العدد (4299) الاربعاء 24/10/2018 (الحسين في الأدب العربي)       واقعة الطف في المسرحية العربية       بطلة كربلاء.. السيدة زينب       الحسين يكتب قصيدته الأخيرة...       العلايلي وثورة الحسين       فلتذكروني بالنضال..       العدد(4297) الاثنين 22/10/2018       ابراهيم صالح شكر في ايامه الاخيرة.. كيف كان شبح السبعاوي يلاحقه؟       25 تشرين الاول 1920..تأليف اول وزارة عراقية في رسائل (الخاتون)       20 تشرين الاول 1950 افتتاح جسر الصرافية الحديدي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22626353
عدد الزيارات اليوم : 1596
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


اللون أرجواني

سمر عزيز
آليس ووكر: كاتبة أميركية تعيش ألان في أميركا الشمالية، صدر لها عدد من الروايات ومجموعات من القصص القصيرة وخمسة مجلدات شعرية، في روايتها هذه (اللون أرجواني) تتطرق الى اضطهاد واستعباد المرأة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
تتحدث الرواية عن قصة حياة امرأة زنجية اسمها سيلي. تعاني هذه المرأة من مختلف أنواع الاضطهاد الجسدي والعاطفي والاقتصادي والجنسي وتحاول تحرير نفسها من زوجها.


تعامل سيلي كإنسان من درجة أدنى وتحرم من أمومتها بسبب زوج أمها الذي يسلبها أطفالها منذ ولادتهم. تعيش سيلي حياتها المرهقة لسنوات طويلة من المشقة وإساءة المعاملة من قبل زوجها وأطفاله البغيضين. النقطة المحورية في الرواية هي سيلي التي تضطهد جنسياً من قبل زوج أمها أولاً ومن ثم زوجها. كانت سيلي في طفولتها تغتصب جنسياً وبشكل دائم من قبل زوج أمها ونتيجة لذلك تنجب طفلين. إن اغتصابها في عمر مبكر هو أبشع انتهاك لإنسانيتها وتظهر آثارها السلبية على تكوينها النفسي. ويتوضح هذا الاضطهاد عندما تدرك والدة سيلي أمر اغتصاب زوجها لابنتها سيلي، وتحاول والدة سيلي أن تذكر زوجها بشكل غير مباشر بأنه أب لسيلي من خلال مناداته بـ(أبي سيلي) بدون ذكر اسمه الأصلي، ولقد كانت والدة سيلي مريضة دائماً وترفض ممارسة الجنس مع زوجها، وكانت تتوقع ما يدور بين زوجها وابنتها ولكنها كانت تغمض عينيها عن هذه العلاقة وكأنها تقول لابنتها عليك قبول هذا الواقع. ولسوء الحظ،فإن هذه الحالة تمرر من جيل إلى آخر، حيث كانت هذه الحالة غير الطبيعية (الاغتصاب الجنسي) تقليداً في المجتمع البطريكي، حيث يمتلك الرجل تلك القوة لابتزاز المرأة ويصل الانتهاك باغتصاب الأب لابنة زوجته لأنه السيد والأفضل والأرفع مكانة.
عندما تبلغ سيلي الرابعة عشرة تتزوج من رجل لا تحبه ولا تريده بل ويحتقرها ويهينها ويتزوجها لتربّي أولاده ويمارس الجنس معها بدون مراعاة لمشاعرها وكأنها تغتصب مرة أخرى من قبل زوجها بدلاً من زوج أمّها. ولم يكن يبالي أو يدرك بأن هذه العملية هي مشاركة للمتعة بين اثنين. كانت سيلي وسيلة يحصل من خلالها على المتعة وتتحدث إلى صديقتها عن علاقتها الجنسية مع زوجها وتقول: يبدأ بالارتماء فوق جسدي رافعاً قميص نومي إلى خصري ومن ثم يقتحم داخلي بتهور. في اغلب الأحيان اتظاهر بأني لست هناك وهو لم يدرك حالتي هذه أبداً ولم يسألني عن مشاعري في هذه الأثناء حتى ولو لمرة واحدة، ينهي مهمته ويتركني ويغط في نوم عميق. تجيبها صديقتها وتقول: إنك تصورينها وكأنه يبول عليك!. إن هذا النوع من العلاقة هو مثال واضح للاضطهاد الجنسي، فبدون وجود العلاقة العاطفية بين الطرفين تخلو العلاقة من أية مشاعر وينعدم التفاهم.
لم تتمتع سيلي بالعلاقة الجنسية أبداً ولم تعرف أهمية أعضائها التناسلية إلى حد إهمالها لها ربما لعدم ذهابها إلى المدرسة للحصول على القليل من المعرفة عن الحياة لأنها كانت منشغلة في تربية إخوانها وأخواتها الصغار بدلاً من أمّها المريضة. وتخبرنا صديقتها بان سيلي ما تزال عذراء لأنها لم تتمتع بالجنس ولم تبلغ الرعشة الجنسية أبداً. يتوجب على المرأة أن تكون بتماس مع نفسها وأن ترى نفسها كإنسانة لها متطلباتها مثلها مثل الرجل وإن التمتع بالعملية الجنسية وبلوغ الذروة الجنسية من حقها أيضاً. فببلوغ المرأة الرعشة يعني إن المرأة تشعر بنفسها من الناحية الجنسية وهو ليس عاراً أو عيباً، وإن المرأة ليست فقط وسيلة أو أداة لجلب المتعة للرجل. إن بلوغ الرعشة في العملية الجنسية هو الجزء المكمّل لحاجات المرأة الأخرى كالمأكل والمشرب وعندما تدرك المرأة هذه النقطة المهمة من العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة تتمكن من تحرير نفسها من عقدة النقص القديمة ومن كونها وسيلة لإمتاع الرجل فقط.
الاضطهاد العرقي :
وتتحدث الراوية كذلك عن الاضطهاد العرقي الذي يتعرض له السود في مجتمع الرجل الأبيض في حين تعاني المرأة السوداء اضطهاداً مضاعفاً، أولاً لكونها امرأة، وثانياً لكونها سوداء. تقول سيلي: (أنا فقيرة، سوداء، وربما قبيحة ولا أستطيع الطبخ بشكل جيد… ولكني موجودة) وهي بذلك تؤكد انها من طبقة فقيرة وعرق أسود وهي ليست جميلة بل قبيحة ولا تجيد مهارات المرأة التقليدية كالطبخ ولكنها تؤكد وجودها. كما وتشير الرواية إلى حركة الزنوج في الستينيات وتشير إلى سيلي كإمرأة سوداء مضطهدة من قبل مجتمع الرجل الأبيض قبيل حركة الزنوج وكذلك الاضطهاد الذي تتلقاه من قبل زوجها والأيدلوجية البطريركية التي تسود المجتمع.
الاضطهاد العاطفي والجسدي :
أما بالنسبة للاضطهاد العاطفي والجسدي للمرأة، فإنه يظهر من خلال المعاناة القاسية التي تعيشها سيلي مع زوجها ((كانت تضرب بشكل دائم لأي خطأ يرتكب سواء كانت منها أو من الآخرين، لهذا كانت سيلي شخصية سلبية لقبولها هذا النوع من الاضطهاد وعدم التمرد عليه وكانت ترى نفسها شخصاً مكسوراً مستلب الإرادة على العكس من صوفيا (زوجة ابن زوج سيلي) التي كانت تتصدى لأي اضطهاد جسدي تتلقاه من والدها، أعمامها أو أي رجل آخر في العائلة. يحاول هاربو (ابن زوج سيلي) أن يضرب زوجته صوفيا ويمشي على خطى أبيه وبدلاً من ذلك، تقوم صوفيا هي بضربه وخدشه بجروح بسيطة ولا تتيح له الفرصة  ليعيد مأساة والده.
كما تتعرض سيلي لاضطهاد عاطفي من قبل زوج أمها الذي يحرمها من حقها في الأمومة وذلك بأخذه أولادها منها بعد الولادة مباشرة  وبشكل غير مباشر تضطهد والدة سيلي ابنتها وذلك بحرمانها من حقها في التمتع بطفولتها، فبدلاً من التمتع بها تقوم سيلي بتربية إخوانها وأخواتها الصغار منذ عمر مبكر بسبب مرض والدتها. لم تشعر سيلي بطفولتها ولم تلعب ولم تذهب إلى المدرسة لتتعلم، لم يكن لديها أصدقاء طفولة وأوقات للمتعة بمعنى آخر لم يكن لديها طفولة… وتأتي (نيني) الأخت الصغرى لسيلي لتسكن معها لفترة موقتة، حيث تحبها سيلي حباً شديداً، ولكنها تطرد من قبل زوج سيلي لأنها رفضت أن تمارس الجنس معه. وتحرم سيلي بالتالي من الاتصال بها وتنقطع علاقتهما بعد أن تذهب إلى إحدى الدول الأفريقية لتعمل في إحدى الجمعيات التبشيرية. أما من الناحية الاقتصادية، فإن سيلي تعتمد على زوجها بالرغم من إنها تعمل في المزرعة، تزرع وتفلح في الحقل وتعمل في البيت كخادمة وتنظف وتربي الأولاد وتهتم بهم وبالمقابل لم تحصل على أية  مكافأة أو رضا وليس هذا فقط، بل تدرك سيلي وبعد سنوات من موت والدتها، بأنها مازالت ترتدي ثوب والدتها المتوفاة. وإن ارتداء ملابس شخص متوفٍ هو صورة رمزية إشارة لتعاسة ذلك الشخص، حيث لا تدرك نوعية الملابس التي ترتديها هي وأيضاً إشارة  إلى أن الشخص الذي يرتديها هو حي جسدياً وميت روحياً، وربما تكون هذه إشارة لسيلي بأنها سوف تعيد دور أمها وسوف تنتهي بالمرض. فلا أحد يهتم بها أو يكافئها، محرومة من اغلب احتياجات الحياة، تعيش مع زوجها وكأنها محكوم يقضي فترة حكمه. إنها تقوم بكل الأعمال الشاقة في البيت والمزرعة وبالمقابل لا تملك شيئاً.
في ذروة أحداث الرواية تقرر سيلي مغادرة البيت ويرد عليها زوجها بقوله: لن تحصلي على أية نقود مني ولا حتى عشر سنتات، وترد عليه سيلي: وهل طلبت منك نقوداً في يوم من الأيام؟ لم اطلب منك أي شيء. هل يمكن تصور امرأة تعيش مع زوجها لسنوات طويلة وتعمل له كالحصان في البيت وفي المزرعة وتربّي له أولاده ولا تطلب منه مالاً أو أي شيء آخر.
لم يتم زواج سيلي باختيارها بل تم تزويجها لرجل لا تحبه وأساس زواجها يشبه امتلاك الحصان للاستفادة منه في العمل، حيث يتحدث زوج أمها للشخص الذي يتقدم ليطلب الزواج منها بأنها امرأة قوية تمتلك عضلات قوية للعمل وتستطيع أن تربي أولادك وانه اغتصبها مرتين. هذا التقييم المهين لسيلي وبدون أي اعتبار لهويتها الإنسانية وشخصيتها كأمرأة ترغب بالزواج والمتعة.
تهتم هذه الرواية بقضية الجمال والإنسانية، حيث تثير هذه الرواية مسألة مهمة وهي المرأة غير الجميلة المهملة فقط لكونها قبيحة الشكل وخاصة إذا كانت فقيرة.كان زوجها يضطهدها ويحتقرها ويناديها (أنت سوداء فقيرة وقبيحة) متجاهلاً إنسانيتها وهويتها ككائن بشري وحتى إن سيلي تدرك وتعرف نفسها بأنها امرأة قبيحة وتعيد هذه الجملة مراراً خلال أحداث الرواية ولكن مع إثبات نفسها إنها موجودة.
إن الاضطهاد والاستعباد التي تتعرض له سيلي على يد زوجها لم يجعلها تكره زوجها ولم يحولها إلى امرأة عدائية، بل بقيت مرهفة وحساسة ومتفتحة العقل. لكن هذا الاضطهاد جعلها تكره الرجال عامة وتنظر إليهم كالضفادع.
تقوم صديقتها (شاك) بمساعدتها وتسهيل الطريق لها لتحرر نفسها من زوجها، فتأخذها لتعيش معها في بيتها، وتبدأ سيلي حياة جديدة فتقوم بخياطة الملابس مستعملة مختلف الألوان وتخيط مختلف الأحجام وتبدأ بارتداء السروال وهو تعبير رمزي، حيث إن المرأة التي ترتدي السروال لا تهتم بالتقاليد ولا تؤمن بأن البنطال هو للرجل فقط لأنه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة، وأن المرأة التي ترتدي السروال تشعر بالراحة أثناء العمل وإن ارتداء البنطال يعني بالنسبة لسيلي بأن المرأة تساوي الرجل ويعني أيضاً تخلصها من التقاليد الرجعية التي تبقي المرأة رهينة باللباس التقليدي ورهينة الاضطهاد، وعندما بدأت سيلي بخياطة السراويل فقد بدأت بتحرير نفسها من الاستعباد.
في الأحداث الأخيرة من الرواية تحصل سيلي على حريتها كاملة بعد أن ترث بيتاً ومحلاً تجارياً مع قطعة من أرض تشاركها أختها التي تعمل في التبشير في إحدى الدول الأفريقية. وتبدأ سيلي بتكوين نفسها وتقيم مشروعاً وتبدأ بالاعتماد على نفسها.
كلمة أخيرة وهي أن كاتبة الراواية حاولت معالجة اضطهاد المرأة من وجهة نظر فمنيستية التي تتلخص بأن اضطهاد المرأة سببه الرجل. ولو سلمنا بهذه المعادلة، فيعني أن اضطهاد الجنس الأسود هو سببه الرجل الأبيض، واضطهاد الكردي هو سببه العربي، والكوسوفي هو الصربي والهندوسي هو المسلم وبالعكس.. وهكذا دواليك.
إن العالم الذي نعيشه يمتلئ بالظلم والحرمان وكل اشكال الاضطهاد، الجنسي، العرقي، القومي، الديني… إن الخلاص هو ليس الخلاص الفردي كما صورتها الكاتبة من خلال حصول سيلي على قطعة أرض… وانتهت المشكلة. الخلاص هو في القضاء على تلك الأسس التي تولد الحرمان في كل لحظة وفي كل زاوية من هذا العالم المقلوب.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية