العدد (4311) الخميس 15/11/2018 (محمود صبحي الدفتري)       الدفتري وحفلة المصالحة بين الرصافي والزهاوي       لقطات وطرائف من حياة الدفتري       لقاء مع اقدم امين للعاصمة بغداد..محمود صبحي الدفتري : هكذا ادركت بغداد       من احاديث الدفتري لمير بصري..ذكريات الدفتري مع ولاة بغداد في العهد العثماني       من احاديث محمود صبحي الدفتري و ذكرياته       الدفتري امينا للعاصمة       العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22895439
عدد الزيارات اليوم : 6638
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ذكريات الطفولة في بعقوبة في الثلاثينيات

وداد الأورفلــــــــي
كان  والدي رئيس المحاكم في الموصل، ثم نقل الى بعقوبة بنفس المنصب. كانت  بعقوبة، وهي مركز لواء (محافظة) ديالى، مدينة صغيرة في ذلك الزمان، وأذكر  أن شوارعها كانت غير معبّدة ويخترقها نهر صغير يمر وسط المدينة ويطلقون  عليه اسم (الشاخة) تنتشر في بعقوبة البساتين العامرة بالفواكه مثل البرتقال  والرمان. وفي بيتنا توجد (بقجة)، وهي كلمة تركية تعني حديقة، كانت عامرة  بأنواع الأشجار والنخيل وبخاصة البرتقال والنومي الحلو والرمان.


ورغم انتقالنا لاحقاً الى بغداد، لم نترك بعقوبة، إذ أن أهلي استمروا بزيارة أصدقائهم وكنت أفرح بهذه الزيارات لرؤية أصدقاء الطفولة. وقد بنى والدي بيتاً آخر في بعقوبة في بداية الخمسينيات (لزوج أختي الدكتور كامل الياسين) بعد انتقاله الى بعقوبة ليشغل منصب مدير صحة بعقوبة. هذا البيت شغله بعد ذلك اللواء الركن أحمد صالح العبدي، زوج اختي الكبرى جهاد، إذ كان يقضي واجبه العسكري في جلولاء والبيت الآن أصبح مهملاً وقد عمه الخراب وبحديقته الغناء، ومستولى عليه منذ سنين طوال.
كان هناك في بعقوبة، الى جانب التعليم الرسمي، الكتاتيب ويطلق عليهم في العراق اسم (الملا). وفي عمر الرابعة، أخذتني اختي للملا صالحة. كانت تجلسنا على حصير مصنوع من جريد (سعف) النخل ولا تفارق يدها عصا طويلة جداً كانت تلوّح بها بين الفينة والأخرى، وفجأة شعرت بضربة عصا تطالني على كتفي، فأجهشت بالبكاء، وكان هذا يومي الأخير في كتاب الملا صالحة.
أيام زمان كنا سعداء، كانت والدتي تصنع لنا اللعبة، إذ تعمل من عودتين شكل الصليب وتلف عليها قطعة قماش أبيض وترسم ملامحها كالعيون والأنف وتلوّنها وتحمر شفتيها ثم تخيّط لها فستانا جميلاً. كنت ألعب مع صديقتي نهاد عبد الكريم جيراننا، فنقيم (قبولاً) أي حفلة صغيرة بأدوات منزلية أشترتها لي والدتي كما كنا نتغنّى بالاهازيج الشائعة في ذلك الزمان (منها عند كسوف القمر) فنقف بباب الدار وبيدنا عودة وصينية نطرق عليها ونغني وبعدها ننطلق الى الشارع، بهدف تخليص القمر من محنته، ونغني:
يا حوتة يا منحوتة
هدي كمرنه العالي
وان ماهديتيه إِندكلج بالصينية
كما نسمع صوت الحمام يغني يومياً نقول بصوت واحد:
كوكوختي وين أُختي؟؟
بالحلة أيش تاكل؟ باكلة..
أيش تشرب؟ مي الله..
وين تنام؟ بأرض الله..
أما أهزوجة طلعت الشميسة فكنا نغنيها معاً:
طلعت الشميسة
على قصرعيشة
عيشة بنت الباشا
تلعب بالخرخاشة
صاح الديچ بالبستان
الله ينصر السلطان
يا ملتنة صرفينة
راح الوكت علينة
شموسنة غابت
وارواحا ذابت
طلعنا ليبرة
وشفنة حبيب الله
يقرا كتاب الله
يا فاطمة بنت النبي
أخذي كتابج وأنزلي على صدر محمد وعلي
!!!
كما كنا نلعب (التوكي)، وهي لعبة اكتشفت لاحقاً أنها لعبة كل اطفال العالم، حيث يتم تخطيط الأرض بالطباشير على شكل مربعات مرقّمة ونحرّك علبة صغيرة بقدم واحدة وأخرى مرفوعة داخل المربعات وحسب تسلسل الأرقام، وكذلك لعبة الحبل المعروفة كما كنا نلعب لعبة"طمة خريزة"وغيرها.
أما ألعاب الصبيان فكانت مثل لعبة الجعاب (وهو اللعب بعظام الخروف) والصـكلة بالحصو. لقد كنا سعداء وفرحين بألعابنا هذه، وليس عندنا باربي ولا ألعاب الكترونية كما هو الحال اليوم.
كما لا أنسى أن أخي طارق، كان يصنع الطيارات الورقية ويلصقها في (الشريس) الذي يصنع من نهايات البامية التي ترمى، فينشفها ويطحنها، وحين يضيف لها الماء تصبح كالصمغ اللاصق القوي وكنت أساعده ونصعد على السطح ونطيّر الطيارة الورقية أم السناطير.
في عام 1933 كانت في بعقوبة مدرسة تديرها الست"بهية حلاوة"وهي لبنانية. كانت تهتم بالطلاب وتقيم الحفلات وتدعو الآباء وكبار الموظفين في بعقوبة ابتداءً من المتصرف (المحافظ) ورئيس البلدية الذي كانت له صلة قرابة بنا وأسمه لطفي عزة.
لا يمكن أن أنسى حفلة المدرسة التي أقامتها الست"بهية حلاوة"حيث ألبسوني فستاناً غريباً مصنوعاً من الورق. كانت اختي ماجدة تأخذني كل يوم الى المدرسة قبل الحفلة بهدف التدريب والتمرين على دوري، أنا وثلاثة أطفال ووضعونا في سلة ووضعوا ريشاً على اكتافنا، وعلى صوت الموسيقى كنا نحرّك أيدينا الى الأعلى كالعصافير.
وقد ألقت شقيقتي ماجدة كلمة الافتتاح وراحت ترمي الورود على الحاضرين. وتقول: «رميت الورد،"واذا بواحدة تقع على سدارة المتصرف. وكانت كلما تقص علينا هذه القصة تضحك ويضحك معها الجميع.
تصوّروا مدينة صغيرة كمدينة بعقوبة في بداية الثلاثينيات بها مديرة لبنانية تدير هذه المدرسة وتقدم هذه الفعاليات!!! حقاً كانت هناك إرادة للتطور في ذلك الزمن يأتون بالمعلمين والمدرسين والأساتذة من كل الدول العربية بخاصة من سوريا ولبنان ومصر، وبقي في بغداد أساتذة كلية الحقوق من المصريين لسنين طويلة. وفي المدارس الأهلية كانت المدرسات أميركيات ولبنانيات وسوريات. ولا يمكن أن ننسى دور مس مبارك مديرة مدرسة المنصور، وكم خرّجت من طالبات وطلاب بإمكانية كبيرة في التعليم واللغة.
كما فتحت مدارس أهلية مثل مدرسة عادل في أوائل الثلاثينيات، ومديرتها لبنانية هي"روز عادل"زوجة أنيس عادل الذي فتح هو الآخر مدرسه إعدادية للبنين لفترة قصيرة. وكلية بغداد التي كان يديرها الأباء اليسوعيون وهي مدرسة معظم أساتذتها من القساوسة الأميركان والتي خرّجت العدد الكبير من شخصيات البلد.
ومدرسة النجاح المختلطة في الباب الشرقي، ومدرسة الاميركان للبنات التبشرية وهي التي درست بها، وتخرّج منها عدد كبير من الطالبات اللواتي اصبح لهن شأن في مجال العمل مثل عايدة عسيران (وزيرة)، والزميلة سافرة جميل حافظ (كاتبة)، وإقبال جويدة (دكتوراه في علم الاجتماع تدرس في أميركا)، وخالدة الوتري (أستاذة اللغة الانكليزية بجامعة بغداد خريجة لندن). كما تخرجن منها طبيبات مثل الدكتورة خالدة قصير (اختصاص أطفال) وغيرهن. لكن مع الأسف كل زميلاتي سافرن وانقطعت أخبارهن عني.
كما كانت هناك مدرسة الراهبات في الباب الشرقي، ولها فرع في شارع الرشيد، بعقد النصارى، وبعدها فتحت مدرسة في الكرادة داخل تدرّس فيها اللغات الفرنسية والإنكليزية والعربية، وبنوا مستشفى الراهبات وهي من أحسن مستشفيات بغداد الى غاية الآن.
كما كانت هناك مدارس عديدة لليهود ببغداد مثل مدرسة الاليانس ومدرسة شماش ومدرسة فرنك عيني،"ومسعوده شنطوب"للبنات. وكان مستواها عالياً جداً، درس فيها الكثير من المسلمين الى جانب الملل الأخرى ولم يكن للطائفية أو العنصرية أي موقع فيها. وكانت تدرس اللغتين الانكليزية والفرنسية الى جانب اللغة العربية المقرره رسمياً. وجميع هذه المدارس الأهلية فتحت في أوائل الثلاثينيات الى السبعينيات وبعدها عُرقت جميعها وسافر كل المدرسين الأجانب.
 
عن كتاب (سوالف)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية