العدد (4311) الخميس 15/11/2018 (محمود صبحي الدفتري)       الدفتري وحفلة المصالحة بين الرصافي والزهاوي       لقطات وطرائف من حياة الدفتري       لقاء مع اقدم امين للعاصمة بغداد..محمود صبحي الدفتري : هكذا ادركت بغداد       من احاديث الدفتري لمير بصري..ذكريات الدفتري مع ولاة بغداد في العهد العثماني       من احاديث محمود صبحي الدفتري و ذكرياته       الدفتري امينا للعاصمة       العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :25
من الضيوف : 25
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22895365
عدد الزيارات اليوم : 6564
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نوري بهجت الطبيب والفنان.. قوة الانشداد للطبيعة والإنسان

جمال العتابي
كيف نميّز بين  الفنان والطبيب، كيف تبدأ المفاضلة بينهما، ومن يقرر هذا الحكم، كيف نتعامل  مع العمل الفني عن غيره؟ مما لايسترعي اهتمامنا، ولايشغل حيزاً في وعي  المتلقي ومتعته وذائقته الفنية.
عن هذه الأسئلة وسواها، يجيب كتاب نوري  مصطفى بهجت (محطات بين الطب والفن)، تحرير الأستاذ معتز عناد غزوان، الصادر  عن دائرة العلاقات العامة في وزارة الثقافة العراقية 2015.


تصدرت الكتاب مقدمة بعنوان (جماليات التجربة وريادتها) للناقد التشكيلي عادل كامل، وتوزعت نصوصه على محاور عديدة، استعرض فيه الفنان الطبيب نوري بهجت سيرة حياته منذ نشأته الأولى، ومراحل دراسته في الإبتدائية والثانوية، ودراسته في كلية الطب العراقية، وتنقله بين قرى ومدن العراق امتثالاً لمتطلبات المهنة، وسط ظروف اجتماعية وصحية صعبة للغاية، نمّت فيه روح التحدي في وقت مبكر من عمره.

يقول عادل كامل في مقدمته: ولع بهجت بالفنون، مهّدت له ممارسة رسّخ فيها شروطها النظرية والفكرية، فالخيال لديه لم ينفصل عن الممارسة العملية، إزاء متغيرات تطلبت عناد البذرة، ولغزها في الأخير، فالرهافة تجذرت ليس لقراءة المشهد، بل لديمومة الإقامة في مناطقه الخلّاقة.

ولد نوري بهجت عام 1924 في بغداد، وعلى مدى تسعين عاماً، كان يحمل أسئلته عن معنى المدن والأنهار، والليل والأنغام، واللون في الزوايا، لم يتوقف عند العتمة والموت، عندما يداهم مرضاه بسبب البلهارزيا والملاريا التي تفتك بالبشر آنذاك، كان يبحث عن أبعد غصن في شجرة وحيدة في حديقة داره، أراد أن يتفوق موسيقياً، فتعلم العزف على العود والكمان، ودرس الموسيقى، كما درس الرسم، فتعرف على روّاد التشكيل العراقي من دون استثناء، وكان مع الخطوة الأولى لتأسيس جمعية التشكيليين العراقيين منتصف الخمسينات من القرن الماضي.

في حياة نوري مصطفى بهجت محطات عديدة، ويسجّل له دوره المهم كطبيب بتأسيس مراكز تأهيل المعاقين في العراق، ووحدات العلاج الطبيعي في كبريات المدن شمالاً وجنوباً، ولعل أكثر المحطات إثارة في حياة بهجت المهنية، تلك التي تسامى فيها دوره الإنساني في معالجة نزلاء سجني نقرة السلمان والكوت، في أجواء لاتخلو من التوتر، كما يشير بهجت، وموقفه المتحدي من إدارة سجن الكوت التي هاجمت السجناء بالرصاص، وحاولت (لفلفة) الحادث عام 1953 بادعاء كاذب، محاولة منها للتهرب من مسؤولية قتل السجناء، فأعلن بهجت موقفه صريحاً وشجاعاً، مفنداً تلك الادعاءات، بعد أن تكفل بمعالجة الجرحى منهم.

جسّد الفنان نوري مصطفى روح الطبيعة في معظم أعماله الانطباعية التي صور بها البيئة وطبيعتها، فهو فنان يحاكي الطبيعة ليصنع منها تناصاً يقترب من الواقع أكثر من الوهم، إنه الإحساس بامتلاك الطبيعة بكل جمال مكوناتها، فراح يبحث عن الجمال في الجبال والسهول والبوادي، توقظه الأمطار والأشجار والماء والسماء، لايترك النوافذ والفضاءات المفتوحة تمر عابرة، الا ويوثقها جمالياً، ثمة مقومات للانسجام اللوني بين هذه العناصر.

لغة نوري بهجت في التعبير لم تكن جديدة، إذ سبقه عدد من الفنانين في اقتحام عالم الطبيعة، ووجد نفسه مشدوداً بقوة إلى فعل الحياة وديناميكيتها، يعمل طبقاً لمزاج خاص لم تهزّه عواطف التحديث، يحمل حنينه الدائم للمكان بما فيه من عفوية وبساطة، عاش صادقاً مع نفسه ومع تلامذته، ومع الناس أجمعين، رغم أن العالم تغيّر عميقاً طوال هذه الحقب الزمنية.
نوري بهجت، شاهد للطبيعة، وملون شغوف بالمنظور الذي يمنحه قدراً كبيراً من العاطفة، (عراقيته) تطالعنا أبداً في أعماله التي استأثرت بنظرته الصافية للمشهد الطبيعي والإنسان معاً.
يعدّ الكتاب أول جهد توثيقي لحياة المبدع نوري بهجت مهنياً وفنياً، معززاً بالصور واللوحات والوثائق الرسمية، وكان لإسهامة الفنان معتز عناد غزوان في تحرير وتحقيق الكثير من النصوص، دور مهم في تقديم ما هو مخبوء في سيرة نوري مصطفى الإبداعية، وبذل معتز جهداً كبيراً وحريصاً يستحق عليه الثناء والتقدير، لكي يرى هذا المطبوع النور، بصفحاته التي تجاوزت الثلاثمئة بالقطع الكبير، على الرغم من بعض الأخطاء الطباعية والفنية، التي لم تقلل من أهمية المضمون بما يحمل من صدق التجربة وحرارتها، ولابد من الإشارة بشيء من الأسف، الى أن دار الشؤون الثقافية (جهة الطبع) لم تكن موفقة في إخراج المطبوع فنياً في التصميم أو معالجة الصور بما يليق بمقام ومنجز رمز إبداعي كبيرمثل نوري مصطفى، ويبدو لي أن صناعة الكتاب في أهم مؤسسة طباعية رسمية تابعة لوزارة الثقافة لاتزال، بمستوياتها الفنية، لاترتقي الى أبسط الشروط في الطباعة والإخراج الفني، إذ تعتمد، وبإصرار غريب، على أساليب تجاوزها الزمن، رغم ما يتوفر لها من إمكانات طباعية وبشرية، وإرث مهني يمتد لأكثر من أربعة عقود في العمل. وما يثير الدهشة أيضاً، إن الدار غير منفتحة على الأمثلة المتقدمة التي حققتها دور نشر أخرى بإمكانات متواضعة، أو الاطلاع على المتعة البصرية التي تحققها هذه الدور للمتلقي. أملي كبير في أن تعيد الجهات المسؤولة طباعة الكتاب والأخذ بجدية هذه الملاحظات.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية