العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :42
من الضيوف : 42
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23293464
عدد الزيارات اليوم : 10542
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نوري مصطفى بهجت.. والريادة في الفن

 د. معتز عناد غزوان
إن  المتتبع للسيرة الكبيرة في تجاربها وغناء معارفها للدكتور نوري مصطفى بهجت،  هذه المذكرات المهمة التي توثّق تاريخ المعرفة والعلوم والثقافة في   العراق الحديث، أنها تاريخ الطب في العراق وتاريخ الموسيقى والفن التشكيلي  والرسم تحديداً. إذ يعد الدكتور نوري بهجت أحد مؤسسي جماعة الروّاد للفن  التشكيلي العراقي منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي.


وكانت آنذاك مجموعة واحدة من الفنانين التشكيليين تدعى جماعة أصدقاء الفن التي كان من بينها الفنانون عطا صبري ومحمد صالح زكي وحافظ الدروبي وغيرهم، كما تلا تأسيس جماعة الروّاد للفن التشكيلي تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث التي أسسها الفنان جواد سليم.
لقد كانت فترة الحرب العالمية الثانية (1939-1945) قد مهدت لظهور الأسلوب الانطباعي والأساليب ما بعد الانطباعية ولاسيما التنقيطية. بتأثيرات من الرسامين البولنديين. وقد كانت جمعية أصدقاء الفن ترعى ذلك الجانب الفني والأسلوبي والتقني ولأول وهلة كنا نجد في فترة ما بعد نمو تيارين من الوعي الإنساني سرعان ما وجدا محصلتيهما في الصيغ الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأكثر تكاملاً. وهذان التياران هما اللذان لخصهما قتيبة الشيخ نوري في حديثه عن الدور الحقيقي لجماعتي الرواد وبغداد للفن الحديث كما يلي ((جماعة الروّاد ويمثلون الجانب المهم وهو الممارسة الحسيّة في العمل الفني من خلال النظر والحسّ اللوني والتأليف الموضوعي بينما جماعة جواد سليم وهي جماعة بغداد للفن الحديث، تلك الجماعة التي تشكلت عام 1951 فتمثل الجانب الفكري)). وهكذا فإن ظهور جماعة الروّاد في عام 1951 كجماعة فنية تتجاوز مرحلتها الطفولية الأولى في الأربعينيات إلى مرحلة شبابها جاء معبّراً عن موقف جديد اقترن بالدعوة إلى الرسم بأساليب مطلع القرن العشرين ومنتصفه في أوروبا. 
بيد أن الدكتور خالد القصاب يشير في مذكّراته إلى أن المعرض الأول لجماعة الروّاد افتتح يوم الجمعة 22/1/1950 إذ رفعت لافتة كبيرة فوق بيت والد الدكتور خالد القصاب كتب عليها (المعرض السنوي الأول لجماعة الروّاد) وبخط يوسف عبد القادر، توافد على المعرض يوم الافتتاح العديد من النقاد وأعضاء الهيئة وبقي المعرض لثلاثة أيام، ضم المعرض مئة وخمسين لوحة، العدد الأكبر منها لفائق حسن وجواد سليم وخالد القصاب ومحمود صبري، كما عرض فيه زيد صالح وهو في لندن آنذاك رسومه المائية التي وثّقت اللقاءات والسفرات التي كان جماعة الروّاد يقومون بها.  كما اشترك في المعرض كل من إسماعيل ناصر ويوسف عبد القادر وقتيبة الشيخ نوري. وقد شارك الدكتور نوري مصطفى بهجت في معرض جماعة الروّاد السنوي الثاني الذي افتتح في 2/2/1952.
ولعل أن المتتبع لأعمال الفنان الرائد الدكتور نوري مصطفى بهجت الأولى يستطيع أن يلمس وجود البيئة ولاسيما البيئة الطبيعية العراقية التي رسمها الدكتور نوري بهجت بأسلوب انطباعي جميل يتسم بمحاكاة الطبيعة وألوانها الجميلة والمتنوعة ليشكل بها المشهد الجمالي بروح معاصرة عاصرت أيامه وقتئذ. إنه الفنان المتطلع والمتنقل من مكان إلى آخر ليرسم الأهوار ويرسم الجبال ويرسم البوادي ويرسم الطبيعة المحلية والعالمية ولاسيما المناطق غير العراقية التي زارها وأدهشته مناظرها. إذ يعده الناقد والفنان التشكيلي عادل كامل إنه الملون الثاني بعد فائق حسن، لقدرته العالية وتقنياته الواضحة في بناء أو تشكيل اللوحة بموسيقاه الجميلة التي ترسم سلالمها الألوان بكل جمالية وانسياب سواء أكانت تلك اللوحات مائية أم زيتية.
رسم الدكتور نوري مصطفى بهجت البيئة الجبلية وأبدع في بناء اللوحة وجمال تكوينها وألوانه ولاسيما خلال تلك السفرات التي كان يقوم بها مع زملائه زيد صالح وفائق حسن ويوسف عبد القادر وخالد القصاب. وقد تحدث الدكتور خالد القصاب عن تلك الذكريات التي جمعته مع صديقه الدكتور نوري مصطفى بهجت أثناء تجوالهم للرسم في شمال العراق. وقد رسم الدكتور نوري بهجت لوحات عديدة تصور تلك البيئة المتميزة ومن تلك اللوحات (من الشمال 1939)، (في خريف دهوك 1989)، (يوم ممطر في سولاف 1989)، تميزت تلك اللوحات بمحاكاة البيئة بجمال تكوينها الطبيعي، إذ يوحي الجو اللوني والإيقاعات الحارة الدافئة والباردة ومعالجة الجبل من خلال الألوان الباردة بقوة الطبيعة، مما ساعد في تحقيق البعد الثالث بشكل جيد وأبعاده أي الجبل إلى العمق، وربما تذكرنا هذه المعالجات قليلاً بمدرسة (باربيزون) الفرنسية وحب الفرنسيين لطبيعة وطنهم وبخاصة روائعهم الفنية وتحقيق مدرسة كاملة برسم المناظر الطبيعية التي عرفت على مستوى أوروبا والعالم. وأكد الفنان الدكتور نوري مصطفى بهجت على الروح الديناميكية للوحة ضمن ما أكده في معالجات التكوين وكيفية رسم الشجرة التي تحتل حيزاً مهماً في معظم لوحاته. ويمكن الحكم على لوحاته في إطار الواقعية في الرسم.
يقول الناقد والفنان التشكيلي عادل كامل في معرض حديثه عن تجربة الدكتور نوري مصطفى بهجت ((إن الطبيب من أكثر البشر معرفة بالقوانين التي تحكم الناس، منذ الميلاد حتى الموت، حيث الإنسان يواجه العلل والنكبات... أي الإنسان الضعيف غالباً تجاه قوى غامضة ومجهولة تدفعه إلى صراع دائم ومرير من اجل أسابيع أو أيام أو حتى ساعات. إن هذه الحقيقة تنعكس في لوحات الطبيب نوري مصطفى بهجت من زاوية تجديد حيوية الرؤية وعدم الانغلاق أو الكف عن تأمل الحياة، وهي رؤية موضوعية لكنها تتضمن عمقاً ذاتياً يرتبط بحساسية الفنان واختياره للرسم تعبيراً عن جماليات الحياة)). لقد كانت الرسالة الجمالية التي حملها نوري مصطفى بهجت لأكثر من ثمانية عقود من الإبداع والتجديد في الرسم العراقي المعاصر خير دليل على قوة الأداء والتفكير عند الطبيب كإنساني ومهني والفنان كحس ورقة وتعبير، إنها الازدواجية الإبداعية التي تمتع بها نوري مصطفى بهجت في منجزه الفني طيلة العقود الماضية ليبحث عن الجمال والتعبير والإنسانية.
لم يخرج أسلوب نوري مصطفى بهجت الإبداعي في الرسم عن تلك الانطباعية المتميزة في معظم أعماله الفنية بتقنيات الفرشاة المتحولة تارة من الفرشاة المتألقة مع الألوان المائية إلى تلك الأخرى المتألقة مع الألوان الزيتية. ويختلف أسلوب الفنان الطبيب نوري مصطفى بهجت على سبيل المثال، عن أسلوب الفنان الطبيب علاء بشير الذي تميزت معظم لوحاته بسريالية الفكر والتجريد في بعض الأحيان ليكون مجدداً في هذا الميدان. إن تعامل الطبيب الفنان مع الألوان والأشكال هو مختلف في مديات الرؤية وترجمة الأحاسيس والمشاعر ولغة اللون والتعبير عنه.
شارك الفنان الدكتور نوري مصطفى بهجت في تأسيس جمعية الفنانين التشكيليين في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، بعد أن دعا إلى تأسيسها عدد من الفنانين وكان من بينهم الدكتور خالد الجادر والدكتور خالد القصاب، وقد بدأت الحوارات والاجتماعات لتشكيل وكتابة النظام الداخلي للجمعية تكون على شكل اجتماعات دورية في داري الدكتور الجادر والقصاب.
تمخضت تلك الاجتماع عن وضع النظام الداخلي للجمعية وقد أشار الدكتور نوري مصطفى بهجت إلى تلك التفاصيل في مذكّراته القيّمة في هذا الميدان، وكان قد حضر الاجتماع الأول كل من الدكتور محمد مكية وعالية القرغولي ونزيهة سليم وقحطان المدفعي وأكرم شكري وخالد القصاب ونوري مصطفى بهجت وإسماعيل الشيخلي وكاظم حيدر وفرج عبو جواد سليم وزيد صالح ورفعة الجادرجي ومحمود صبري وخالد الجادر. لتتأسس أو جمعية للفن التشكيلي في العراق ويكون لهؤلاء الفنانون دورهم التاريخي في وضع حجر الأساس للفن التشكيلي العراقي. وانتخب الدكتور محمد مكية أول رئيس للجمعية. وقد قامت جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين بالعديد من النشاطات والمعارض والندوات المهمة في الشأن الفني والجمالي التي بلغت أوج تطورها في إقامة المعرض التشكيلي عام 1957 والذي افتتحه الملك فيصل الثاني وبحضور الوصي على العرش الأمير عبد الإله وقد كان للمعرض مكانته الإعلامية وقتئذ.
الدكتور محمد مكية وجواد سليم وعدد من الفنانين مع الملك فيصل الأول والوصي عبد الإله عند افتتاح أول معرض لجمعية التشكيليين العراقيين عام 1957.
وقد صمم شعار الجمعية آنذاك الفنان جواد سليم بعد الاتفاق عليه مع أعضاء الجمعية والذي كان يعبّر عن رمز تراثي عراقي كبير هو الأمير كوديا.
جسّد الفنان نوري مصطفى بهجت روح الطبيعة في معظم لوحاته الانطباعية التي صور بها البيئة وطبيعتها من حيث الأشجار وألوان الأزهار وتدرجات ألوان السماء، انه يحاكي الطبيعة ليصنع منها تناصاً يقترب من الواقع أكثر من الوهم انه الإحساس بامتلاك الطبيعة بكل جمال مكوناتها التي يشعر بها نوري مصطفى بهجت ليهرب بها بعيداً من الضجيج والزحام، فقد لجأ منذ بدايات عمله مع زملائه فائق حسن ويوسف عبد القادر وزيد صالح وخالد القصاب إلى الجبال والسهول والبوادي ليوثق بكل محبة بيئة وطنه ومرجعياته الثقافية والمعرفية.
تنسجم طبيعة الأشكال المرسومة مع تطبيقات قواعد المنظور، من خلال الضوء الذي يغمرها والذي يساعد في تحقيقها، إذ تختفي بعض الأشكال وتندمج فيما حولها مما يجردها من صفاتها الواقعية، فتبدو مجرد مساحات لونية لا تحددها حدود صارمة بل منسابة متكاملة مع مفرداتها وعناصرها الفنية. إن محاكاة نوري مصطفى بهجت للطبيعة لم يكن توثيقياً بقدر ما يكون جمالياً من حيث إبراز مقومات الانسجام اللوني مابين ألوان الطبيعة لإبراز قيمة اللون كعنصر جمالي وبنائي مهم في التشكيل البصري بوصفه خطاباً مؤثراً للمتلقي.
لم يكن النتاج الفني الهائل لنوري مصطفى بهجت متميزاً في محاكاة الطبيعة المتحركة من حيث ألوانها وطبيعة تأطير المكان الذي كان يحدده ليستنسخه بمهارة ويطبع عليه سماته المحلية ويميزه من مكان إلى آخر مع حركية متلازمة للزمان المتقلب مع مكانه داخل اللوحة أو الخطاب البصري المطروح فيها. فتارة يجعل من العمل الفني متحركاً وتارة يجعل منه ثابتاً من خلال الحركات التي تقوم بها مفرداته البنائية داخل اللوحة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية