العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة       حياة بول ريكور: يتمٌ.. وأسرٌ.. وتأويل..       بول ريكور ورحلة البحث عن المعنى عبر التأويل       درب بول ريكور "العابرة للاستعارات والمعاني"... من نقد البنيوية إلى التأويل       بول ريكور ورواية التاريخ       العدد (4325) الخميس 06/12/2018 (إالهام المدفعي)       المدفعي روحية الموروث الغنائي العراقي بأنغام معاصرة       الهام المدفعي.. نموذجا       عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23255088
عدد الزيارات اليوم : 941
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


من الآن سأمضي لاحتفل بكل ما أراه أو أكونه

 علي حسين
في يوم من أيام شهر  تموز عام 1858، تتوقف عربة على الطريق المؤدي الى واشنطن، ليصعد إليها رجل  يبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً، يملك قامة هائلة تشبه قامة عملاق،  يرتدي ملابس تشبه ملابس العمال، غطى رأسه بقبعة، كان مرحاً وهو يروي  حكاياته للمسافرين، وعندما قرر مغادرة العربة، بادل الركاب التحية، وعند  مغادرته علّق أحد المسافرين على هذا الرجل الملتحي بقوله :"إنسان  لطيف"فأجابه السائق:


 نعم إنسان لطيف، لكنه غريب الأطوار حتى إنه ألف كتاباً عجيباً، فسأل الراكب: وما اسم هذا الكتاب؟ فقال السائق:"أوراق العشب".

ولد والت ويتمان في الثاني من أيار عام 1819 في"لونك ايلند"وهي جزيرة تواجه البحر، كان الابن الثاني بين تسعة من الأطفال، خلال طفولته تنقلت عائلته كثيراً فقد عمل الوالد نجاراً، ثم بعد ذلك جرب الدخول في مشاريع بناء صغيرة. ورغم إنه حاول أن يصبح رجل أعمال، إلا أن حلمه لم يتحقق فمات وهو مديون بسبب فشل بعض من مشاريعه، ويخبرنا الابن ويتمان، أن والده كان إنساناً مستقيماً، يثق بالناس ويؤمن بالمثل الديمقراطية، ومثل هذا السلوك يتعارض مع رجل الأعمال مما أدى الى خسارته. ويعترف ويتمان إنه ورث حب الحرية عن أبيه. كان الأب محبّاً للكتب، وفي منزل ويتمان كان هناك على الدوام كتب تتحدث عن الأفكار الثورية. وقبل وفاته قرر الوالد أن ينشر على نفقته أول ديوان شعر لابنه الذي لم يتجاوز آنذاك السادسة عشرة من عمره.. ويبرز لنا كاتب سيرته، إن الكتب التي امتلأ بها البيت صرفته عن الدراسة حتى أن المعلمين في المدرسة أخبروا والده أن إبنه كسول جداً ولن ينجح بأي شيء، اتفق الأب مع رأي المعلمين، فقد كان يرى من العبث أن يستمر ابنه في شيء لا يحبه، وأن من الخير له أن يتعلم حرفة تقرّبه من الناس، وكان عمله الأول في مكتب محامٍ، وهناك استطاع أن يتعرف على نوع جديد من الكتب، بعدها سعى لتعلم مهنة الطباعة، هذه المهنة التي قال عنها إنها أشبه بالجامعة، وهي نفس المهنة التي أصر مارك توين على تعلمها أيضاً، ولعل أحبّ الذكريات في تلك السنوات بالنسبة لويتمان، هي تلك الساعات التي كان فيها يجلس في زاوية من زوايا المطبعة يقرأ في كتاب، مما اضطر صاحب المطبعة الى أن يقول لوالده :"لو أن نوبة أصابت الصبي لما تحرك"، ونراه يكتب بعد سنوات :"أنا أقرأ كي استدعي روحي"، بعدها جرّب العمل في التجارة ففشل، وحاول العودة للدراسة فلم يصبر كثيراً، وفي النهاية انحاز للأدب وقرر أن يتفرغ له. في تلك السنوات كان يولي اهتماماً لأحوال الناس، ويتمنى رؤية أميركا خالية من الفقر، ومن أصحاب الثروات الكبيرة، بدا اهتمامه بقراءة مفكري التنوير الفرنسيين فولتير روسو وديدرو، بعد سنوات سيعمل ويتمان محرراً في إحدى الصحف المحلية، إضافة الى عمله منضّداً للحروف وموزعاً للصحيفة على المشتركين، في تلك الفترة بدأ بكتابة مقالات ساخرة عن البؤس، والفقر، كان يريد أن يستخدم السخرية كسلاح في معركته ضد شر الظلم والتوزيع غير العادل للثروات.
في العشرين من عمره ينشر ويتمان أول عمل روائي، وقد حققت الرواية نجاحاً كبيراً إذ تمكن الناشر أن يبيع أكثر من خمسة وعشرين ألف نسخة خلال ثلاثة أشهر، وبدا لويتمان أن الطريق أمامه سالك لكي يصبح روائياً شهيراً، لكنه تخلّى عن الفكرة بعد أن أعاد قراءة روايته فوجدها :"سخيفة مليئة بالمواقف المضحكة"كانت الرواية بعنوان"حكاية الأزمان"، وبعد سنوات طويلة سيتذكر ويتمان، إنه كتب هذه الرواية ليروي فيها الحياة التعيسة للشباب الذين يأتون الى نيويورك من الأقاليم للبحث عن عمل، ونجد ويتمان يوجه نقداً شديداً للأغنياء الذين استولوا على كل شيء.
ويبدو أن ويتمان أدرك إن الرواية والمقالة الأدبية ليست عالمه، فعاد من جديد الى الشعر، فهو الآن في الثلاثين من عمره، وبدأ يخطط لكتابة ديوانه"أوراق العشب". في كتابه عن والت ويتمان يشرح لنا موريس مندلسن، تحول ويتمان الى الشعر، حيث يؤكد أن الشاعر أصابه ضرب من الاشراق الصوفي الذي حوله من صحافي عادي الى شاعر كبير.
في العام 1855 تصدر الطبعة الأولى من"أوراق العشب"، وكانت المجموعة عبارة عن كتاب بثمانين صفحة من الحجم الكبير، وقد نشر ويتمان إعلاناً في إحدى الصحف ذكر فيه أن بإمكان أي مواطن شراء الديوان مقابل دولارين، إلا أن الإعلان لم ينجح في جذب القراء، فاضطر المؤلف الذي طبع الكتاب على نفقته الخاصة وأن يوزّع العدد الأكبر من النسخ التي طبعها على الأصدقاء، وقد تحمل خسارة مادية كبيرة.
وبعد عام تقوم إحدى دور النشر بإصدار طبعة ثانية أضيف إليها بعض القصائد، لم تلق النجاح أيضاً، وبقيت معظم نسخها في مخازن المطبعة وعلى أرفف المكتبات، وبرغم المقدمة التي كتبها الكاتب الشهير إمرسون والتي وجّه فيها التحية للشاعر :"أنا على بصيرة بقيمة كتابك المدهش فوجدته أعظم تحفة من تحف الحكمة، جادت بها أميركا الى غاية الآن.. انا أهنئك في بداية عملك العظيم"فإن الطبعة الثالثة لم تلق النجاح أيضاً، وكسدت في الأسواق، ومنيت محاولة ويتمان الرابعة في طبع الكتاب بالفشل أيضاً. لقد نُشرت"أوراق العشب"عشر المرات خلال حياة والت ويتمان وفي كل مرة يلاقي الفشل، وإن الشاعر الذي وجّه قصائده الى الشعب، وحلم بجمهور واسع من القرّاء، لم يتمكن خلال حياته من الوصول الى ذلك الجمهور. وإضافة الى عزوف القرّاء، فإن الشعر لم يثر أي اهتمام داخل أسرة ويتمان، فقد كانت العائلة تجد ابنها يصرف المال على مغامرات أدبية فاشلة.
ويبدو أن القصائد ألهمت ابراهام لنكولن أحد أبرز الرموز الأميركية آنذاك، فنجده يكتب في دفتر يومياته :"أن مجموعة ويتمان أوراق العشب ستظل من الأشعار القليلة التي تثير الانتباه لنضارتها ونظرتها المستحدثة وأشكال تعبيرها الفريدة". وفي لندن يحقق ويتمان الشهرة، فنجد كاتباً مثل أوسكار وايلد، يقرر السفر لزيارة الشاعر في بيته ويكتب :"ليس هناك في عالم أميركا الشاسع العظيم هذا من أحبه وأحترمه أكثر من ويتمان"، وبعد سنوات يكتب د.ه. لورنس :"لقد وضعنا ويتمان على الدرب منذ سنوات، فلماذا لم يكمل أحد الطريق؟ لماذا لايقبل أحد أعظم كلماته؟ إن الاميركيين ليسوا جديرين بشاعرهم ويتمان".
في رسالة يوجهها همنغواي الى والده يكتب :"تعلمت من ويتمان أن أمضي في الحياة مقاتلاً، وأردد معه بيت الشعر الذي كتبه :
ومن الآن سامضي لاحتفل بكل ما أراه أو أكونه
وأغني وأضحك ولا أنكر شيئاً".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية