العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22877295
عدد الزيارات اليوم : 6472
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الشيخ إمام والأغنية الشعبية التحريضية

 عادل الهاشمي
إن الصلة بين  الحركة الاجتماعية والحركة الفنية صلة طبيعية وعميقة، وهذه الصلة محتم  عليها أن تتحول الى قوانين تبدأ من الحالات الاجتماعية التي اختارتها، فهي  تتطابق مع الوضع الحضاري الذي يعيشه مجتمع ما. إن الجاذبية في الفن، هي  ببساطة اختيار النجاح، على أن عظمة هذه الجاذبية هي في مكرها وطريقة  إخفائها لأسرارها، وهي تحتاج الى من يكتشفها،


 إن جميع المظاهر الإنسانية مرتبطة بالحركة الاجتماعية في قليل أو كثير، والمسافات ما بين تطور المجتمع وحركة الفن هي القياس الحضاري للدرجة المعرفية التي يتحدد عندها المجتمع، إن النتاج الفني ظواهره وأعماقه ممسوك أساساً بمدى ارتباطه بالحصيلة النهائية للوضع الاجتماعي.
إن حالة القوى المنتجة في الفن هي سيرة تفضي الى نوعية ارتباطاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولا تدعو الى التضحية بالقياس الجمالي للفن وتكريس الاهتمام للهدف وحده.
سنقول إن الفن في حقل الموسيقى والغناء مهمته الجوهرية أن يفرد لحضوره متعة فائقة، لكن هذه المتعة الجمالية تستوفي خصائصها الحقيقية عندما تعبر عن مضامين شعبية، اعني أن تلتقي مع هموم أوسع الجماهير، إن الفن الموسيقي والغنائي هو بدقة ذلك الذي يشغل وظيفة اجتماعية وهو مشارك في قيادة العمل الثوري، وهذه المشاركة تأخذ ملامحها الجادة من خلال الاحتفاء بالوقائع المثارة ومن خلال السياق المركزي للتطور التاريخي.. لا نريد هواة للموسيقى والغناء، بل نريد من ينحاز الى هذا الفن باعتباره صنفاً من المعارف الصلبة عن الواقع وأيضاً جهازاً اجتماعياً وثاباً وواعياً في خدمة الهدف العظيم وهو التغيير الشمولي، وتفوق الفن الغنائي والموسيقي مرهون بمعرفة اختيار الموقف والموقع معاً من خلال عملية التطور، إضافة الى تبلور أشكاله في التعبير والتقنية والأساليب، والنظرة الإيجابية الى الفن لا تشجب انتصاراته في مراحله السابقة، على وجه الخصوص تلك التي تحمل في طياته قيمة اجتماعية أصيلة.
ظاهرة الشيخ إمام في مصر هي إحدى الظواهر الفنية الملفتة للنظر التي تستدعي الوقوف عندها لإضاءة الكثير من ملامحها الجوهرية والاقتراب من دقائق حركتها، لقد اختار الشيخ إمام الغناء والتلحين منذ البداية باتجاه التعبير عن هموم الوطن والأمة، وكتب الأشعار الزجلية رفيقه الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي ارتبط بعلاقة إنسانية متينة، لقد أجرى الشيخ إمام تعديلاً طفيفاً واجه به عملية تأويل المحتوى الثقافي لفن الغناء وعلى نظرة الفنان للفن.
هذا التعديل لا ينتسب بالضرورة إليه كلياً، إنما هو من معطيات التجربة الثقافية الإنسانية الكبرى، هذا التعديل هو الفن في خدمة الفقراء، والفن هو قضية لا هواية والفن معركة وليس جامعاً للحاجات، ومهما يكن من أمر فهذه المتطلبات صعبة لكنها ضرورية، إذا ما علمنا أنها جاءت لتواجه واقع الفن في مصر، إن الجوع والعوز والحرمان وغياب الحرية وسيادة الطبقات الطفيلية وإهدار كرامة الوطن والمواطن والتضحية بالإنجازات الضخمة للجماهير وتشويه أصالة الوجدان العربي لمصر، كلها سلسلة من الجراحات لم ينبه إليها الفن الرسمي المدفوع بتحصيل الحاجات الذاتية ولم تشغله القضية، لكن الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم يحملان هموم وطنهما وآلام شعبهما يغمسان حروف الرفض في عذوبة وصدق يستقطران أوجاع مصر، حيث يستحيل الأسلوب عندهما الى انحياز الشخصي الى العام والفردي الى الجماعي.
الشيخ إمام كان يعيش في واحد من أشهر الأحياء الشعبية في القاهرة، و يغني على عوده ألحانه التي يتولى صياغتها بنفسه ويركبها على كلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم، تلك التي تفصح عن حب لا يتزعزع لمصر وكرامتها وعزة شعبها وتضحياتها الجسيمة، نلمس في أغاني الشيخ إمام الروح الانتقالية الإيجابية، أنها تعطي الانطباع بأنها تعيد تنظيم الحس الشعبي وإعداده في مواجهة واقع متهرئ فاسد يرتع فيه اللصوص والأوغاد وأصحاب الأسماء سيئة الصيت، إن فنه لا يستعير أشكاله، بل هو يحرص على معاني الأشياء بنسق توليفي من الملامح والتكوينات والأساليب، وهو أيضاً تكرار إيجابي في خلق لغة المواجهة الانتقالية التي لا تساوم ولا تتخاذل، إن الشيخ إمام يغني لغة يحسها لواقع يومي بائس، لا تعتمد على تأويل خبرة فن الغناء بمادة غريبة عنه، انه توصل على نحو نابه الى أن يجعل نفسه جزءاً من واقع يشم رائحته القبيحة وهو مطالب ضمن ما يملكه بأن يعامل هذا الواقع بأسلوب تفجيري، هو جامع لإحساس الناس المضطهدين المهانين الموجوعين من خلال حب يدعك في أعماقهم ذلك النبل غير المدنس.
إن استنتاج القيمة الاجتماعية من هذه الأغنية هو الدعوة الى مواجهة الواقع وتغيير والانصراف الى كل من شأنه توطيد الحشد البشري في مواجهة السراق، محنة الطن توفر كل الفيوض البدنية العصامية لإدخارها والتمكن من استخدامها، إن الشيخ إمام بعد ذلك كله يضع مستقبل الوطن في فم الأغنية ويحذر ويحث وينذر ويكشف ويدين، إن الكلمة للمظلومين عليهم أن يقولوها.
إن أغاني الشيخ إمام لا تفصح عن ثراء لحني بقدر ما هي خطابات عاجلة أو منشورات سرية لكل الذين يهمهم مستقبل مصر، وعادة فالخطابات العاجلة تكتب بطريقة تتناسب مع الموقف، لذلك فهي تتحاشى الزخرف اللحني والصياغات الجمالية الباذخة، إنما تتحدث مباشرة وعلى الفور، هكذا هي أغاني الشيخ إمام مزيجاً من التقاليد الموروثة ومن التجديدات، كما هي حال الألحان التي خلفها لنا أساطير الملحنين محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمود الشريف وهو ليس منتظراً منه أن يواصل ما انتهى إليه الموسيقيون الكبار ولا يعمد الى صياغة جديدة لموسيقى المستقبل ولا يطوع اللغة الموسيقية الى ممرات جديدة من التعبير.
إنما هو يفرغ لأداء الواجب الفني للواجب الذي يدعوه الى مهمة جليلة.. نعني إنقاذ الوطن وإنقاذ المكتسب وتحشيد الضائعين المجروحين والشقيانين والمحرومين، فهؤلاء لا يخاطبهم من خلال آلات الجاز والجيتار، إنما يخاطبهم من خلال تعبير يتخلق في آلة العود، فهي الأقرب لهم والأنفذ الى أعماقهم، وآلة العود لا تستطيع أن تستجيب الى التصويرات النغمية الثقيلة والصعبة، لذلك فإن أغاني الشيخ إمام تقدم لنا الأصالة بأجلى صورها الأصالة في البساطة والحذق والتركيب الموسيقي، غير أن هذه الأصالة التي يتميز بها فن الشيخ إمام وشعر أحمد فؤاد نجم لا يكون لهما معنى إلا من خلال قضية تمس أوسع دائرة من الجموع البشرية.. والشيخ إمام يخلق لنا فناً جديداً، إلا أن هذا الجديد ليس في الأشكال الموسيقية التي ابتدعها من سبقوه، إنما الجديد هو تلك المنشورات التي يتضمنها فنه المحرض.
إن الصياغة الفنية لهذه المنشورات لا تحتال على القواعد التقليدية الموسيقية، فالمد والقصر والانتقالات النغمية والوقفة الاسترسال والقفلة الفنية المحكمة البناء، كلها علامات لفن المنشورات الغنائية للشيخ غمام، وعليه لا يمكن اعتبار إنجازات الشيخ غمام قيمة تظل خارج التاريخ الحي للموسيقى العربية، لأنها ثرية بالهدف التاريخي على المستوى الوطني، وثراؤها هذا يسمح لها بأن تكون قاعدة ومنبعاً للإلهام، ان المناخ اللحني الذي تنشغل به الأغنية عند الشيخ إمام هو احتفاظه اليسير السهل البسيط بالعنصر الأممي وهذا يعني أن أغانيه يمكن لها أن تنتشر على نطاق واسع، ولذلك لا نستغرب أبداً إذا ما علمنا أن أغاني الشيخ إمام منتشرة على الصعيد القومي العربي، كذلك طبعت له أكثر من أسطوانة في باريس وعدد من العواصم الأوروبية، ان ألحانه ترمي الى النزوح الى ما هو تقليدي، لكنها لا ترتبط بماضٍ توقف تأثيره.
إن أية ردة الى التراث في أغاني الشيخ إمام تنبثق أحياناً على نحو تلقائي يتحرك بطاقة الحس الجمالي لشخصية الفنان إمام، أن أغنية الشيخ إمام هي من نوع السطر اللحني المفرد، وهي عبارة عن شكل لحني يكون فيه النمو الموسيقي والإيقاعي شيئاً واحداً.
إن مقدار الاختلاف البيّن بين المحاكاة السطحية للتراث وبين ما يعاد اكتشافه، هو الإحساس بالحاضر، هذا الإحساس (الذي يقع عبئه على الشاعر أحمد فؤاد نجم) شبحي العميق المتدفق، الجار هو الذي يرسم في أغاني الشيخ إمام صورتها المميزة ويجعلها قريبة الى قلوب الكثيرين من الشباب والطلبة والعمال والفلاحين والغالبية العظمى من جماهير الشعب المصري.
إن صوت الشيخ إمام من الأصوات التي تدخر إحساساً زاخراً بالجاذبية، تلك التي تعطي للكلمة معناها وللحن ملامحه، أن صوته عميق ومؤثر وشبحي تستقطر نبراته أحزان مصر وأوجاعها في طريقة رجولية حيّة غنائه تأثرات حقيقية بأداء سيد درويش، وفي صوته أيضاً تكمن طاقة رجولية حيّة تنزع الى التعبير الأقصى عن الحالات الإنسانية.
إن طريقة أدائه جاءت لتغطي غناء يقلب ذلك الترتيب الثابت في الغناء التقليدي وليمزق السطوح الناعمة التي تتغلف بها أغنية- اليوم وهذا يكشف أيضاً عن نبرات التحديد والتحريض، ولأن الأغنية عنده ولادة ترتبط بالحياة والهدف، لذلك فهو يغني من خلال حبه للحياة ولأن حبه للحياة صار محرماً في شريعة اللصوص فتحول هذا الحب الى أناشيد سرية، أن في صوته وريداً للرفض نبض بصداح لا ينتكس ولا يخبو، أن أوجاعه الروحية هي من أوجاع شعبه، فأغانيه تواجه زواجر اللصوص وتتحدى تخمة الكروش، أن حنجرته المؤدية تغني انطلاقة الحياة، حيث ستنبثق ولابد أن تنبثق مرة أخرى طاوية عذاباته وعذابات شعبه المخبوءة والظاهرة.
مجلة الف باء 1986



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية