العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22877374
عدد الزيارات اليوم : 6551
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


هل كشفت التحقيقات الجنائيّة التنظيم عشيّة الثورة؟ محاولات الكشف التي تعرض لها تنظيم الضبّاط الأحرار

صلاح خلف الغريري
تعرض تنظيم  الضباط الأحرار قبل قيام حركتهم الثورية في 14 تموز 1958 لظروف كادت تكشفه  أمام السلطة وتؤدي به الى الانهيار. وفي ما يأتي أهم هذه المحاولات:
-المحاولة الأولى: اجتماع الكاظمية عام 1956 :
في  صيف عام 1956 عقد اجتماع في منزل المحامي صفاء العارف في الكاظمية حضره كل  من المقدم رفعت الحاج سري والعقيد الركن عبد الوهاب الأمين والمقدم الركن  إسماعيل العارف،


 شقيق صاحب الدار والمقدم صالح عبد المجيد السامرائي، لم تجر في هذا الاجتماع أي مناقشة مهمة وأنما تبادل لوجهات النظر واستعراض للوضع العام في البلاد.
 وفي اليوم التالي وصل خبر الاجتماع الى رئيس أركان الجيش الفريق الركن رفيق عارف، فقام على أثره بإجراء التحقيق مع المجتمعين واقتنع بأن الاجتماع ليس مهماً وإن الحديث الذي دار فيه كان حديثاً عابراً ليس فيه تأكيد على وجود تنظيم سري للضباط ضد السلطات الحاكمة، ولكنه أمر بنقل كل من المقدم رفعت الحاج سري الى منصب ضباط التجنيد في قلعة صالح ونقل المقدم إسماعيل العارف الى منصب ملحق عسكري في واشنطن ونقل المقدم صالح عبد المجيد السامرائي الى منصب ملحق عسكري في عمان، وكان الوحيد الذي لم يشمله النقل هو العقيد الركن عبد الوهاب الأمين الذي بقي في منصبه كرئيس لشعبة الحركات العسكرية في وزارة الدفاع.
دارت شكوك واتهامات كثيرة حول الشخص الذي قام بإيصال خبر الاجتماع الى السلطات الحاكمة، فتوجهت اتهامات نحو المقدم إسماعيل العارف والمقدم صالح عبد المجيد لأنهما نقلا الى مراكز مرموقة وكذلك توجهت اتهامات أخرى نحو العقيد الركن عبد الوهاب الأمين لأنه بقي في منصبه وظل الشخص الذي قام بتلك الوشاية مجهولاً.
ولكن بعد نجاح ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 بدأت الأمور تنكشف، إذ أرسل المقدم إسماعيل العارف برقية الى وزارة الدفاع العراقية يطلب فيها استدعاءه الى بغداد لإجراء التحقيق معه حول ما أشيع عن وشايته بتنظيم الضباط الأحرار، وقد قام معاونه الرئيس الركن صالح مهدي عماش  بإرسال تلك البرقية الى بغداد. أما عبد الوهاب الأمين فقد استمرت الشكوك ضده ولا سيما أنه في صباح 14 تموز عام 1958 سأل بعض الضباط الأحرار الفريق الركن رفيق العارف، عندما كان في المعتقل، عن الشخص الذي أخبره عن الاجتماع فأجابهم بأن عبد الوهاب الأمين هو الشخص الواشي ومما يؤكد هذا الأمر أنه بعد نجاح انقلاب الثامن من شباط عام 1963 أمر وزير الدفاع الفريق الركن صالح مهدي عماش بإجراء تحقيق كامل في الموضوع وقد تولى مهمة التحقيق عميد الشرطة فهمي القيماقجي، وقد تبيّن من شهادة وفيق عارف، شقيق رفيق عارف، أن أخاه قد أخبره بأن عبد الوهاب الأمين هو الشخص الذي أوصل خبر الاجتماع.

المحاولة الثانية حادثة نعمان ماهر الكنعاني في عام 1957 :
في نيسان عام 1957 قام علي حيدر الركابي، وهو سوري الجنسية ومكلف من قبل الأمير عبد الإله للتجسس على الضباط العراقيين، بدعوة المقدم نعمان ماهر الكنعاني والمقدم شكيب الفضلي لتناول العشاء في داره وقد قام الأمير عبد الإله وعلي حيدر الركابي بنصب جهاز التسجيل في تلك الدار وعند حضور نعمان ماهر وشكيب الفضلي كان الأمير عبد الإله يسترق السمع وهو واقف في الأيوان الخارجي غير أن نعمان ماهر وشكيب الفضلي لم يذكرا شيئاً مهماً عن التنظيم أو عن أسماء المشتركين به.
وفي اليوم التالي ألقي القبض على المقدمين وبدأ التحقيق معهما في مديرية الاستخبارات العسكرية واستغرق التحقيق نحو أربع وعشرين ساعة، لكنهما لم يبوحا بشيء مهم وذلك بفضل الرئيس الركن صالح مهدي عماش الذي كان ضابطاً في مديرية الاستخبارات العسكرية، إذ قام بتنسيق الايفادات بين الضابطين بما لا يؤدي الى اعترافهما ولا يظن أحدهما بأن صديقه قد اعترف عليه، ومما ساعد الضابطين أيضاً أن التسجيل كان مشوشاً وغير واضح لذلك لم يتوصل التحقيق الى أي نتيجة. ولكن السلطات أمرت بإحالة المقدم نعمان ماهر على التقاعد وذلك في الثامن عشر من نيسان عام 1957 ونقلت المقدم شكيب الفضلي الى منصب ضابط تجنيد في أحد أقضية السليمانية. 

- المحاولة الثالثة حادثة المنصة عام 1957 :
في خريف عام 1957 قامت الفرقة الأولى في الحبانية بمناورات عسكرية حضرها الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله، وكانا يشاهدانها على منصة مرتفعة، فسقطت قنبلة على مقربة من المنصة التي يقفان عليها، فغضب قائد الفرقة وعدّ الحادث مدبراً يستهدف المسؤولين وإفشال التمرين، فطالب بإجراء تحقيق لمعرفة أسباب الحادث، وبالفعل تم التحقيق ولكنه لم يتوصل الى شيء، لأن الضباط الأحرار كانوا  يشرفون عليه.
فضلاً عن هذه المحاولات التي كادت أن تكشف تنظيم الضباط الأحرار كانت هناك تحذيرات وصلت الى البلاط الملكي كادت أن تكشف التنظيم أيضاً أذ بينت أن هناك تنظيماً في الجيش يسعى الى قلب نظام الحكم، لكن هذه التحذيرات لم تأخذ على محمل الجد من جانب البلاط الملكي ورجالاته.
وكان من جملة هذه التحذيرات ما نقله بهجت العطية مدير الأمن العام من معلومات الى الأمير عبد الإله، إذ كانت تصل لدى بهجت العطية مجموعة من التقارير تتناول تحركات ضباط الجيش فيرفعها الى الوصي عبد الإله الذي كان ينقلها بدوره الى رئيس أركان الجيش رفيق عارف الذي يعمل على تكذيبها ويتهم بهجت العطية بالتجسس والدس على الجيش. إلا أن العطية تلقى في أوائل حزيران عام 1958 معلومات موثقة عن خطة يديرها الضباط الأحرار مقرونة بتفاصيل عن أسمائهم، لكنه لم يقدمها للوصي وإنما قدمها الى وزير الداخلية سعيد قزاز الذي أوصلها الى الوصي، فأثار ذلك غضبه، فقام باستدعاء العطية الى القصر ومنعه من التدخل بشؤون الجيش. 
ويذكر توفيق السويدي في مذكّراته، أن بهجت العطية قدم تقريراً الى رئيس الوزراء آنذاك احمد مختار بابان، قبل ثلاثة أو أربعة أيام من قيام الثورة، يتضمن أسماء بعض الضباط الذين يخططون للقيام بانقلاب عسكري في هذه الأيام. فقدم وزير الداخلية هذا التقرير الى رئيس أركان الجيش رفيق عارف، الذي كعادته كذب هذا التقرير ولم يصدقه غير أن كل ما ورد عن توفر معلومات لدى مدير الأمن العام بهجت العطية عن خطط الضباط الأحرار وأسمائهم وتحركاتهم وعن موقف رئيس أركان الجيش من هذه المعلومات فيه كثير من الشك ومما يؤيد ذلك هما الكتابان اللذان نشرهما جعفر عباس حميدي، إذ كان الكتاب الأول مرسلاً من قبل الاستخبارات العسكرية الى مديرية الأمن العامة في (5/ 7/ 1958)، والثاني جواب من مديرية الأمن العامة الذي طبع في(13/ 7/ 1958) أي قبل الثورة بيوم واحد، ولكنه لم يوقع ولم يرسل بسبب قيام الثورة  ومن قراءة هذين الكتابين يمكن الاستنتاج أن الاستخبارات العسكرية ومديرية الأمن العامة ومديرها بهجت العطية، لم تتوفر لديهم معلومات دقيقة عن الثورة وعن قادتها من الضباط الأحرار، وكذلك أن ما يؤيد الشك أيضاً هو أن الوصي لا يمكن أن يرفض معلومات مقدمة من مدير الأمن العام ومن مديرية الاستخبارات العسكرية، ولا سيما وأنه قد جنّد مختلف الأشخاص من مدنيين وعسكريين للتجسس على ضباط الجيش.
وهكذا فإذا كان هناك شك في التحذيرات الداخلية التي وصلت الى الوصي والملك فيصل الثاني، فإن التحذيرات الخارجية التي وصلت إليهما ربما تكون خالية من ذلك وكان من أوائل هذه التحذيرات هو اتصال الملك حسين ملك المملكة الأردنية بالملك فيصل وأخبره أنه حصل على معلومات من أحد الأشخاص الذين تم اعتقالهم بتهمة التآمر على النظام في المملكة الأردنية، تفيد بأن هناك جماعة في الجيش العراقي تعمل للإطاحة بالنظام الملكي العراقي وطلب الملك حسين من الملك فيصل أن يرسل له أحد الأشخاص المهمين والذين يثق بهم الى الأردن لكي يطلعه على تفاصيل الخطة، فأرسل له الملك فيصل الثاني في يوم 11 تموز 1958 الفريق الركن رفيق عارف رئيس أركان الجيش فقام الملك حسين بإطلاع رفيق عارف عن المعلومات غير أنه لم يكترث، وبيّن أن الجيش العراقي جيش قائم على أسس متينة وأنه أفضل جيش في الشرق الأوسط. 
فضلاً عن هذا التحذير، كان هناك تحذير خارجي آخر قام به نذير فنصة. وهو سوري الجنسية ويعمل موظفاً في الحكومة الإيرانية، إذ يذكر أنه في تموز عام 1958 وقبل أسبوع من سقوط النظام الملكي في العراق تم استدعاؤه من قبل رئيس المخابرات الإيرانية (السافاك)  الجنرال تيمور بختيار، وطلب منه أن يسافر الى استانبول ويلتقي بالأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق الذي كان يقضي عطلته هناك ويطلب منه أن يرسل الى الملك فيصل الثاني ويدعوه الى الحضور الى استانبول وعدم العودة الى بغداد، لأن هناك المعلومات كانت قد توفرت لدى المخابرات الإيرانية تفيد بأن انقلاباً سوف يحدث في العراق، فالتقى نذير فنصة بالأمير عبد الإله وأخبره برسالة رئيس المخابرات الإيرانية، لكن الأمير عبد الإله كان متصلباً في موقفه وأخبره بأن الإيرانيين يجب أن يعتنوا بشؤونهم ولا يتدخلوا في شؤون العراق. 
ومن هذا كله يمكن الاستنتاج بأن الأمير عبد الإله كانت تصله معلومات وتقارير من مصادر داخلية كمديرية الاستخبارات العسكرية ومدير الأمن العام بهجت العطية أو من مصادر خارجية كالمخابرات الإيرانية أو الملك حسين، ولكن جميع هذه المعلومات كانت غير دقيقة ومشوشة ولا توفر دليلاً مادياً تمكن عبد الإله من الاعتماد عليه في القضاء على الضباط الأحرار كما فعل مع قادة الثورة العراقية عام 1941 عندما أعدمهم جميعاً من دون أي تردد.
 ويمكن استنتاج شيء مهم آخر هو أن الأمير عبد الإله كان يظن لو أن هناك تنظيماً في الجيش يستهدف الإطاحة بالحكم لكانت أخبرته بذلك حليفته السياسية بريطانيا ومخابراتها فهي في نظره أفضل من المخابرات العراقية والإيرانية، ولو أن هناك شيئاً من هذا القبيل لأخبرته به لكن بريطانيا لم تفعل ذلك لأنها ربما لم تكن تعلم بتلك الحركة، كما ذكر مؤيد إبراهيم الونداوي إذ ذكر (أن بريطانيا تفاجأت بإعلان الثورة، فسارع السفير البريطاني الى الإبراق الى حكومته في الساعة 7.30 من صباح 14 تموز لإعلامها بوقوع الثورة).
    وهكذا يمكن القول بأن الظروف والسرية التي اتبعها الضباط الأحرار ساعدت في عدم كشف تنظيمهم ومكّنتهم من تنفيذ الثورة.

عن رسالة (دور ضباط الجيش في التطورات السياسية في العراق 1958 – 1968)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية