير أن إصراراً على هذه المعرفة وخطابها جعل للهاشمي حضوره في تدعيم الذائقة وتوجيه النصح والتقويم للعاملين في حقل الموسيقى والغناء.
وأضاف الى مقالاته التي انتظم في نشرها على صفحات جريدة"الجمهورية"البغدادية منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم، فهو صاحب العديد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي عنت بتقويم الأذواق والاسماع واشاعة المعرفة في فهم عناصر العمل الموسيقي والغنائي، واثناء وجوده في عمان رافقه وفد موسيقي عراقي كان يقصد القاهرة للاشتراك في تظاهرة فنية فكان هذا الحوار مع الهاشمي.
 • اشتغلت كثيراً على الذائقة وسعيت من أجل تدريبها على التقاط الجيد والنابه، هل توجز لنا رأيك في ذائقة متدنية كالتي تسود الآن؟
- لعل من مجيبات القول إن تدني الذائقة عند الاسماع هو أصلاً ينشأ من جمهور تعوزه الدراسة والإحاطة بموجبات العلم الموسيقي. من الجائز جداً أن يتعاطف الجمهور مع اية اغنية قد تنطلق من رحاب الانتاج اليومي، ولكن هذا التعاطف يصطدم بقضايا كثيرة منها على وجه الخصوص أن الاغنية لم تعد تشكّل التعبير الأمثل من الهم الأساسي. إنما اصبحت إثارة الغرائز، الى جانب ذلك فإن الاغنية قد فقدت سماتها الاساسية خاصة في مجال السلامة الفنية، وأعني بها غياب النطق السليم والإلقاء الراقي والبلاغة الادائية والاحاطة المعرفية، بالمقام الموسيقي الذي تنطلق من عالمه الاغنية أو لحنها، كما يمكننا الاشارة الى غياب التكوين التربوي للأسماع، فهي لايهمها من الأغنية اليوم إلا اشباع الحاجة الاستهلاكية لها، أما ماترمز له الاغنية وماتعبّر عنه ومدى ملامستها لواقع الانسان العربي، الغوص في حاجات الانسان للحرية والحب والخبز، فهذا ليس جديراً بالاقتراب منه، ولذلك فإنني أعزو التسطيح القائم في التلقي السمعي العربي، الى الانكسار النفسي والهزيمة الذاتية التي يعيشها الانسان العربي.
• وجهت الأسماع الى ماتدعوه بـ(غناء البيئة) ماذا يعني أن تكون الأغنية ابنة بيئتها؟
- أنا اعتقد أن شرف الاغنية هو وثوق صلتها بالبيئة لاعتبارات كثيرة لعل في مقدمتها أن الاغنية تمارس دوراً كبيراً في تعميق حالة الفرح وحالة التثقيف الوجداني للاسماع وإن انعزال الاغنية عن التركيبات الاساسية للبيئة التي انطلقت منها هو الحكم على اضمحلال الجانب التأثيري لهذه الاغنية، ماذا يعني أن تكون الاغنية ابنة بيئتها؟ ببساطة أنها تعلن بصراحة انها مع احلام الانسان البسيطة ومع موروث المجتمع الذي تولد فيه ومع ذلك الحشد من العوامل المحلية ذات الطابع الفني الخاص في ما يتعلق بالنسيج اللحني وبالأنغام المستخدمة والايقاعات التي تحتويها الاغنية وباللون الذي تطغى فيه أو يطغى فيه الاحساس بالذاتية الثقافية الوطنية، إن اغفال كل ذلك يعني ببساطة أننا قد تنازلنا عن عمق زمني يقرب من عدد من الآلاف من السنين، هذا التنازل هو الذي يطيع بشرف الاغنية وهي تهدف الى التعبير عن احلام المجموعة البشرية التي تنتمي إليها، ومثال ذلك إن نجاح محمد عبد الوهاب وأم كلثوم جاء بعد استطاعتهما أن يعطيا للأسماع المصرية ثم العربية الكثير من الشعور بالالفة مع فنيهما، وعندما جاء فريد الأطرش الى القاهرة في العام 1923 فإنه حمل معه الكثير من الأنغام السورية واللبنانية والتركية، ولقد استطاع أن يطور نظرية بيلا بارتوك الموسيقية تلك التي تقول، إن انتقال فن من الفنون في مجتمع انساني الى مجتمع آخر، فإن ذلك يعني فقدان هذا الفن لخصائصه المحلية ثم اكتساب بعض الخصائص الجديدة للمجتمع الذي استوطنه. تلك هي أعظم مغزى للاتحاد مع محلية البيئة لأنها مكان وزمان الوقوف ببيئة لأن مصداقية نجاحه تنطلق من شروط الالتزام بالبيئة.
•  كيف نقرأ انعكاس البيئة على الأغنية وهل ثمة خط تطوري يوضح ذلك؟
- إذا أردنا أن نستبصر حالة الفن العراقي استبصاراً دقيقاً وعادلاً فإننا نكتشف أن اعظم من عبر عن احلام البيئة في اللحنية العراقية هما: صالح وداود الكويتي. اللذان وضعا أغلب اغنيات سليمة مراد وصديقة الملاية وزكية جورج. وهما أول من لحّن في ثلاثينات هذا القرن وفق مقام"البسته في كار"في أغنيات صارت لازمة للروحية العراقية وهي"قلبك صخر جلمود"التي لفرط جمال لحنها غنتها أم كلثوم عام 1932 اثناء زيارتها لبغداد كما نسج وقعها محمد عبد الوهاب أغنية"اجري يانيل"التي سجلها خصيصاً لإذاعة لندن. ثم جاء جيل آخر مع اطلالة عقد الاربعينيات وبداية عقد الخمسينيات، جيل من الملحنين العراقيين النابهين لعل في المقدمة وديع خوندة (سمير بغدادي) يحي حمودي، رضا علي، ناظم نعيم، أحمد الخليل، علاء كامل، محمد عبد المحسن، عباس جميل)، وسواهم وهؤلاء مزجوا بين قالب الأغنية العربية وروح الفن البغدادي الوثيق الصلة بالبيئة العراقية، بعد هذا الجيل ترنحت الاغنية العراقية لكنها عادت فاستقامت على يد مجموعة من الملحنين القادمين من الجنوب العراقي: فاروق هلال، طالب القرة غولي، محسن فرحان، محمد جواد أموري، جعفر الخفاف، كوكب حمزة. وهؤلاء عبّروا بوثوق أكبر عن ملامح البيئة العراقية على أوسع ماموجود.
    ثم جاء جيل آخر تنقصه المعرفة والدراية يتقدمهم كاظم الساهر، ففقدت الأغنية العراقية آخر ملمح من ملامحها البيئية وبذلك استدل الستار على اللون البيئي الذي كانت تتحصن وتزدان به، الخوف من هذا التحول المدمّر أن تبقى الأغنية العراقية تشكّل مع هذا الجيل حالة من الانقطاع عن هذا الموروث، الأمر الذي يسهل معه اغتصاب هذا الموروث من قبل جهات أجنبية وعدائية، ولهذا أرفع صوتي محذراً من الاعتكاف داخل هذه المراوحة الهدّامة في أفياء فنون متغربة عن واقع بيئتنا العراقية.
•  لكنَّ كاظم الساهر استطاع أن يمنح روحاً جديدةً لقوالب غنائية أصيلة كادت تنقرض كقالب القصيدة المغناة ألا تعتبر هذا إنجازاً للساهر؟
- قالب غناء القصيدة ينقسم الى قسمين، الأول: القصائد الكلاسيكية العمودية والثاني: قصائد الشعر الحديث. ومابين القسمين فروق جوهرية عديدة لعل في مقدمتها اختلاف التصويت الحروفي، الى جانب صعوبة اخضاع بحور الشعر الكلاسيكي للتلحين بينما نجد طواعية الشعر الحديث لفن التلحين. فإذا عرفنا هذا الأمر، فإننا نقول بكل حسم أن جيل التأسيس في الموسيقى العربية قد طوّر فن القصيدة الكلاسيكية تطويراً جذرياً في البيئة اللحنية له من خلال ايضاح حروف المد الثلاثة وهي الألف، الواو والياء، وكذلك من خلال معاشرة البحور الشعرية المركبة في تلك القصائد الى جانب وضع أسس تعبيرية في تلحين الشعر الحديث، واعني بجيل التأسيس محمد عبد الوهاب، القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، وفريد الأطرش، أما في ما يتعلق بالقصيدة اليوم، فإن الذين يركبون موجتها ونخص بالذكر منهم كاظم الساهر، فإن تلحينها يعاني من نقائص عديدة أولها: العجمة في اللفظ وسبب ذلك عائد الى غياب عنصر التدريب العلمي على قراءة وتجويد القرآن الكريم. وثانيها: إن الساهر يبتلع نهايات الحروف العائدة للكلمة الشعرية الى جانب ذلك أنه لايعرف مسألة اختلاس الأنفاس في القصيدة خاصة في حروف الامتداد، كما أنه لم يعتد معرفة تلحين المعنى الشعري والقصيدة الناجحة هي تلحين المعنى وليس المبنى، ثم هو أخيراً لا يضبط أواخر شكل الكلمات فيحيل الشعر بذلك الى زجل.
* لكنَّ الساهر في لحنه لقصيدة"أنا وليلى"قارب التعبير اللحني كثيراً وبدت موسيقى الأغنية تضج بالتعبيرية فماذا تقول؟
- حتى في هذه القصيدة التي بدت مختلفة بعض الشيء، وقع الساهر في خطأ يكرره دائماً حين يحيل (قالب القصيدة) الى (قالب الطقطوقة) فلحنه فيها يذهب الى المداعبة الخفيفة التي تفقد القصيدة رصانتها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية