العدد (4235) الاربعاء 18/07/2018 (رينوار)       فصل من كتاب: رينوار.. أبي       قوة الرهافة في لوحات رينوار       سيرة مزدوجة من مبدع ابن مبدع       فيلم "رينوار" للمخرج جيل بوردو.. انطباعات مزوِّر عن الانطباعية       جان رينوار: «أبي» عاشق الضوء       رينوار الأب في مذكّرات ابنه       رينــوار أبـي       رينوار بقلم رينوار       العدد(4233) الاثنين 16/07/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :16
من الضيوف : 16
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21318610
عدد الزيارات اليوم : 6024
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


"أوراق العشب"لوالت ويتمان: أميركا التي كانت حُلماً

إبراهيم العريس
عندما كان  شعراء جيل «البيت» في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم ألان غينسبرغ وغاري  سنايدر، يصرخون في أوائل ستينات القرن العشرين غاضبين «أميركا ماذا فعلت  بحلمك الجميل؟ أميركا، أعطيناك كل شيء ولم تعطنا شيئاً...»، كانوا من دون  أدنى ريب، يتذكرون سلفاً كبيراً لهم كان قبلهم بأكثر من قرن من الزمن قد  صرخ في وجه أميركا صرخة أخرى،


 بعبارات من نوع آخر: صرخة أمل بعبارات تفاؤل. كان ذلك السلف لا يزال يحلم بأميركا الرواد والطبيعة والتآخي بين البشر. إنه والت ويتمان. أما صرخته، فقد حملت عنواناً لا تزال له قوته التعبيرية وحضوره الطاغي حتى يومنا هذا: «أوراق العشب» تلك «القصيدة» الطويلة المتعددة التي لم يتوقف ويتمان عن كتابتها والإضافة إليها منذ وعى كونه شاعراً للمرة الأولى وحتى وفاته. «أوراق العشب» كانت، على أي حال، القصيدة الأميركية الأولى، بالمعنى الذي يمكننا اليوم أن نسبغه على هذه الكلمة. من هنا، إذا كان العديد من الشعراء والكتّاب الأميركيين قد رجموا ويتمان واعتبروه نشازاً وفاسداً وشاعراً سيئاً حين أصدر «أنشودة نفسي»، التي ستشكّل جزءاً أساسياً لاحقاً من «أوراق العشب»، فإن إمرسون، كاتب أميركا وشاعرها الأكبر في ذلك الحين، لم يكن بعيداً من الصواب حين صرخ يقول بعدما قرأ القصيدة: «الآن يمكن الأميركيين الذين آثروا العيش في الخارج أن يعودوا... لقد ولد لدينا فنان كبير». في ذلك الحين كان إمرسون الوحيد القادر على الدفاع عن «أوراق العشب» وعن والت ويتمان... ولكن لاحقاً، وعلى رغم كل شيء، صارت «أوراق العشب» أشبه بنشيد جماعي لرفعة أميركا وعظمتها. وصارت المعادل الموضوعي الداعي إلى ترسيخ قيم الطبيعة والإنسان والفن والإخاء والصداقة والحب والديمقراطية، في الوقت الذي كانت فيه الآلات الضخمة والجرافات بدأت تحطّم الطبيعة وتقطع الأشجار وتردم ضفاف الأنهار لكي تقيم الجسور والطرقات والمصانع... وكل تلك الأمور التي أنهت، إلى الأبد، فكرة كان والت ويتمان نفسه يحملها عن أميركا التي يريد، أميركا التي"وضعها داخل كتاب أشعاره قبل أن تضيع إلى الأبد".
في أواخر سبعينات القرن العشرين، حين نقل الشاعر العراقي سعدي يوسف إلى العربية بعض مقاطع"أوراق العشب"-ولم يكن هو بالطبع أول من قدّم هذا العمل إلى قرّاء العربية-، تساءل في نهاية مقدمته التوضيحية، التي غفلت على أي حال عما يعتبره النقاد الغربيون أساسياً في حياة ويتمان وشعره: فلسفته للمثلية الجنسية، تساءل: «ما أهمية والت ويتمان للقارئ العربي والشعر العربي؟"، وأجاب:"في رأيي أن تقديم ويتمان إلى قارئنا وشعرنا في هذه المرحلة بالذات له أهمية كبرى، فهو أولاً نسمة شعرية صحية بين الكثير الكثير مما يترجم من شعر الى لغتنا. وهو ثانياً شاعر أمة في دور النهوض، ما يقدم لشعرنا المتطلع إلى أن يكون المعبّر عن نهوضنا، أنموذجاً عالياً. وهو ثالثاً شاعر ثورة شعرية امتدت إلى أوروبا، وآتت أكلها، فقصيدة النثر ما كان لها أن تشق سبيلها الأوروبي لولا إسهامه ويتمان الكبرى. وهو رابعاً شاعر المحسوس والواقع المعيش والمفردة السائرة، وما أحوجنا وأحوج شعرنا إلى المحسوس والمعيش والمفردة السائرة".
والواقع أن الأديب الفرنسي فاليري لاربو الذي كان من أفضل من قدموا ويتمان إلى القارئ الفرنسي في القرن العشرين، سبق سعدي يوسف إلى هذا الرأي، وكان يرى أيضاً أن"طموح والت ويتمان كان يكمن في إعطاء أميركا مثلاً أعلى، فلسفةً وديناً". ولكن، وكما يحدث عادة في مثل هذه الأحوال، لم يكن الأميركيون أول وأفضل من استقبل شعر ويتمان، سبقهم الأوروبيون إلى ذلك، على رغم حماسة إمرسون الفائقة، وفاقوهم فيه، إذ كان الإنكليز -وبأقل منهم الفرنسيون- أول من احتفى بشعر ويتمان، وفي مقدمهم روزيتي وسوينبرن (الذي لم يفته أن يقارن ويتمان بويليام بليك). أما لاحقاً، فقد كان كبيراً عدد أولئك الأدباء والشعراء الذين «وُلدوا» من رحم شعر ويتمان، وحسبنا أن نذكر هنا أسماء هنري ميلر ود. هـ. لورانس وشعراء «جيل البيت»، لكي نموضع شعر ويتمان في مكانه الصحيح.
ولكن بعد هذا، ما هي «أوراق العشب»؟ ببساطة، هي مجموعة قصائد تؤلف في نهاية الأمر قصيدة واحدة. والعمل هو من نوع ذاك الذي ينمو عاماً بعد عام، ففي البداية في تموز (يوليو) 1855، صدرت الطبعة الأولى من «أوراق العشب» مؤلفة من 12 قصيدة أساسية، هي التي رأى فيها إمرسون باكراً «أعظم قطعة حكم أنتجتها أميركا حتى الآن». وفي العام التالي، في طبعة ثانية، أضاف ويتمان 21 قصيدة. وفي العام 1860 أصدر طبعة ثالثة تحمل 122 قصيدة إضافية، من بينها المجموعة التي تحمل عنوان «فالاموس"(تلك المجموعة التي أدانها نقاد كثيرون حين أصدورها مضافة، إذ رأوا فيها تمجيداً من ويتمان بمثليته الجنسية، فيما رأى نقاد أقل عداء لويتمان أنها إنما تحتفي «بتعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان لا أكثر»). ولسوف تظهر في حياة ويتمان ست طبعات أخرى، تضاف إلى كل منها قصائد جديدة، بحيث ضمت المجموعة في نهاية الأمر 411 قصيدة هي التي تؤلف اليوم متن «أوراق العشب» النهائي.
واللافت هو أن هذه المجموعة، على رغم أنها كتبت طوال عشرات السنين، وحكمت بعضها ظروف تختلف عن التي حكمت بعضها الآخر، تحمل في نهاية الأمر وحدة عضوية، من ناحية الشكل كما من ناحية المضمون، بحيث تبدو لنا اليوم عملاً متكاملاً واحداً بالكاد يمكن انتزاع مقطع منه، وهي في شكلها النهائي تبدو أقرب إلى أن تكون سيرة ذاتية للحلم الأميركي... لأميركا كما آلت على نفسها أن تكون وكما كان يجب عليها أن تكون. ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في «أنشودة نفسي»، التي تبدو كنشيد للثقة بالنفس، ودعوة إلى كل إنسان لكي يموضع نفسه في تيار الطبيعة الكوني. والحال أن هذه «الأنشودة"تبدو في نهاية الأمر وكأنها محور الكتاب كله. والمكان الذي تلتقي فيه الذات بالآخر: الفرد بالمجموع، ليؤلف الاثنان بوتقة واحدة تنطلق مما كان بحثاً عما سوف يكون. وويتمان يبدو في هذا السياق واضحاً، إذ يقول في واحد من أقوى مقاطع «أنشودة نفسي»: «أرحل كالهواء/ وأهز خصلاتي البيض للشمس الهاربة/ أهرق لحمي مياهاً، في جداول مسكرة/ أوحّد نفسي بالتراب، لا نجم من العشب الذي أحب/ فإن أردتني ثانية فابحث عني تحت نعل حذائك/ قد لا تعرف من أكون وما أعني/ لكني سأكون لك العافية/ ونقاء الدم ونسيجه/ إن لم تجدني أولاً فلا تيأس/ إن افتقدتني في مكان فابحث عن مكان آخر/ ولتجدنني أنتظرك في مكان ثالث".
وحياة والت ويتمان نفسها تكاد تكون أشبه بخلاصة للحياة التي عاشها من قبله وسيعيشها من بعده عشرات الكتاب العصاميين من الذين صنعوا مجد أميركا الأدبي. فهو، الذي ولد العام 1819 في لونغ آيلاند، لم تدم دراسته طويلاً، إذ سرعان ما نراه يلتحق بالعمل صبي مكتب، ثم عامل طباعة ثم معلماً في مدرسة ثم صحافياً متجولاً، وينخرط بعد ذلك في السياسة عضواً في التجمعات الديموقراطية، ويبدأ بنشر كتاباته، وأهمها في ذلك الحين الطبعة الأولى من «أوراق العشب». وحين تندلع الحرب الأهلية يجنّد كمسعف ويعيش بين القتلى والجرحى تجربة قاسية سوف تطبعه دائماً. وبعد انقضاء الحرب يعود سيرته ويصدر كتاباً عن الحرب كما يكتب مرثاة لأبراهام لنكولن حين يُغتال. وفي العام 1871 يصدر «الرواية الديموقراطية». وفي العام 1873 يصاب بالشلل ويستقر في نيوجيرزي. ويمضي السنوات العشرين الأخيرة من حياته وحتى رحيله في العام 1892، في مستقره لا يقطعه سوى تأرجح بين تجوال سريع وبين اهتمام بنشر كتبه وطبعات «أوراق العشب» المتتالية.
عن الحياة اللندنية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية