العدد (4311) الخميس 15/11/2018 (محمود صبحي الدفتري)       الدفتري وحفلة المصالحة بين الرصافي والزهاوي       لقطات وطرائف من حياة الدفتري       لقاء مع اقدم امين للعاصمة بغداد..محمود صبحي الدفتري : هكذا ادركت بغداد       من احاديث الدفتري لمير بصري..ذكريات الدفتري مع ولاة بغداد في العهد العثماني       من احاديث محمود صبحي الدفتري و ذكرياته       الدفتري امينا للعاصمة       العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22895908
عدد الزيارات اليوم : 7107
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


(نصف حياة) نايبول نموذج للرواية ما بعد الكولونيالية

سعد محمد رحيم
رواية ما بعد  الكولونيالية هي تمثيل أولاً لطرف ما كان بإمكانه أن يمثل نفسه تحت وطأة  الهيمنة الكولونيالية، وهي تفكيك ثانياً للمعادلات، وعلاقات القوة، وأشكال  التمثيل القديمة ومسوغاتها.
ولأن الرواية ما بعد الكولونيالية ليست  شعاراتية، على الرغم من كونها سياسية في المآل الأخير، فإنها تتخلى عن لغة  الانفعال الحادة والصارمة التي وسمت الرواية ذات الطابع الثوروي،


للغة أخرى أكثر هدوءاً وعقلانية، وهي لا تبغي سوى أن تسرد بموضوعية ليست نقية تماماً، لكنها غير متبجحة، ومتحررة من الموجّه القبلي/ الدوغمائي، وصانعة لرؤية نامية إلى العالم. وهذه الرؤية تنكر الفكرة التي توزع العالم ميكانيكياً إلى ثنائيات متقابلة، وتقول بالمطلق، وتتوهم امتلاك الحقيقة..

  إنها تتحدث عن صراعات في مستويات عديدة متداخلة ومركبة، لن تخرج منها الأطراف المتصارعة فيما بعد كما كانت.. إن أول ما سيجري تفنيده هو أسطورة النقاء.. نقاء العرق والهوية الثقافية لصالح فكرة الهجنة، والوحدة الإنسانية للعالم. فهل تراها ـ رواية ما بعد الكولونيالية.. الرواية بالذات وليست أي جنس أدبي آخر ـ ترهص لعولمة مختلفة أشد رسوخاً وإنسانية؟. وبعد أسطورة النقاء سيتم الإطاحة بادعاء البراءة.. لا أحد بريء تماماً في مسرح الجريمة الكبرى، بما فيه الضحية، ولن يخرج منه أي كان مثلما كان.. لا أحد سيسلم من الهول، ومن حكم التاريخ، ومرة أخرى ليس التاريخ الرسمي والأكاديمي، بل ذاك الذي يدشنه السرد على هواه.
* * *
في رواية"نصف حياة"لا ينسى الروائي"ف. س. نايبول"أن ينبهنا، منذ البدء، إلى أنه يكتب عملاً فنياً تخيلياً، ولا يدبج سيرة ما، أو يروي وقائع تاريخية.
(هذا الكتاب اختراع.. إنه ليس دقيقاً حيــال ما يصف من بلــدان وفترات وحالات) ص5.
فهو يعترف بأنه يخترع.. يتخطى سياق الواقع والتاريخ، ومقصده الفن. فلا تهمه الدقة والحقيقة والصدق الواقعي المباشر، ولعله لا يؤمن بإمكانية تحققها، والوصول إليها.. ربما كان يحذر من سوء الفهم وسوء التأويل، أو يتجنب اتهامات المؤدلجين الدوغمائيين، والموتورين وحراس الهويات.. أم تراه يخدعنا نايبول هذا؟.
نتعرف في مفتتح الرواية على"ويلي تشاندران/ الشخصية الرئيسة"وهو يعاني من اسمه الوسط"سومرست".. يقول لـه والده: (سميت على اسم كاتب إنكليزي عظيم) ص7. ووالده هذا كاهن براهمي فقير يقضي معظم وقته في معبده.. يأتي الروائي"سومرست موم"لرؤيته، في أثناء زيارته للهند، وهو في باحة المعبد، وكان قد قرر الصوم عن الكلام، فيكتب عنه الروائي فيما بعد بضع صفحات في كتاب رحلات تصدر لـه في لندن. ومع ذلك الاسم"سومرست"يشعر"ويلي تشاندران"بأول عملية اجتثاث لـه من واقعه، وبأول اهتزاز يضرب عالمه المستقر، وبأول إشكال يصيب هويته الصافية.
في هذه الرواية"نصف حياة"لن نقع على وحدة سرد، وفيما عدا شخصية"ويلي"فإن بقية شخصيات الرواية تدخل وتخرج من وإلى فضاء السرد تاركة أثراً بهذا القدر أو ذاك، فلا نقع على حدث بعينه يربط أجزاءه خيط درامي متماسك، بل على مجموعة من الأحداث المنفصلة التي هي بعض من التفاصيل الأساسية لحيوات الشخصيات وهي تلتقي في علاقات تفتقد الرسوخ، على الرغم من عدم خلوها من الطابع الإنساني، في كثير من الحالات. وتفترق (تلكم الشخصيات) ربما من دون أسف أو ندم عميق، وهذه الحيوات والأحداث كلها قاسمها المشترك"ويلي تشاندران"مشاركاً فيها، أو شاهداً عليها، أو مستمعاً لحكاياتها.. والآن، هل نستطيع أن نستنتج أن كل شخصية هي نتاج تشوه وارتباك تاريخيين ولّدهما الوضع الكولونيالي، وما بعده بحيثياته وتأثيراته؟.
نتنقل مع"ويلي"بين ثلاثة أمكنة رئيسة:
ـ الهند الخارجة لتوِّها من فترة الاستعمار الكولونيالي.
ـ لندن/ العاصمة المتروبولية.
ـ مستعمرة برتغالية في أفريقيا الشرقية.
وفي هذه الأمكنة نلتقي ببشر من أصناف وأعراق واتجاهات عديدة، فنكوّن صورة للعالم مقطّعة ومتشظية، يلملمها السرد على وفق حركة السارد (المكانية) وهو يتابع تنقلات"ويلي"، وعبر الخط المتصاعد، في أغلب الأحيان، للزمن الكورنولوجي، إذ لا هوس مفتعل لدى الروائي للتلاعب بالزمن وتهشيمه من غير داعٍ أو مسوغ.
ليس لويلي تشاندران ارتباط صميم بأيما مكان، ويكاد يكون خالياً من الشعور بالحنين إلى ماضيه، وهو في نهاية الأمر لا يتحدث عن أحلام كبيرة.. إنه مقتلع حسياً ومعنوياً من كل واقع، ولذا يكون من الصعب تحديد هويته، أو بعبارة أخرى تحديد وعيه بهويته. وربما لم يكن هذا يهمه في قليل أو كثير.. بيد أننا نجد، أخيراً، أن وعيه بهويته وعي إشكالي متحول في عالم يفصح يوماً بعد يوم عن هشاشة حدوده الداخلية. فـ"ويلي"متأرجح ثقافياً، وفي أوقات معينة كان يخشى أن ينسى اللغات التي يعرفها بسبب تنقلاته.. كان يعيش كآبته الخاصة تحت وطأة شعوره بالاغتراب. ونتيجة لهذا كله ـ لن نستطيع بعد قراءتنا للرواية ـ أن نعرف لـه أي اتجاه، فهو كمن فقد بوصلته الداخلية، وحتى حين يقرر في النهاية ـ نهاية الرواية ـ مغادرة أفريقيا التي قضى فيها ثماني عشرة سنة، من دون أسباب واضحة، لن نستشف لديه فكرة عن محطته اللاحقة.. إنه ابن كل مكان، وغريب في كل مكان، وإحساسه بالغربة يشحنه بلامبالاة عميقة، كما لو أن كل ما يجري معه وحوله لا يعنيه في شيء. وباستثناء سلطة رغبته الجنسية ـ وحتى هذه لا تبدو عاتية أو متطرفة ـ لا تدوم لديه الهواجس والرغبات، بما فيها رغبته في الكتابة.. طبع في لندن مجموعة قصصية واحدة، وكانت تلك مناسبة للتعرف على آنا التي ستغير أقداره لمدة طويلة نسبياً، ولم يعاود الكتابة بعد ذلك.
إن مسحة من العدمية تسم سلوك"ويلي"دائماً في علاقته بذاته، وبمن يصادفه، فهو لن ينغمر بعلاقة حب ملتهبة أبداً، ولن يعقد صداقات متينة، وليس لـه ارتباط جذري بعائلته، فهو بدءاً يحنق على أبيه، ويعده منافقاً ومتعالياً، وعلى العموم يطغى على شخصيات الرواية الشعور بخيبة الأمل واللاجدوى. فها هو تشاندران الأب/ البراهمي الراسخ في مكانه/ معبده يقول لابنه عن دراسته لسنة واحدة في الجامعة"قبل أن أتخلى بحماقة عن الثقافة الإنكليزية، استجابة لنداء المهاتما، مقوضاً نفسي مدى الحياة."ص8. وفي الصفحة الأخيرة من الرواية يخبر الابن ويلي زوجته"آنا"بأنه يريد أن يطلقها قائلاً"الآن الشطر الأفضل من حياتي ولّى، ولم أفعل شيئاً."ص245. كما لو أن كل شخصية من شخصيات الرواية ليست، في نهاية المطاف، سوى مجموع خيباته.
يقيم"ويلي"في لندن علاقات صداقة مع مهاجرين أجانب ـ ملونين في الغالب ـ وعلاقات جنسية مع عشيقات أصدقائه، وتمضي حياته هناك بشكلها الاعتيادي الذي تكسر رتابته أحياناً بعض الأحداث المفاجئة حتى تتفجر النزعات العنصرية ضد الملونين والأجانب، ويرى كيف يهرب أصدقاؤه، وكيف يجد نفسه وحيداً، ويبقى عزاؤه في هذه المحنة"آنا"التي تعجب بمجموعته القصصية وتصادقه، ومن ثم تقترح عليه أن يذهب معها إلى إحدى المستعمرات البرتغالية في أفريقيا الشرقية حيث موطنها، فيوافق لأن لا شيء آخر لديه يفعله في لندن بعدما بات وجوده طالباً في الجامعة في مهب الريح. وفي أفريقيا يفكر في أن يعود بعد أسبوع أو أكثر لكنه يلبث ثمة ثمانية عشر عاماً زوجاً لآنا، ومشرفاً على أملاك أهلها. وخلال هذه المدة الطويلة لا تكاد تحدث أشياء ذات أهمية كبيرة.. تختفي محفظته مع نقوده وجواز سفره، لكنه يعثر عليها فيما بعد.. وكان يمضي بصحبة زوجته بعض الوقت مع الأفارقة المتحدرين من أصول برتغالية، إذ يجري الترحيب بهما، وفي النهاية يغوي زوجة مشرف أملاك عائلة"كوريا"الثرية التي كانت تقيم مآدب الأحد، وحين تندلع الاضطرابات الثورية في الجوار، ويتسلم الثوار السلطة، ويبدو أن أشياء كثيرة تتغير، وأن العهد الكولونيالي آخذ في الزوال، يقترح تطليق زوجته:
"عندما عادت لاحقاً قلت لها:"أنا في الواحدة والأربعين. تعبت من عيشي حياتك."
"أنت أردت ذلك يا ويلي. بل طلبته، وكان عليّ أن أفكر في ذلك."
"أعرف. فعلت كل شيء من أجلي. جعلت الحياة سهلة علي هنا. لم يكن بإمكاني العيش هنا بدونك. عندما سألتك في لندن كنت خائفاً. لم يكن لدي مكان أذهب إليه. كانوا على أهبة رميي خارج الكلية في نهاية الفصل، ولم اكن أعلم ماذا أفعل لكي أنجو. ولكن الآن الشطر الأفضل من حياتي ولّى. ولم أفعل شيئاً."
"أنت خائف من الحرب الجديدة."
“حتى إن ذهبنا إلى البرتغال، حتى إن سمحوا لي بالدخول إلى هناك، فستظل تلك حياتك. مضى عليّ وقت طويل وأنا مختبئ."
قالت آنا:"ربما لم تكن حقاً حياتي أنا أيضاً."ص245.
إذن، ما جرى سرده هو"نصف حياة"ويلي تشاندران الذي يعد شخصية نموذجية في الأدب ما بعد الكولونيالي، فهو أولاً هندي جاء في أعقاب استقلال بلاده من الاستعمار الكولونيالي الإنكليزي إلى العاصمة المتروبولية"لندن"للدراسة، وخاض مغامرته الاستكشافية الخاصة.. كتب قصصاً قصيرة، وأصدر مجموعة واحدة، وأقام علاقات مع رجال ونساء قادمين من المستعمرات، إذ أن شخصيات كثيرة تزدحم بها هذه الرواية القصيرة نسبياً ـ تظهر وتختفي ـ ولا نكاد نتعرف على معظمها جيداً، ولكنها جميعاً تساعدنا في تفهم شخصية ويلي تشاندران/ بطلنا. وبعد أن تعرف على آنا الآتية من أفريقيا سافر معها وقضى هناك ثماني عشرة سنة قبل أن يقرر تركها والمضي مرة أخرى نحو المجهول.. إن"نصف حياة"هو النصف الذي خسره"ويلي"، وهو يقف الآن على أعتاب نصفه الآخر/ الأخير من دون أن يكون موقناً من أنه سيحقق ما يريد.. هذا إذا كان يعرف، على وجه التحديد، ما يريد.
سبق لهذا الموضوع ان نشر
في صحيفة المدى 2007



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية