العدد (4299) الاربعاء 24/10/2018 (الحسين في الأدب العربي)       واقعة الطف في المسرحية العربية       بطلة كربلاء.. السيدة زينب       الحسين يكتب قصيدته الأخيرة...       العلايلي وثورة الحسين       فلتذكروني بالنضال..       العدد(4297) الاثنين 22/10/2018       ابراهيم صالح شكر في ايامه الاخيرة.. كيف كان شبح السبعاوي يلاحقه؟       25 تشرين الاول 1920..تأليف اول وزارة عراقية في رسائل (الخاتون)       20 تشرين الاول 1950 افتتاح جسر الصرافية الحديدي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22625850
عدد الزيارات اليوم : 1093
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من ذكريات ثورة 14 تموز 1958

نصير الجادرجي
في القاهرة كنت عادةً استيقظ مبكراً صبيحة كل يوم في سكني بالعوّامة أقوم بوضع مؤشر المذياع على الإذاعات العربية والاستماع لنشرات أخبارها عبر الراديو الذي اقتنيته من أحد محال القاهرة، والذي كان يسحب كل شيء وفقاً لمفهومنا الدارج حينها.. كما كنت أقضي أيامي بحالة انتظار قلق لنتائج امتحانات البكالوريا، والتي منها يتحدد مستقبلي متأملاً أن أجني من نجاحي فيها ثمار رحلتي الى القاهرة وإيفائي بوعدي الذي قطعته لوالدي بالحصول على الشهادة.


في صبيحة يوم الإثنين، الرابع عشر من شهر تموز/ يوليو من عام 1958، استيقظت كعادتي قبل الساعة السابعة صباحاً على صوت فيروز التي كانت إذاعة دمشق تُبث أغانيها في هذا الوقت من كل يوم، لكن لم أستمع الى فيروز.. فأنتظرت قليلاً حتى قال المذيع:
أعلن قبل قليل الضباط الأحرار في العراق بأن ثورتهم ثورة شعبية...
انتظرت قليلاً لأتأكد من صحة ماسمعت.. متسائلاً مع نفسي، عن أية ثورة يقصدون ومن هم الضباط.
بعدها قال المذيع:
تم إعلان الثورة في العراق والقضاء على النظام الملكي و....
ولم أحتمل ماسمعت حتى أدرت الموجة لاستمع الى إذاعة بغداد، التي من خلالها توصلت الى اليقين عبر سماعي لخطاب السيد (عبد السلام محمد عارف)، يصدح فيها معلناً القضاء على النظام الملكي وإعلان الجمهورية..
فقدت صوابي حينها ولم أكمل الاستماع الى الخطاب، حتى ارتديت ملابسي وخرجت مسرعاً باتجاه مقار سكن زملائي الطلبة العراقيين، الذين كان أغلبهم مفصولاً من كليته في العراق جراء مواقفه من النظام.
أخبرتهم بضرورة إيقاظ القاهرة على تظاهرات احتفالية نقوم بها في شوارعها ومن ثم نتوجه الى السفارة العراقية. كان بينهم محمد الملا ونوري عبد الرزاق وأميرة الرفيعي وحياة شرارة ومحمد صالح سميسم وجمال خليل وحسن السلمان وعبد الوهاب الصافي وسديدة الرفيعي وسلوى ونوال الحكيم وآخرون كان من ضمنهم بعثيون وقوميون.. وأتذكر أنني قد ايقظت نوري من فراشه وأخبرته بما جرى، وصدم لسماع كلامي متخيلاً أنه يحلم.
بعد أن اكتمل تجمعنا كان علينا أن نتجمع في مقر (الرابطة العراقية) في منطقة (وسط البلد)، وحال وصولنا الى هناك اتفقنا على عمل لافتات تحيّي الثورة وتؤيّدها.
ذهبت الى أحد الخطاطين في منطقة (شارع سليمان) بالقرب من مقهى (اللّوق) الذي كان مقراً لتجمع بعض العراقيين آنذاك... كان الوقت مبكراً في الصباح ومن الطبيعي أن أجد المحل مغلقاً، فرأيت أحد الأطفال وسألته عن موعد افتتاح الخطاط لدكانه، فأجاب بأنه يفتح المحل بعد (قرابة الساعة) أو ربما أكثر..
سألته إن كان يعرف منزل الخطاط، فأكد ذلك.
أعطيته (نصف جنيه) وطلبت منه إبلاغه بالحضور فوراً، ولم يصدق ما بكفّ يده من مبلغ حين شاهده حتى جرى مسرعاً نحو منزل الخطاط وجاء به على جناح السرعة التي لم أكن أتوقعها.
وضع الخطاط خشبة خفيفة على طاولته وخطّ عليها عبارة:
(سفارة الجمهورية العراقية)
اتفقنا حينها مع الأخ (نوري عبد الرزاق) بأن يتصل بالسلطات المصرية لإبلاغهم بنيتنا الذهاب الى السفارة العراقية وإعلانها سفارة للجمهورية العراقية، فوافقت على ذلك شريطة عدم استعمال العنف.
أما أنا فقد اتصلت بجريدة (الجمهورية) التي كان يرأس تحريرها آنذاك السيد (أنور السادات) وكذلك (جريدة المساء) طالباً منهم إرسال موفديهم الى مقر رابطتنا في وسط البلد لحضور مسيرتنا الى السفارة العراقية.
بعد ذلك ذهبنا بموكب حاشد عبر سيارات (التكسي) التي كنا نستقلها الى حيث مقر السفارة العراقية في حي الزمالك، وقد كانت تلاحقنا سيارات تقل مندوبي وسائل الإعلام المصرية (الإذاعة والصحافة).
حال وصولنا لمبنى السفارة خلعنا من على حائطها لافتة (سفارة المملكة العراقية) واضعين بدلها لافتة (سفارة الجمهورية العراقية). وقد كان بعض الموظفين يتابعون ما نقوم بصمت، لكننا أخبرناهم بعدم تعرضنا لهم مطلقاً كوننا إخوة وأبناء وطن واحد، أما السفير فلم يكن موجوداً فيها.
دخلنا الى صالة السفارة هاتفين ببعض الشعارات المؤيّدة للثورة، وخرجنا بهدوء دون أن نتعرض لأيّ شيء فيها.
كان ذلك كله يتم بتغطية من وسائل الإعلام المصرية، حيث كان عددنا قد تجاوز المئة فرد.
 في اليوم التالي توجهت الى دائرة البريد واتصلت بالأهل هاتفياً، فاستمعت لصوت والدي الذي كان قد خرج من السجن في الثامن والعشرين من شهر حزيران/ يونيو من عام 1958 بالإرادة الملكية المرقمة 334، أي قبل الثورة بستة عشر يوماً.
في تلك الأيام كنا نقضي جل وقتنا في مقر الرابطة نستمع لأخبار الثورة من الإذاعات ونقرأها عبر الصحف، وقد أبدينا حينها ونحن البعيدون عن الوطن خشيتنا من التعرض للثورة جراء ما كنَا نسمعه عن تحشيد غربي بدأ يحصل ضد العراق.
لم تكن قد مضت أيام قلائل على ذلك الحدث الكبير، حتى زار مصر، وفد وزاري من الجمهورية العراقية (الفتية)، ضم كلاً من السادة: هديب الحاج حمود (وزير الزراعة)، والدكتور جابر عمر (المعارف)، ووزير العدل السيد (مصطفى علي)، والسيد (جاسم العزاوي) ممثلاً عن وزارة الدفاع، وعبد الوهاب الأمين الذي عُيّن بمنصب الملحق العسكري في سفارة الجمهورية العراقية في القاهرة.
رافقت حينها السيدين (هديب الحاج حمود وجابر عمر) في جولاتهما ومن المفارقات التي أذكرها عن تلك الأيام هي نسياني للحدث الذي كنت أنتظره بقلق جراء تلك الأحداث العاصفة.
في بداية شهر آب/ أغسطس من العام ذاته، وصل الى القاهرة السفير الجديد للجمهورية العراقية فيها، السيد (فائق السامرائي)، وقد أقمنا له حينها استقبالاً حاشداً في المطار، ورافقناه الى حيث مبنى السفارة في (الزمالك).. وبعد أيام قلائل دعانا لحفل في السفارة ألقى فيه خطاباً رائعاً ومؤثراً.. قلت له أن خطابك ناري، ومن سمعه ولايعرف ميولك سيظن أنك ماركسي.
أجابني مازحاً: كنت قد التفت الى من حولي حين إلقائي الخطاب، فرأيت ميولهم، فنويت لحظتها بأن أخترقهم وأكون أحمر أكثر منهم..."حيث كان سريع البديهة وصاحب نكتة"!. 
بعد الحفل انفردنا بالسامرائي طالبين منه تسهيل أمر عودتنا الى العراق، خصوصاً أنني كنت قد أتممت المهمة التي جئت من أجلها والأجواء في العراق باتت مناسبة لعودتي، وعودة العديد من الزملاء والزميلات الذين خرجوا من الوطن مغضوباً عليهم من حكّامه السابقين.
شدد على ضرورة عودتنا الى العراق، واقترح أن تكون على نفقة الحكومة العراقية، فقام بإرسال برقية الى المسؤولين في بغداد كتبها أمامنا.
انتظرنا لعدة أيام وصول الرد من بغداد، لكن من دون جدوى، ثم أبرق السامرائي من جديد برسالة تحمل المغزى نفسه، كنت حينها على اتصال دائم معه منتظراً وصول الرد، لكنه كان يخبرني بأنه لم يصل.. ضقنا ذرعاً حينها من ذلك الانتظار المقيت، لكن الرجل لم يصبر، ففي إحدى جلساتي معه نادى على المحاسب، وأمره بصرف فواتير جميع بطاقات السفر عبر طائرة الخطوط الجوية العراقية لقائمة الأسماء التي ستقدمها الرابطة وسأله إن كانت ميزانية السفارة تفي بالغرض فأجابه بالإيجاب.
من (مذكرات نصير الجادرجي)، دار المدى



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية