العدد (4299) الاربعاء 24/10/2018 (الحسين في الأدب العربي)       واقعة الطف في المسرحية العربية       بطلة كربلاء.. السيدة زينب       الحسين يكتب قصيدته الأخيرة...       العلايلي وثورة الحسين       فلتذكروني بالنضال..       العدد(4297) الاثنين 22/10/2018       ابراهيم صالح شكر في ايامه الاخيرة.. كيف كان شبح السبعاوي يلاحقه؟       25 تشرين الاول 1920..تأليف اول وزارة عراقية في رسائل (الخاتون)       20 تشرين الاول 1950 افتتاح جسر الصرافية الحديدي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22625798
عدد الزيارات اليوم : 1041
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ذكريات مع الفنانة الكبيرة مائدة نزهت

حسين الأعظمي
لم تكن المهمة  هيّنة ويسيرة للفنانة مائدة نزهت في تجربتها الغنائية المقامية التي بدأتها  بوقت متأخر من مسيرتها الفنية واستمرت بها عشر سنوات تقريباً، وهي السنوات  العشر الأخيرة في مسيرتها الفنية، حيث اعتزلت الفن تماماً عند انتصاف  العقد الثمانيني من القرن العشرين... وأنهت مسيرتها الفنية بها.... قمتُ  بتعليمها بعض المقامات التي وصل عددها الى حوالي عشرة،


 نتواجد يومياً ضمن الدوام اليومي في فرقة التراث الموسيقي العراقي كموظفين فيها، ونشارك ضمن هذه الفرقة الرسمية في أرقى المهرجانات في العالم وعلى أرقى المسارح العالمية... وقد سجلتْ مائدة نزهت هذه المقامات بصوتها في الإذاعة والتلفزيون في بغداد، وهي المطربة المتمكنة من فنها الادائي بصورة تلفت النظر إليها..

إن مسيرة السيدة مائدة نزهت الفنية.. مسيرة دائبة الصعود.. وهي سجّل موثّق لجهودها ومواهبها الفذة في الأداء الغنائي..
إن المطرب الكبير ناظم الغزالي الرائد الأول الذي اتسمت أغانيه ببناء جديد للأغنية الحديثة العراقية على يد بعض الملحنين الطموحين مثل ناظم نعيم ووديع خوندة وأحمد الخليل، حيث اعتبر هذا منحىً جديداً ومؤثراً في بناء الأغنية الحديثة في نتاجات المطربة مائدة نزهت من خلال زوجها وديع خوندة، وبذلك فقد كان ناظم الغزالي ومن بعده مائدة نزهت رائدين في هذا المنحى في البناء اللحني للأغنية الحديثة وخير معبّرين عن هذه الحقبة في التفكير والجمال والذوق. نيابة عن الملحنين وكتّاب الأغاني الذين عاصروا هذه الحقبة من تطور موسيقانا.. ففي ما يخص الفنانة مائدة نزهت، فإن أغنيتها (أصيحن آه والتوبة) منتصف الخمسينيات وهي أول إلحان الفنان احمد الخليل لها، كانت قد عبّرت عن جماليات هذه الحقبة بصورة واضحة الأثر، حتى قدّر لهذه المطربة وهذا الملحن أن يشتهرا من خلال هذه الاغنية التي كانت بداية حقيقية لهما معاً وبداية طيبة لإبداعات جديدة في خط تطور البناء اللحني الذي كان قد هيّأ له وديع خوندة وأحمد الخليل وناظم نعيم.. فقد كان الجمهور الذي استقبل هذه الأغنية قد وجد صورة ناطقة لإبداعات هذه الحقبة.. وهكذا فإن أغنية (أصيحن آه والتوبة) تضمنت عرضاً موحداً متسلسلاً لما كان من نتاجات أغاني وإلحان مائدة نزهت وأحمد الخليل قبل ظهور هذه الأغنية.
قال أحمد الخليل (من الفنانات الكبيرات في الغناء العراقي مائدة نزهت التي التقيت بها في الإذاعة سنة 1952 وقدمت لها لحن أغنية"أصيحن آه والتوبة"حيث أدخلت فيها ايقاعات خفيفة)[5] ومرتكزات مطربي الحقبة من جهة أخرى، تعتبر آثاراً للظروف العصيبة التي مر بها العراق في النصف الأول من القرن وما بعده بقليل.. فالجماليات الجديدة من نتاجات الأغاني في هذه الحقبة، كلها كانت كافية لأن تهيئ للجمهور العراقي الشيء المؤثر حقاً في نفوسهم، وكان أثر هذا كله ايضاً، إيحاءً للانطلاق من جديد نحو حياة نتأملها وإزالة للغشاوة التي مرت على الشعب العراقي.
 لقد جلب وديع خوندة معه الى بغداد عام 1957، خبرة لرؤية فكرية وجمالية عاشها في قبرص مذيعاً في إذاعة الشرق الأدنى الناطقة بالعربية. وكان بفطرته ذا رؤية ثاقبة في كل موهبة فنية بما في ذلك موهبته.. فمضى يكتشف ما تنطوي عليه تلك الموهبة بالنسبة إليه في جد وانتظام.. وبدأ عطاؤه الجديد الى الأجيال الجديدة بإلحانه وملاحظاته وإدارته لقسم الموسيقى وفسح المجال للقابليات الموهوبة الأخرى لتبدو النتاجات واضحة..
أما الأنسة مائدة نزهت وهي المطربة الجديدة، فقد كان حظها أوفر من الجميع في تهذيب أغانيها وهندسة مسيرتها الفنية، حيث كان الثامن عشر من آذار عام 1958، موعداً لزواجها بهذا الفنان الموهوب وديع خوندة، وبذلك بدأت مائدة نزهت مرحلة جديدة وجدية في هندسة مسريها الفنية. ومن هذا التاريخ أيضاً نلاحظ أن نشاط مائدة نزهت الفني قد بدأ يستقر بصورة تدريجية. وأصبح أقل من السابق، ولكنه اصبح نتاجاً اكثر اتزاناً وافضل رصانة وأحسن تهذيباً. فحفلاتها الخاصة قد انعدمت أو شبه ذلك، ونشاطها الانتاجي أمسى اكثر دقة وانتظاماً.
تُعد الألحان التي أعطاها الفنان وديع خوندة لمائدة نزهت قبل وبعد زواجه منها بقليل انعطاف جديد في مسار الأغنية الحديثة في بنائها اللحني من حيث تنوع الكوبليهات مع المذهب، وهو يبيّن لنا أيضاً خلجات كتّاب الأغاني هذه، وهكذا كانت مائدة نزهت سيدة الموقف في حصيلة النتائج التي استطاعت أن تعبّر عن مشاعر الملحّن والكاتب معاً، وهكذا كان الاتفاق التعبيري لمجموعهم.. ومن هذه الأغاني مثلاً اغنية"يم الفستان الأحمر"التي كتب كلماتها الشاعر عبد المجيد الملا وأغنية - أحبك لا - التي كتبها إسماعيل الخطيب، وأغنية"تجونة لو نجيكم"من كلمات رشيد حميد، وأغنية"تاليها وياك"التي كتبتها أمل سامي، وأغنية"نسمات رومبا وسامبا بغداد"التي كتبها حسن نعمة العبيدي، وأغنية"وينك"التي كتبها وديع خوندة نفسه.
لطالما استمتعت بذكريات فنيه عشتها مع السيدة مائده نزهت، وقد ضمتنا فرقة التراث الموسيقي العراقي التي أسسها الموسيقار الراحل منير بشير مطلع السبعينيات.. يلُفُّنا يوم وظيفي دائم طيلة اكثر من اثنتي عشرة سنة، لا نحس بثقل في دقائقة ولا غضاضه من لحظاته، فقد كنا أعضاء الفرقة جميعاً متآلفين محبين لبعضنا، وأذكر أن علاقتي بالسيدة مائدة كانت قوية جداً وربما أقوى من علاقة زملائي الفنانين بها من أعضاء الفرقة، وكانت تأنس لمجالستي خاصة ونحن نتحدث عن شؤون المقام العراقي... فأنت مع إنسانة بمعنى الكلمة، تنبئك ابتداءً بنبلها وسمو مرتبتها وأخلاقها الجمة.. تبادلت الاخاء معها، فأثمر عن تعلمها لمجموعة من المقامات العراقية قاربت العشرة مقامات.. أجادت بتفوق في تلقفها واستيعابها كأي مطرب مقامي وعياً منذ نعومة أظفاره على سماع وتعلّم هذا الفن، لم أعانِ من تعليمها.. فمنذ الوهلة الأولى تتلقى الأصول التقليدية لغناء المقامات لتتفاعل في مكنوناتها العميقة، وقد باشرت في تسجيلها في الإذاعة والتلفزيون كما غنتها في المهرجانات الدولية من خلال مشاركات الفرقة الكثيرة خارج العراق.
أجدني عندما أذكر حقائق، استشعر راحة كبيرة، فمن هذه الحقائق تنجلي وأخرى مغبونة منسية.. ومن الحقائق أن هذه المغنية الكبيرة غنّت المقامات بأصولها التاريخية من دون الخروج عن ذلك احتراماً لهذه التقاليد الغنائية، ولما كان الخروج عن القوالب لأي فن تراثي محفوفاً بالمخاطر، فهو سلاح ذو حدين.. فقد استنكره غالبية المقاميين بحجة المحافظة على الأصول التقليدية.. وهو رأي تميل إليه الكثرة، مع أن البعض حاول التملص من هذه الشرنقة العتيقة.. أما الإضافة، فهي تناظر الخروج عن التقاليد بل هي من نتائجه.. ولما كانت مطربتنا قديمة عهد بالغناء، فقد أتاح لها عمرها الفني أن تصول وتجول لتخرج وتضيف جماليات ادائية إبداعية غاية في الفن والاتقان.. وفي صدد أغنية – تاليهة وياك – أذكر أني كنت مرة خلال الدوام الوظيفي اليومي لفرقتنا ونحن نتمرن على بعض الأعمال الغنائية المقامية وابداء ملاحظاتي المقامية للفنانة مائدة نزهت، وقد كنا في حضرة مقام الحكيمي وهو من سلم مقام الهزام.. وفي هذه الاثناء مال حديثنا الى أغنية – تاليهة وياك- وهي من نفس السلم حتى أخذت تغني ببعض مقاطعها التي أبديت اعجابي ببنائها الموسيقي وأدائها المتقن الجميل، فسألتها عن ظروف هذه الأغنية... فكانت أن أجابت بصراحة وجرأة فقالت (في هذه الفترة كنت على علاقة حب طاهر نقي مع الفنان وديع خوندة، وكان ذلك قبل زواجنا طبعاً، كنت كمراهقة غرة، لا يهمها كتمان مشاعرها وكان قد لحّن لي هذه الأغنية فعند تسجيلها في ستوديو الإذاعة، كان وديع موجوداً في كونترول الاستوديو جالساً مع المخرج وكنت أنا في ذروة مزاجي الغنائي ومشاعري الجياشة مما جعلني أغني بكل صدق وجودة، فكان إن نجحت هذه الأغنية نجاحاً كبيراً ليس فقط لجمالها بل لمستواها الراقي في الكلمات والبناء اللحني والأداء الغنائي). وبذلك يمكننا أن نقول من جانب آخر، إن هذه الأغنية سجّلت قبل عام 1958، وهو عام زواجهما.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية